هل تحل الدبلوماسية الألمانية الأزمة الأوكرانية

الثلاثاء 2014/11/11
مسؤولون غربيون يقرون بضياع القرم رغم أن حكوماتهم لا تقبل ذلك

حتى في الوقت الذي عادت فيه التوترات إلى التصاعد من جديد في أوكرانيا، بدأ دبلوماسيون مخضرمون يفكرون بهدوء في وسيلة للخروج من أسوأ أزمة تشهدها العلاقات بين الشرق والغرب منذ نهاية الحرب الباردة، وربما يبدو التوقيت سيئا لتصور بنية أمنية معدلة لأوروبا في وقت يتعرض فيه وقف إطلاق النار الهش في شرق أوكرانيا للانتهاك يوميا، مما يزيد مخاطر نشوب حرب باردة جديدة.

وقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ثلاث موجات من العقوبات على موسكو بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم وتأييد الانفصاليين المؤيدين لروسيا في جنوب شرق أوكرانيا.

ومع ذلك ورغم انتقادات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللاذعة للغرب فلا روسيا ولا أوروبا لها مصلحة في استمرار مواجهة طويلة الأمد ألحقت بالفعل الضرر باقتصاد الجانبين وربما تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في شرق أوروبا.

ولهذا لجأ حكماء مثل السفير الألماني السابق فولفجانج ايشنجر رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن وايجور يورجنز رئيس معهد التنمية المعاصرة في موسكو المقرب من رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف إلى الوسائل الدبلوماسية بحثا عن مخرج ممكن.

ورغم أن ايشنجر يصف مسلك روسيا في أوكرانيا بأنه غير مقبول ويؤيد العقوبات فهو يعتقد أن تدعيم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قد يمثل أداة لتجاوز الأزمة.

وفي الأجل القصير يريد ايشنجر تشكيل مجموعة اتصال دولية تتألف من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومة الأوكرانية للإشراف على تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار الموقعة في مينسك في سبتمبر بين أوكرانيا والمتمردين الموالين لروسيا.

أما في الأجل الأطول فهو يقول إن صربيا الرئيس التالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في 2015 وألمانيا المرشحة لرئاسة المنظمة في 2016 يجب أن تعملا معا لتطوير ميثاق جديد للأمن الأوروبي. ويقول ايشنجر “يجب أن يكون الهدف تدعيم القواعد والمؤسسات بما في ذلك المنظمة لمراجعة مشروعات مثل اقتراح ميدفيديف عام 2008 لمعاهدة أمنية”.

وكان ميدفيديف طرح اقتراحه قبل نشوب حرب قصيرة بين روسيا وجورجيا ويقضي بأنه لا يحق لدولة أو تحالف يعمل في منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي أن يعزز أمنه على حساب الدول والمؤسسات الأخرى. وقال يورجنز الذي انتقد سياسة بوتين في أوكرانيا إن مبادرة ميدفيديف تستحق استجابة بناءة أكثر من الاستجابة التي تلقتها.

وكان الغرب استبعد الاقتراح في حينه لأنه بدا محاولة مفضوحة لمنح روسيا حق الاعتراض على قرارات حلف شمال الأطلسي مثل السماح بدخول أعضاء جدد أو نشر دفاعات صاروخية أميركية في أوروبا. ومنذ ذلك الحين سار بوتين في الطريق المعاكس بالقيام بعمل عسكري منفرد في القرم وإقامة اتحاد أوروبي آسيوي يضم روسيا البيضاء وقازاخستان ليكون ثقلا موازيا للاتحاد الأوروبي. والصراع في أوكرانيا هو صراع على اختيار كييف الاتجاه إلى الاتحاد الأوروبي بدلا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الآسيوي.

وإذا كان بعض الحكماء يتطلعون الآن إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فلأنها خرجت من عهد سابق للتنافس بين كتلتين لتتيح إطار عمل للحد من التنافس السياسي.

غير أنه بعد انضمام 12 دولة من وسط أوروبا إلى حلف الاطلسي سعى بوتين لرسم خط أحمر للحيلولة دون انضمام دول أخرى في الشرق إلى الحلف من بينها أوكرانيا وجورجيا.

وأثنى دبلوماسيون روس على فنلندا التي بقيت محايدة تتمتع بعلاقات ودية تجاه موسكو في ما يتعلق بالامن وفي الوقت نفسه واصلت عملية التكامل الاقتصادي مع اوروبا.

ويرى الغرب أن استيلاء موسكو عسكريا على القرم كان انتهاكا صارخا لمبادئ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. أما موسكو فترى أنه استجابة لرغبات السكان الذين تغلب عليهم الأصول الروسية وخطوة لمنع وقوع قاعدتها البحرية في سيفاستوبول بالقرم في أيدي حلف الاطلسي.

ويذكر الصراع الأوكراني الحكومات بأهمية المنظمة وهي المنتدى الأمني الوحيد الذي يجمع كل دول أوروبا وأميركا الشمالية، وفي أفضل الأحوال فإنها تخدم لتقريب وجهات النظر وإنقاذ ماء الوجه. أما في أسوأ الظروف فهي منتدى للحديث مصاب بالشلل لضرورة اتخاذ القرارات بالاجماع.

وليس من الواضح كيف يمكن لميثاق أمني أوروبي معدل أن يحقق الاستقرار للدول الواقعة بين روسيا وحلف شمال الاطلسي. ويقر كثير من المسؤولين الغربيين في لقاءات خاصة بضياع القرم رغم أن حكوماتهم لا تقبل ذلك من الناحية الرسمية.

ويقول ايشنجر الذي عمل لأكثر من عشر سنوات مع هانز ديتريش جينشر وزير خارجية المانيا الغربية الذي دأب على الترويج لمنظمة الامن والتعاون في أوروبا رغم الشكوك الاميركية العميقة، إن هناك سابقة للتعامل مع مثل هذه المشاكل. ويضيف أن اتفاق تأسيس المنظمة “لم يسو الوضع النهائي لألمانيا ودول البلطيق. لكنه أوضح أنه لا يمكن تسويته بالقوة”.

7