هل تحتاج تونس إلى تخويف دولي للخروج من أزماتها

سيطرة الحسابات السياسية والحزبية والشخصية على أداء أطراف الأزمة التونسية وإهمال القضايا الأساسية قد يقودان إلى ردة فعل قوية من المجتمع الدولي فالصراع الداخلي بهذه التطورات لم يعد شأنا محليا.
الخميس 2021/07/08
صراع على من يقود المعركة

أطلق رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان حسان دياب صرخة إلى العالم الثلاثاء بأن لبنان في طريقه إلى الزوال، وأن اللبنانيين مهددون بالموت، لكن لا أحد من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية الذين كان يتحدث إليهم قد وعد بأن تستجيب بلاده وتقدم أيّ مساعدة بشكل عاجل.

ولا يخفي الكثير من التونسيين قلقهم بأن يحصل مع بلادهم مثلما يحصل مع لبنان، فعناصر الشبه كثيرة، فهناك وهنا يهيمن الفساد وترفض الطبقة السياسية الاستجابة السريعة لما يطلب منها من إصلاحات لإخراج البلاد من الوضع الاقتصادي الصعب.

ومثلما أن المانحين الدوليين، وخاصة صندوق النقد الدولي والدول التي عرفت بدعمها للبنان، قد ربطت بين الإفراج عن المساعدات والقروض بتشكيل حكومة اختصاصيين تكون قادرة على تنفيذ إصلاحات عاجلة، فإن الدعم الخارجي متوقف عن تونس ما لم تتفق الطبقة السياسية والمنظمات الاجتماعية على دعم خيار الإصلاحات.

لا شك أن الجهات الدولية المعنية لن تستمر بتحمل الوضع في تونس وقد تمر من التفهم والتحذير والتخويف إلى موقف حازم يعلن وقف المساعدات والقروض إلى أن تتجاوز الطبقة السياسية صراعاتها المرضي

ورغم التصريحات المتفائلة التي أطلقها الوفد الحكومي الذي ذهب إلى واشنطن والتقى هناك ممثلي صندوق النقد الدولي، فإن الصندوق متمسك بأن يصدر موقف جماعي تونسي يعلن عن تبني الإصلاحات والاستعداد لتنفيذها بالسرعة المطلوبة، لكن الرؤوس الثلاثة للسلطة في البلاد لديهم حسابات أخرى.

رئيس الحكومة هشام المشيشي، وهو رجل تكنوقراط شبيه بحسان دياب، متحمس لشروط الجهات المانحة، لكنه لا يستطيع أن يتبنى أيّ خيار لوحده في ظل تناقضات المشهد وارتهان حكومته للحسابات الحزبية.

ويضع رئيس البرلمان راشد الغنوشي ساقا مع الإصلاحات في الظاهر، وأخرى ضدها، وسعى لتوظيف علاقات الإسلاميين مع أكثر من بلد للحصول على مساعدات وقروض دون شروط، فلم يحصل سوى على وعود من ليبيا وقطر.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لا يبدو معنيا بهذا الملف، وهو يتكئ على مظلومية نقص الصلاحيات ويحصر حربه داخلها، ولم يتحرك بصفته رئيس البلاد وقائد دبلوماسيتها للحصول على تفهم دولي لوضع تونس سواء في ما يخص قدرتها على خلاص قروض سابقة أو الحصول على قروض ومساعدات جديدة بالرغم من الزيارات التي قام بها إلى فرنسا وإيطاليا وليبيا.

ما يزال المسؤولون يعيشون على صدى ثورة 2011 وإعجاب العالم بالانتقال السلس الذي تم في البلاد، لكن ذلك الرصيد تم استهلاكه في السنوات العشر الماضية تحت وقع الصراعات السياسية وخطاب العنف المسيطر على المشهد.

لكن الأهم في مسألة الإصلاحات الاقتصادية هو موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة النقابية ذات النفوذ القوي والتي تتحكم في القرار الحكومي بشكل واضح. لا يبدو الاتحاد معنيا بأيّ إصلاحات، ومواقفه مرتهنة لأزمة داخلية وصراع بشأن تغييرات في قانون المنظمة تسمح بإعادة انتخاب الأمين العام وعدد من عناصر المكتب التنفيذي الذين لم يعد من حقهم قانونيا الترشح لدورة جديدة.

اتحاد الشغل ما يزال إلى الآن يدعم الإضرابات في قطاعات حيوية بالرغم من الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد في قمة أزمة الوباء والوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب

ولأجل ذلك يسيطر على خطاب الاتحاد التصعيد والهروب إلى الأمام. وما يزال إلى الآن يدعم الإضرابات في قطاعات حيوية بالرغم من الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد في قمة أزمة الوباء والوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب.

وليس الأمر متوقفا عند المساعدات والقروض في بلد ينفق بلا حساب على زيادة الرواتب والعلاوات، في أوج أزمته، فقد كشفت أزمة الوباء عجز الطبقة السياسية والرؤوس الثلاثة التي تقود البلاد عن توفير الحد الأدنى لإدارة المعركة، فكانت متأخرة في الحصول على التحاليل كما هي متأخرة في الحصول على اللقاحات بالرغم من الضغط الشعبي، وخاصة من العاملين في قطاع الصحة.

إلى الآن ما يزال هناك صراع على من يقود المعركة ضد الوباء ومن تعود إليه “النجاحات” التي ستحصل فيها، هل هو رئيس الحكومة الذي لم يسمح له وزنه السياسي وتحالفاته بأن يتخذ إجراءات وقائية لمنع تمدد الفايروس، واكتفى دائما بقرارات هادفة إلى ترضية الجميع، وهو أمر بلا قيمة. أم رئيس الجمهورية الذي يتخذ من الحرب على الوباء وسيلة لتمرير رؤية تقوم على مركزة القرار بيده وإشراك الجيش والقوات الأمنية في قيادة هذه المعركة.

والمفارقة أن اجتماعين رسميين على أعلى مستوى عقدا حول الملف ولا يفصل بينهما سوى ساعات، الأول أشرف عليه قيس سعيد وحضره المشيشي وقيادات أمنية وعسكرية وخرج بقرارات بينها “تكثيف التحرك الدبلوماسي” للحصول على اللقاحات، والثاني أشرف عليه رئيس الحكومة واتخذ إجراءات أخرى بينها حديث عن ضخ أموال واتفاق على شراء كميات من لقاح جونسون أند جونسون.

وكان الأجدر أن تتخذ ذات القرارات في اجتماع واحد من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك المؤسسات ووحدة القرار في الدولة بقطع النظر عمن يقود.

وفي ظل هذه التعقيدات التي كشفت عن محدودية المسؤولين الرئيسيين في البلاد، جاءت حركة النهضة الإسلامية بمبادرة الحكومة السياسية التي لن يكون لها من دور سوى تغيير الاهتمام الرسمي من معركة الوباء بأشكالها المحدودة إلى معركة سياسية حول المحاصصة، ودفع البلاد إلى نقاشات ولقاءات وتوترات جديدة بين الرؤوس الثلاثة خاصة أن فكرة هذه الحكومة لا فائدة منها طالما أنه لعب في الوقت الضائع.

وتقول أوساط تونسية إن حكومة سياسية في هذا الوقت المعقد ستكون بمثابة حرف للأنظار عن الملفات الرئيسية، الأزمة الاقتصادية والصحية، خاصة أنها لن تقدر على توحيد السياسيين حول حكومة وحدة وطنية تحوز على رضا الجميع بسبب ألغام الصراع التي تحملها.

وتشير هذه الأوساط إلى أن حركة النهضة قد تخسر بهذه المناورة على أكثر من مستوى، الأول أنها ستفقد ثقة المشيشي الذي وعدته مرارا بأنه سيكون مرشحها في أيّ حكومة قادمة، والثاني أنها قد لا تنجح في إقناع الرئيس سعيد بما تسعى إليه من تهدئة، فرئيس الجمهورية لا يمكن أن يثق بسهولة بما تقوله النهضة بعد ما جرى مع الغنوشي من خلاف حول الصلاحيات والعلاقات الخارجية، فضلا عن الحملات الإعلامية.

إن سيطرة الحسابات السياسية والحزبية والشخصية على أداء الأطراف الرئيسية في الأزمة التونسية وإهمال القضايا الرئيسية والبحث لها عن حلول قد يقودان إلى ردة فعل قوية من المجتمع الدولي، فالصراع الداخلي بهذه التطورات والنتائج لم يعد شأنا محليا.

رئيس الحكومة هشام المشيشي، وهو رجل تكنوقراط شبيه بحسان دياب، متحمس لشروط الجهات المانحة، لكنه لا يستطيع أن يتبنى أيّ خيار لوحده في ظل تناقضات المشهد وارتهان حكومته للحسابات الحزبية

صحيح أن بعض الدول ما تزال تأمل في خروج الانتقال السياسي في تونس من حالة الارتباك وتجد له بعض الأعذار، لكن التعاطي المباشر مع الفاعلين الرئيسيين يدفع دولا مثل إيطاليا وفرنسا إلى اليأس بسبب غياب جهة واضحة يمكن التعامل معها في ملفات حيوية مثل الهجرة غير القانونية وتتبع شبكات الإرهاب التي باتت التونسيون عنصرا رئيسيا فيها.

كما أن رفض المسؤولين التفاعل مع شروط الصناديق الدولية المانحة، وبقطع النظر عن ظروفهم الداخلية وحساباتهم، فهذا يعني دفع المانحين الدوليين إلى التشدد، ووقف أيّ مساعدات أو تقديم دفعات من أيّ قروض تحتاجها البلاد بشكل عاجل في شراء اللقاحات والأجهزة الطبية الضرورية في معركة الوباء، أو تمويل ميزانية الدولية وخاصة توفير الرواتب التي يلوّح المسؤولون بأنها قد تتوقف في أيّ لحظة ما لم تسع الحكومة إلى توفير حل لمسألة التمويلات.

لا شك أن الجهات الدولية المعنية لن تستمر بتحمل الوضع في تونس وقد تمر من التفهم والتحذير والتخويف إلى موقف حازم يعلن وقف المساعدات والقروض إلى أن تتجاوز الطبقة السياسية صراعاتها المرضية وتخف خلافاتها حول النظام السياسي والانتخابي وتحسم قضية الصلاحيات وتنتهي إلى حل وفاقي يكون قادرا على مخاطبة العالم.

8