هل ترتدي المرأة ما يعجبها أم ما يعجب الناس

كأن الحرية التي نادى بها المصريون خلال ثورتين، لم تصل بعد إلى المرأة التي تواجه تحديات جمة من أجل إقناع المجتمع بضرورة احترام إرادتها على الأقل في ارتداء الزي الذي تفضله، بعيدا عن القيود المفروضة عليها، بدعوى حمايتها من التحرش، أو التلاسن بعبارات هي في غنى عنها.
السبت 2015/11/07
الزي النسائي أصبح رهين الوفاق المجتمعي والحكومي

اختيار المرأة للزي الذي ترتديه بات مرهونا بموافقة المجتمع، والتماشي مع القواعد العامة المعمول بها في المؤسسات الحكومية أو الجامعات، ما يضفي مزيدا من المعاناة على العنصر النسائي، الذي صنع منه المجتمع آلة تحركها الأهواء والعادات والتقاليد.

وعلى الرغم من أن المجتمع المصري، مثل باقي شعوب العالم، يعيش حالة من التقدم والتطور النوعي والثورة في مجال التكنولوجيا، لا تزال هناك أفكار ومعتقدات قديمة تتحرك بداخله، ترى أن احترامه للمرأة يزداد، وحصانة جسدها تتضاعف، كلما ازداد القماش الذي يغطي الجسد، أو التزمت بالأعراف والقواعد المجتمعية.

كان قرار جامعة القاهرة، بفرض زي بعينه على الطالبات، ومنع ارتداء الملابس الضيقة، أحد الشواهد على أن زي المرأة لا يرتبط بالحريات بقدر ما يتعلق بنظرة المجتمع إليها، وكل ما عليها فعله هو أن تنصاع للأوامر إذا أرادت أن تتجنب المضايقات.

ومنعت الجامعة ارتداء “الشورت” و”الشبشب” و”البارتكول”، و”الفيزون”، و”البادي كت”، و”البادي بالحمالات”، بدعوى حمايتها من “العيون” وتحصينها من المتحرشين وضعاف النفوس.

وفي جامعة الإسكندرية، مُنع دخول الطالبات اللاتي يرتدين السراويل الممزقة، وهي موضة حديثة، والتي يرتديها بعض الشباب والفتيات، وأصبحت متاحة في غالبية المحال التجارية، حتى في المناطق الريفية.

الحقيقة أن الأمر لم يعد مرتبطا بمنطقة ريفية وأخرى حضرية، بقدر ما أصبح رهين الوفاق المجتمعي والأسري والحكومي على الزي النسائي، حيث أضحت بعض المؤسسات الحكومية تفرض على المرأة ارتداء ملابس بعينها أثناء حضورها إلى العمل، وإلا قد تتعرض إلى المساءلة القانونية أو معاقبتها ماديا بالخصم من راتبها، على غرار الطبيبة والممرضة والمهندسة.

ارتداء السيدات لملابسهن بات مرهونا بموافقة المجتمع والتماشي مع القواعد المعمول بها في المؤسسات أو الجامعات

قبل أيام قليلة عوقبت معلمة بمدرسة ثانوية، في محافظة الإسكندرية (على البحر المتوسط) لارتدائها زيا “غير محتشم” ما دفع أحد زملائها إلى مضايقتها لفظيا، لكن المعلمة عوقبت وتم تهديدها بالعقاب مجددا إذا ما كررت ارتداء هذه الملابس داخل المدرسة. كما أن هناك من الشركات والمؤسسات التي تشترط مظهرا بعينه للفتاة، دون النظر إلى مؤهلاتها وكفاءتها وقدرتها على الإنجاز.

أيضا، هناك من الشباب من أصبح يبحث عن زوجة تكون من مميزاتها ارتداؤها للملابس المحتشمة جدا، للتدليل على سلوكها والتزامها، بعيدا عن تقييم تصرفاتها ومميزاتها.

حنين محمد، وهي فتاة عشرينية من حي عين شمس بالقاهرة، قالت لـ “العرب” إنها تخرجت من كلية الإعلام، وحينما تقدمت للعمل في إحدى الشركات المتخصصة في العلاقات العامة، أبلغوها بعدم ارتداء الحجاب والعباءة والملابس الواسعة بشكل غير مبرر، كشروط أساسية للعمل، لكنها رفضت، مبررة ذلك بأنها “ملتزمة للغاية” ووالدها يعمل إماما ومحفظا للقرآن.

وأضافت “للأسف نحن مجتمع يتعامل بمزاجه مع المرأة، حسب الأهواء”، فهناك من يرى أن ارتداء المرأة للسروال الجينز والـ”تي شرت” ينم عن عدم احترام، ولا يصح الخروج به أصلا، أو ينظر إلى عملها في مهنة تختلط فيها مع الرجال على أنه مس من الكرامة، وهناك من يرى عملها في كبرى الشركات والمحال التجارية، ضرورة نظرا إلى الراتب المرموق. وتساءلت حنين هل مطلوب من المرأة أن تلبس وتخلع وفقا لحاجة المجتمع، حتى يستطيع التعايش في سلام، وتحصل هي على حقها كاملا في التعليم والتوظيف؟

لكن، المسألة برمتها من وجهة نظر فاطمة محمد، أستاذة علم النفس والاجتماع، تنم عن خلل مجتمعي، كان السياسيون والإسلاميون من أبطال هذا الخلل، فالسلفيون أو المتأسلمون يقيّمون احترامهم للمرأة وفقا لملابسها، وإن ارتدت عكس توجهاتهم تكون امرأة غير سوية وتستحق ما تتعرض له من تحرش ومضايقات.

أما المؤمنون بالفكر الليبرالي واليساري عموما فإنهم يعتبرون أن المرأة التي ترضخ للفكر السلفي والمتأسلم، فإنها “غير متحضرة” ومقيدة الفكر والعقل والروح، وهناك فصيل ثالث يرى أن على المرأة أن تظل حبيسة العادات والتقاليد، وإن خرجت عنها تصبح من منظوره غير جديرة بالاحترام.

هناك من الشباب من أصبح يبحث عن زوجة تكون من مميزاتها ارتداؤها للملابس المحتشمة جدا، للتدليل على سلوكها والتزامها، بعيدا عن تقييم تصرفاتها ومميزاتها

وقالت الدكتورة فاطمة محمد لـ”العرب” إن الأمر ليس مرتبطا بالجهل، أو تدني التعليم والثقافة، بقدر ما يتعلق بالرجعية أحيانا، وبالعادات أحيانا أخرى، خاصة أن قرار بعض الجامعات بمنع ملابس بعينها، صدر عن أساتذة علم، وليس عن جهلة. وأوضحت “نحن ندعو إلى الحرية ولا نحترمها، وإذا تحررنا نفرض الدكتاتورية على المرأة من دون وجه حق، قانونيا أو دستوريا”.

وفي موازاة ذلك، قالت ليلى عيد، الباحثة في شؤون المرأة إن الحكم على المرأة من خلال الملابس، يعكس عنصرية وتمييزا واضحين لدى فصيل كبير من الرجال، وينم عن عدم احترام للمرأة التي شهد التاريخ لها بالنضال ضد الظلم والفساد والاستبداد، لكن الآن يحجب عنها المجتمع أدنى الحقوق في اختيار الملبس الملائم لحياتها.

وعن إمكانية تغير نظرة المجتمع إلى حق المرأة في التزين قالت لـ “العرب”: للأسف لن تتغير، فالمجتمع أصبح يعطي المرأة حريتها وفقا لتقاليده، وإذا كان هناك من يتغنى بفرض زي بعينه على المرأة لحمايتها من المضايقات، فهناك من ترتدي الحجاب والنقاب وتتعرض أيضا للمضايقات.

وشددت على أن الأزمة في التفكير وليست في الزي، وعلى من يتغنون بالتحرش، أن يقرؤوا تاريخ مصر، ليعرفوا كيف كانت المرأة ترتدي في السبعينات والستينات من القرن الماضي ملابس قصيرة، ولم يعترض على ذلك مسؤول أو عابر سبيل. واستطردت قائلة: وقتها كان الجميع ينظر إلى المرأة بتحضر، ولم يعتبرها أي شخص أنها غير سوية، لكن الحاصل الآن يبرهن على أن المرأة أضحت ضحية هذا التحضر.

21