هل تحتضر المدن؟

بغداد واحدة من تلك المدن القلائل في العالم، التي تملك سحراً خفيا، برغم جور الزمان وقسوته عليها.
الخميس 2018/03/08
بغداد ليست بغداد

مذ غادرتها قسراً، قبل أربع عشرة سنة ونيف، وأنا لم أر مدينتي التي عشت فيها جل حياتي، وشاء قدري أن أعود إليها، طوعا، متحاشيا كل تلك السنين ألا أرى تفاصيلها، حتى أظل محتفظاً بزهوها وبصورتها التي لن تغيب عن بالي وبال الملايين من أهلها ومن مرّوا بها، ثمة مدن في العالم لها أكثر من دلالة، أن تكون مكاناً للعيش فحسب، تتخطى أبعادها الأربعة، وتتجاوز خطوط الطول والعرض، مثل روح معلقة بين السماء والأرض، في نظر أهلها ومحبيها، كأنها طائرة واقفة، لفرط تعلق الناس بها سمةً ومحصلة ومغزى ودلالات لا تتوقف في معانٍ ولا في حدود الجغرافيا والتاريخ.

بغداد واحدة من تلك المدن القلائل في العالم، التي تملك سحراً خفيا، برغم جور الزمان وقسوته عليها، عدت إليها مرغماً، لأضع نفسي في امتحان صعب كيف أراها، وهي مثخنة بالجراح تلوكها الألسن، عاهدت نفسي أن أتصبر وألا أجهش بالبكاء، أن أتصرف كغريب يتعرف على مدينة أخرى لم يزرها من قبل، قررت أن ألبس ترساً لحجب مشاعري، وأن أبدل دقات قلبي كي تبطئ، كي أتمكن من أن أراها من جديد رغم كل شيء، لكني رغم كل هذه الاستحضارات والتصبر، وجدتني مفجوعاً أدور بلا حذر أو وجل، بلا أدنى شعور بالخوف كي أراها، كي أعانق جدرانها الموشومة بالرصاص، أحدق في وجوه أهلها، أصرخ فيهم، أستنطقهم لأسمع حشرجات أصواتهم، أتلمس ماذا تبقى فيها، بعد أن حطمت شوارعها، وأهملت مبانيها وصار مجدها أضغاث أحلام، لكن الناس تجرأوا على التصدي للفساد، زادت حفريات البحث عن السياسة وأهلها، عرف الناس أسرار اللعبة من سنين، وكيف وصلوا إلى ذاك الحال، هناك صحوة عارمة، وسخرية هائلة من الطائفية وأصحابها، بدأوا يدافعون عن المنتج الوطني ويناقشون الميزانيات في المقاهي، وتشتم ربات البيوت الغلاء في الأسواق وعند القصابين وأصحاب الفواكه والخضر، ويسألون عن السكان الجدد في بيوت فرّ أصحابها لشراء حياتهم، يبحثون كل يوم عن صور شوارعهم وأصحابهم الغائبين، وكيف كانت عامرة.

المباني الجديدة كأنها مقحمة عليها، المولات صارت رئة يتنفس من خلالها المتبضعون خفايا الموضة الجديدة، وبرغم خرابها ووجعها فإن البغداديين استعادوا أنفاسهم، بطرد الخوف، واستذكار الأصدقاء والجيران، صار عندهم أدب خاص، وأماكن جديدة وانتقلت بعض المقاهي من الرشيد المعزول إلى الكرادة، صارت مدينة سؤال كبير، إلى متى؟

24