هل ترامب صنف جديد من الفاشيين

الجمعة 2016/07/15

ديماغوجيّة دونالد ترامب الفاحشة ونظرته الازدرائية للتعديل الأول في الدستور الأميركي، ورغبته في توسيع صلاحيات الرئاسة (التي لم تعادل صلاحياتها الهائلة يوما ما هي عليه الآن)، وموقفه الهجومي والمهدّد تجاه السلطة القضائية، وطمسه الوقح للأجندات الخاصة والعامة، واستغلاله الساخر لخوف الملايين من الأميركيين من الإسلام في صحوة أبشع من مجزرة للأمة في أورلاندو، وسياساته الوطنية المتطرفة والعنصرية والمعادية للمهاجرين، وأخيرا تأييده للهبّات والهجمات العنيفة ضد المعارضين، كلها عوامل ساهمت في ظهور شبح فاشية جديدة على الساحة السياسية.

ولكن إلى أي درجة تعتبر الفاشية اصطلاحا مناسبا لما يمثله ترامب؟ باصطلاح “الفاشية” أعني ببساطة نظاما عسكريا استبداديا على نحو مميّز، معاديا للمهاجرين ومتطرفا في قوميته. وعلينا استخدام الاصطلاح بعناية كما هو الحال في الكثير من الأحيان، حيث يمثّل علامة على الكسل الفكري وعدم وضوح المفاهيم.

وما يدعو إلى تعقيد الأمور هو أننا نشهد صعود ترامب السياسي في الوقت الذي تقوم فيه أحزاب من الجناح اليميني المتطرف بمكاسب مذهلة في العديد من البلدان، بما فيها النمسا، التي لم تشهد مثل هذا التطور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا أمر مهم لأنه يدلّ على أن ترامب ليس ظاهرة معزولة، بل ينبغي التفكير فيه بالدرجة الأولى كمؤشر، نعم كمؤشر أو أحد أعراض انحلال الشكل الديمقراطي للنظام الرأسمالي العالمي.

إن ترامب ونظراءه الأوروبيين عبارة عن مؤشرات لحقيقة أنّ حاجة النظام الرأسمالي إلى المؤسسات والعمليات الديمقراطية، تتناقص بشكل مستمرّ. إن أكثر رجال إدارة الرأسمالية فعالية يتحولون بشكل جدلي إلى لاديمقراطيين وأنظمة استبدادية شاملة اسميّا لأنظمة شيوعية مثل الصين وفيتنام. وعندما يقول ترامب إنه لا توجد ديمقراطيّة وإنّ النظام بأكمله مزوّر، والأمر الأكثر إثارة للخوف هو ليس إن كان هذا قد يكون صحيحا أو أنّ الكثيرين يعتقدون أنه صحيح، بل في الواقع إن مجرّد صعوده يبيّن بأنه مازال هناك عنصر غير قابل للاختزال من حالات الطوارئ في السياسة.

نحن نشهد في جميع أنحاء العالم انحلال “الزواج” ما بين الديمقراطية والرأسمالية. وممكن رؤية ذلك في النظام شبه الشيوعي الفاسد في الصين أو نظام بوتين الاستبدادي في روسيا ونظام أردوغان السلطوي في تركيا. وقد يأخذ الشكل الذي نراه هنا، وهو أن حكم القانون ونزاهة هيئاتنا الحاكمة وأصوات المعارضة، تعامل بالازدراء والسخرية من قبل زعيم حزب سياسي رئيسي.

فاشية ترامب تظهر بشكل خاصّ في تأكيداته التي لا نهاية لها وبأنه ينوي للمكسيك تمويل جدار ضخم على طول الحدود الأميركية المكسيكية. وهذا الوعد -بصفته موضوعا أساسيا في كل تجمعات ترامب- ينبغي ألا يتم الرد عليه عن طريق إعطاء أسباب تعلّل أنها فكرة سيئة وغير عملية وما إلى ذلك. فبمجرد أن تبدأ في تقديم الحجج، تكون قد خسرت بالفعل، وذلك لأن الاقتراح ليس عقلانيّا على الإطلاق. ولكن بدلا من ذلك فالمقصود على وجه التحديد هو السخرية من استخدام العقل في السياسة. ترامب يعامل أتباعه ليس كوكلاء عقلانيين، بل بالأحرى كحزمة من طاقة عنيفة ومكبوتة يتلاعب ترامب بمهارة وخبرة بها لمصلحته.

عدد لا يحصى من الأميركيين هم الآن أكثر أو أقل استعدادا لإنكار الحقوق الأساسية للملايين من المهاجرين تحت تهديد الترحيل القسري، ورفض مئات الآلاف من اللاجئين الذين يبحثون عن مأوى ولجوء. وطريقة معالجة هذه الهستيريا المعادية للأجانب، هي بالتأكيد ليست من خلال الخطابات الليبرالية الداعية للتسامح واحترام الغير. وعلى العكس من ذلك، فإن لغة التسامح في غير محلها هنا تماما وتؤدي إلى نتائج عكسية.

وأكثر ملاءمة، بدلا من ذلك، هو الإخلاص لحقوق الإنسان والرفض القاطع بالسماح إلى أي مجموعة من الناس بأن تحرم الآخرين من الشروط الأساسية للعيش والازدهار. ولا يحتاج اللاجئون منا إلى التعاطف والتسامح، وهم ليسوا بحاجة إلى أن نفتح قلوبنا لهم، بل إنهم في حاجة إلى فتح حدودنا وتوفير الغذاء والمأوى والعمل.

ما أثبته ترامب بفعالية هو أن الصواب السياسي وإصرار الليبراليين على قواعد الدقة قد عملا فقط على تنظيم الكراهية والعنصرية، هذا في حين تستنسخ الظروف الموضوعية التي يمكن أن تؤدي إلى نوبات من العنصرية العنيفة.

والفشل الذريع في الدقة السياسية يكمن في محاولتها فرض ما ينبغي أن يكون عفويا. لقد تمكن ترامب من خلق تصور بأنه صادق وأصيل بطريقة أو بأخرى. المشكلة هي أنه في مكان اللياقة السياسية منحنا خليطا أكثر أو أقل انفتاحا للعنصرية وكرها للنساء وللقومية.

كانت حملة ترامب محاولة متواصلة لطمس التمييز بين السياسة والترفيه الجماهيري، لتخدير جماهير الأميركان البيض من ذوي الدخل المنخفض وغير المتعلّمين الذين هم في ذهول من ثروته الضخمة والمعروفة للجميع، لجشعه بلا حرج واحتقار أي شيء لا يمكن تسويقه أو بيعه. فهل نعتبر ترامب صنفا من الفاشيين الجدد، وذلك باستخدام خليط من الفن الهابط، والكلام المنمق للحفاظ على أتباعه؟ تحرير المكبوتين؟ الرغبات غير الواعية لأنصاره الذين يتم تشجيعهم ضمنا على ممارسة العنف الرمزي وحتّى البدني ضد الآخرين.

لا ينبغي الخلط بين الفاشية الجديدة التي نشهدها اليوم وبين فاشية الأمس. ولكنها قد تكون ليست بأقل خطورة على المدى الطويل، والحكمة السياسية التقليدية لم تعد قادرة على وقف تقدمه. والترياق للصعود إلى السياسات الشعبوية التي تعتمد على أساس عدم الثقة هو في الكيفية التي نصف بها الداء نفسه. وعرض ترامب ببساطة على أنه ظاهرة انحراف، أو مسخ ميتافيزيقي -وهو بلا شك شيء بهذا المعنى- هو أمر غير مناسب إلى حد كبير. يجب أن نراه كما نرى أعراض مرض عام، مرض عالمي في طبيعته. أجل، مرض يشهد على تناقضات وعداوات النظام الرأسمالي الديمقراطي.

أستاذ الفلسفة في الكلية الشرقية العالمية - نيوجيرسي

8