هل تجعلنا الثقافة أكثر إنسانية؟

البُنى الثقافية تحتاج إلى إعادة نظر مستمرة على ضوء الفطرة السليمة.
الخميس 2020/02/13
روسو ألّف رسالة في التربية تأكيدا على أهمية الفطرة في سلامة البناء الثقافي للإنسان

هل يمكن للثقافة أن تجعلنا أكثر إنسانية؟ وهل يمكن أن تسيء إلى كل ما من شأنه أن يجعل منا إنسانيين؟ ألا يدلّ التزمّت الديني الذي يدعو إلى القتل، والإدمان على المستحدثات التقنية التي تعزل الفرد على أن الثقافة لا توطّد إنسانيتنا؟ إذا كانت الثقافة، بوصفها مسعى لاكتساب المعرفة والمعاملات الاجتماعية، هي من تجعلنا إنسانيين، أفليست هي نفسها التي يمكن أن تقودنا إلى الوحشية؟

تاريخ الإنسانية هو تاريخ انتزاع النفس من الحتمية الطبيعية، والإنسان لا يكتسب إنسانيته من دون ثقافة، فهي التي تهذّب الطبائع وتنمّي الوعي وتقرّب الأفراد، بيد أن المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي لوسيان مالسون أثبت في دراسته عن “الأطفال المتوحشين” أننا نولد قبل الأوان نفسانيا، وأن الطفل الذي تربّيه الذئاب يقلّد سلوكها، ولا يتوصل أبدا إلى اكتساب أسس الثقافة إذا وضع في وسط متحضر. فالطبيعة، بهذا المعنى، عاجزة عن جعلنا إنسانيين، لأن الإنسان ليس كائنا طبيعيا فحسب.

قد يذهب بعضهم إلى القول إن الطبيعة تستطيع وحدها أن تجعل من جماعة من البشر مجتمعا سعيدا، غير أن هذا ليس مؤكدا إذا ما تُركت تلك الجماعة في وضعها الطبيعي، كما بيّن توماس هوبز بمقولته الشهيرة “الإنسان ذئب للإنسان”، فالاختلاط لا يكفي لأنسنتنا، لأن الخوف يدفع إلى الكراهية، والكراهية تدفع بدورها إلى العدوان، ويغدو من حق كل فرد أن يمارس حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه إذا ما صادف إنسانا آخر، ولولا يقظة العقل التي دفعت الناس إلى الاتفاق على وضع قواهم بين يدي سلطة حاكمة تحقق أمنهم وسلامتهم لانقرض الجنس البشري بالتقاتل. أي أن المرور إلى الوضع المدني هو الذي يتثقف بفضله الإنسان.

وقد أكد هوبز في قصة “ليفياتان” على عجز الطبيعة عن أنسنتنا، وأوضح من خلالها أن الخوف الطبيعي لا يزول تماما، حتى في المجتمع المنضبط، ما دمنا نغلق أبوابنا بالمفاتيح ونشتري الخزائن المصفّحة.

تنوع الثقافات هو ما يؤكّد إنسانيتنا، وعلاقة تلك الثقافات بالطبيعة عامل مهم في جعلها إنسانية بالمعنى الأخلاقي للكلمة

وهو ما ذهب عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس حين بيّن أن تطور الأعراف في الغرب تميز باستبطان الغرائز، إذ لاحظ أن الأفراد يُخفون كلَّ ما يشير إلى طبيعتهم الحيوانية، كاستعمال المناديل، وإغلاق الفم عند المضغ، والتعطر، أي أنهم يحجبون عن الآخرين ما يحتفظ به الجسد من طبع، فيغدو الحياء إلزاما اجتماعيا، وتغدو الثقافة إرغاما للذات.

وفي رأيه أننا ينبغي أن نتخلص من أصولنا الطبيعية كي نكتسب إنسانيتنا. غير أن المثال الألماني، وكذا الفرنسي، يطرح أكثر من سؤال: كيف استطاع ذانك الشعبان المثقفان أن يرتكبا أبشع الجرائم؟ وكيف غلبت غرائزُهما ثقافتَهما؟ أليس ذلك دليلا على أن الثقافة وحدها عاجزة عن جعل الأفراد اجتماعيين مدنيين متحضرين؟

إذا سلمنا جدلا بأن الثقافة تخلق إرغامات، لكون التربية هي غَصْب النفس على قبول ما لم تعهده، فهل يعني ذلك أنها تستند إلى أسس يقبلها العقل؟ لقد كان نيتشه يشك في ذلك، فقد أوضح في كتاب “جينالوجيا الأخلاق” أننا يمكن أن نجعل من الإنسان حيوانا يفي بوعوده باستعمال الحديد المحمَّى، وأننا يمكن أن نصنع بالقسوة إنسانا فاضلا.

الطبيعة خير ناصح
الطبيعة خير ناصح

بيد أن تلك القسوة قد تنبثق في شكل كراهية لدى أولئك الذين يدْعون إلى الخُلق الحميد، أولئك الذين يزعمون أنهم حازوا الحقيقة المطلقة، وصاروا يرغمون غيرهم على اتباعها، ما يعني أن الثقافة في الواقع يمكن أن ترهن قواها الحية، وتجعل من حضارة منضبطة حضارة مهدّدة بالانحطاط. ولا يعني ذلك أنه ينبغي إدانة الأخلاق والعودة إلى وضع طبيعي لم تكن فيه الأخلاق موجودة، بل إن البُنى الثقافية كانت في حاجة إلى أن يعاد النظر فيها على ضوء الفطرة السليمة.

ولهذا الغرض ألّف روسو رسالة في التربية، فأوصى تلميذه المتخيل في كتابه “إميل” بتأخير تعلم الثقافة لدعم صلته بالطبيعة، لأن الطبيعة في نظر روسو هي خير ناصح، فهي تلطّف فينا غريزة الاحتفاظ بعد تجربة الالتحام بها من خلال إيقاظ حس الشفقة فينا. وأن يكون المرء إنسانيا في اعتقاده فذلك نابع من اتّقاد العاطفة.

ولسائل أن يسأل كيف تكون الطبيعة على هذا القدر من أنسنة البشر؟ ربما لأن الإنسان يتعلم التواضع والخشوع عند الاتصال بها، وينمي حس الملاحظة داخله، ويكتشف فيها ثراء أكبر مما يمكن أن تمنحه إياه الثقافة.

وهو ما وقف عليه الأميركي هنري ديفيد ثورو حينما اعتزل العالم وعاش وحيدا قرب بحيرة في والدن، فقد اكتشف إلى أيّ حدّ يمكن للثقافة أن تُفقر علاقتنا بالعالم أو تجعلنا شريرين تجاه بعضنا بعضا، فالطبيعة في رأيه تحضّ على التأمل والتبصّر، وبذلك تكون مصدر إنسانيتنا الأساس.

ولكن ثمة من يعترضون على هذا الرأي، ويعتقدون أنّ في جعل الطبيعة ضمانة لإنسانيتنا مبالغة. فإدانة انحطاط الأخلاق شيء، والتأكيد على أننا لا يمكن أن نستغني عن الثقافة لنعيش إنسانيتنا شيء آخر. وفي رأيهم أن من الخطأ الفصل بين الطبيعة والثقافة في تطور إنسانيتنا، لأن المكتسبات الثقافية صارت شيئا فشيئا طبيعية، وهو ما أثبته الفرنسي مارسيل موس في كتابه “تقنيات الجسد” حيث ذكر أن الوظائف الطبيعية كالمشي والشرب والنوم هي في الواقع ذات سمات ثقافية محددة، لأن الجسد حسب تعبيره يحمل داخله الإرث الثقافي للأجيال التي سبقته، ولا يمكن بالتالي التمييز بين الطبيعي والثقافي في الإنسان.

ويخطئ من يعتقد أن الثقافات “المتطورة” أكثر إنسانية من سواها، فقد بين مونتاني مثلا أن أكل لحوم البشر الذي كان يثير حفيظة الكونكستادورس وتقزّزَهم لم يكن أكثر فظاعة من المحارق التي كانت تنصب لعقاب الهراطقة في أوروبا.

فلا مجال إذن للتمييز بين الثقافات، ولا مجال أيضا للفصل بين الثقافة والإنسانية. في محاضرة ألقاها في منظمة الأمم المتحدة، ونشرها تحت عنوان “العرق والتاريخ” كان ليفي ستروس قد اعترض على فكرة تراتبية الثقافات، فأكد من خلال تجربته الأنثروبولوجية أنه لا وجود لمجتمع إنساني متخلف، وأن البسطاء الذين ينامون على الأرض شبه عراة، لا يقلون إنسانية عن سواهم.

وجملة القول إن تنوع الثقافات هو ما يؤكّد إنسانيتنا، وإن علاقة تلك الثقافات بالطبيعة عامل هام في جعلها إنسانية بالمعنى الأخلاقي للكلمة.

14