هل تحمل انتخابات تونس أملا في التغيير

السبت 2014/08/30

من حق الأحزاب أن تحتفي بالانتخابات القادمة، وتقدم قائماتها وتحتفي بمرشحيها، لكن من حق الناس التساؤل عن سر هذا الفرح الذي يهز الأحزاب، يمينها ويسارها، وهل هو فرح خاص أم عام؟ التونسيون انتخبوا بحرية كاملة في 23 أكتوبر 2011، واستجمعت كل الأحزاب أنصارها، لكن ماذا تحقق للناس، خاصة الكادحين الذين يحتكمون في تقييم ما يعيشون إلى علاقته بالخبز والجيب؟ صحيح أن الانتخابات كانت نزيهة، أو هكذا اتفق جميع الفرقاء السياسيين على توصيفها، فما الذي تحقق للناس قياسا بما ينتظرون؟

الناس انتخبوا حركة النهضة الإسلامية في مرتبة أولى، وعزا كثير منهم قراره إلى كونها “حركة يخاف منتسبوها الله” وأنهم توسموا فيها خيرا لتحكم بالعدل. لكن النتيجة أن “مخافة الله” ضاعت في زحام الغنيمة التي جاء لأجلها آلاف السجناء والمهجّرين السابقين، وتركز الجهد على تسوية ملفات الأتباع والمتعاطفين، فيما رُكنت هموم الناس إلى الهامش.

عدا هذا الجهد في التغيير للحساب الخاص، فإن نواب النهضة ووزراءها جعلوا أصابعهم في آذانهم، وفتحوا أبواب البلاد أمام أصحاب كل المشاريع ليفعلوا ما شاؤوا بها، ونشط الفساد بضراوة حتى زاحم الصورة القديمة، وانخرط فيه بعض مسؤولي “الترويكا” بقلة خبرة أحيانا، وبوعي تام أحيانا أخرى. وقدمت “النهضة” نفسها مريدا مطيعا لصندوق النقد الدولي، وصفّقت لخيارات التفقير وتقليص الدعم للفئات الفقيرة والمتوسطة، وبرر وزراء حكومتيْها، الأولى والثانية، الزيادات في الأسعار، وهم يعرفون أنهم يذبحون جمهورهم الانتخابي.

وكادت مقاربتها لملف التشغيل تقود البلاد إلى الهاوية، إذ سقطت وعود تشغيل 400 ألف طالب شغل، وبدلا عن ذلك أُغرقت مؤسسات الدولة بالوظائف الزائدة على الحاجة وبالزيادات في الأجور وخلق آلاف مواطن العمل الوهميّة (الحظائر) بما يفوق قدرة البلاد، وذلك من أجل إدارة صراعها مع النقابات التي يتمترس وراءها المنهزمون في الانتخابات، ورهن الجميع مستقبل البلاد في معارك ليّ الذراع والبحث عن مكاسب حزبية. ومن الصعب على أي قيادي من “النهضة” أن يعدّد مكاسب حققتها حركته في الملفات الاجتماعية، بالمقابل من السهل أن يجد خصومها نقاطا سوداء كثيرة في سجلها، تخص مقابلة مطالب الفئات المهمشة بعنف الدولة مثلما جرى مع مدينة سليانة التي أعطى رئيس الحكومة علي لعريض أوامر بمواجهة إضراب نفذته احتجاجا على انعدام المشاريع الاقتصادية فيها بالرش.

وما يزيد وضع النهضة سوءا وهي تدخل انتخابات 26 أكتوبر 2014 أنها محاطة باتهامات لا حد لها عن التسبب في انتشار المجموعات الإرهابية عن قصد أو بتساهل أو لغاية انتخابية، ورغم ما قدمته النهضة من مبررات فإن تجربتها كانت الأسوأ من حيث وقوع جرائم إرهابية مثل اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أو من حيث التمرد على الدولة. فكيف ستدخل النهضة الانتخابات في ظل هذه النتائج؟

الحركة بادرت إلى التجمل بالتخلي عن الوجوه المتشددة في قائماتها الانتخابية مثل الحبيب اللوز والصادق شورو، وعوضتهم بأسماء غير معروفة منها من لا علاقة له بالنهضة مثل بعض رجال الأعمال والرياضيين والمتفوقين في المجال العلمي، وهذا يعني أن القيادة الحالية قررت، أن تخوض الانتخابات دون ميراث الحركة، وأدارت الظهر لمساجينها وعوضتهم بمرشحين “تكنوقراط”، من خارجها أو ممن وضعوا الأرجل في ركابها بعد الثورة.

هذه النقطة مهمة، لأنها تفسر النقد الذي يمارسه منتمون سابقون ومتعاطفون أيام المحن مع التنظيم ضد سياسات الغنوشي وتحالفاته مع خصوم فكريين، ومحوه أحلام قواعده في ترسيم الشريعة بالدستور ولو لفظا، وضبط قائمات في “الفلول” ومنعهم من الترشح، وخلع أنياب الثورة عن طريق إلغاء قانون تحصين الثورة الذي تمسك به النهضويون طيلة سنتين، ورمى به الشيخ بعد لقاء باريس بينه وبين الباجي قائد السبسي زعيم نداء تونس. وبالنتيجة فإن المنتسبين للتنظيم، سيخوضون الحملات الانتخابية دون مضمون معلوم، فلا هم مدافعون عن الثورة ومعارضون لـ”الفلول”، أو رافعون لشعار تطبيق الشريعة، أو معارضون للرأسمالية، وأكثر من ذلك، فإنهم سيجدون أنفسهم في موضع من يبرر التقارب مع نداء تونس، ومن يبحث عن صداقة واشنطن وباريس في تناقض مع الشعارات القديمة.

ورغم أن الصورة تقول إن الشارع التونسي ليس له ما يبرر إعادة انتخاب النهضة، خاصة أن أبناءها الغاضبين تفرق بعضهم على أحزاب صغيرة، أو جلسوا على الربوة، أو صمتوا عن النقد، لكن التوقعات تقول إن الحركة ستعود إلى الواجهة بعد الانتخابات، ربما لن تكون بالمرتبة الأولى، لكن في كل الحالات ستكون بموقع متقدم في ظل ضعف الأحزاب الأخرى وتشظي العائلات الأيديولوجية، وخاصة في ضوء صراع المواقع داخل نداء تونس، وفشله في عقد توافق مع “العائلة الدستورية”. فأي طريق سيسلكه الناخب التونسي بعد أن افتضحت النوايا وانكشفت حقائق الأحزاب، ذلك ما سنعود له في مقال قريب بحول الله.


كاتب وإعلامي تونسي

8