هل ترتقي الرسوم المتحركة بوعي الصغار أم تسقطهم في شراكها

في محاولة للتخلص من إلحاح الطفل واحتياجاته الكثيرة والمزعجة في بعض الأحيان، تلجأ أمهات عربيات كثيرات إلى إلهائه بأفلام الكارتون المدبلجة والمستوردة من الغرب، فتكون النتيجة تركه لساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون، متابعا صامتا منقطعا عن العالم، تسجل ذاكرته كل ما يشاهده سواء بالسلب أو بالإيجاب.
السبت 2015/05/23
الرسوم المتحركة يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في تنشئة الطفل إذا استخدمت بشكل مدروس

لا توجد دراسات دقيقة تحدد عدد المدمنين من الأطفال، في الوطن العربي، على مشاهدة أفلام الكارتون التي تحتوي على العنف والمشاهد الجنسية، أو عدد الساعات التي يقضونها في المشاهدة، أو مدى تأثرهم النفسي والأخلاقي، وإن كانت بعضها أكدت أن الأضرار وخيمة، والعواقب غير آمنة، وأهمها أن شخصية الطفل تصبح انطوائية منعزلة عن المجتمع، وكذلك تأخره في النطق وقلة درجات التركيز.

القضية تفجرت في مصر قبل سنوات عندما استيقظ الناس في محافظة أسوان بأقصى جنوب مصر على حادث بطله طفل عمره 10 أعوام، دفعه التقليد الأعمى لما رآه من مشاهد عنف في مسلسل “هيروكليز” والذي كان يذيعه التلفزيون المصري آنذاك، إلى الاتفاق مع صديق له على أن يساعده في تعليق نفسه من رقبته في السقف، حتى يتمكن من تخليص نفسه على طريقة البطل الخارق هيروكليز، لكن الطفل مات مشنوقا بعد أن فشل في محاكاة بطله الأسطوري. وهناك قصة أخرى لصبي وضع شقيقته في الثلاجة تقليدا لمسلسل توم وجيري الأميركي.

لا يستطيع أحد إنكار الدور الإيجابي للرسوم المتحركة في تنشئة الطفل، إذا استخدمت بشكل مدروس، لكن غالبية الأفلام والمسلسلات تفعل العكس ومنها على سبيل المثال “سيمبسون” وهو مسلسل كارتون أميركي، يبث أفكارا تروج لثقافة المجتمع الغربي بعيدا عن تقاليد وعادات مجتمعاتنا الشرقية، ومنها فصل الأبناء عن الآباء في سن صغيرة، وإعطائهم الحرية البالغة السوء، كما يتضمن مشاهد جنسية تحرض على فعل الفاحشة.

نيفين عبدالعزيز متخصصة في الرسوم المتحركة، قالت لـ”العرب”، إن مشاكل أفلام الرسوم المتحركة تختلف بحسب الشركة المنتجة، فشركة ديزني لاند مثلا تحرص على ألا تظهر مشاهد العنف بكثرة، حتى مشاهد القتل تأتى بها كظلال على الجدران، أما القبلات في المشهد الأخير بين البطل والبطلة في أفلام مثل سنوايت وسندريلا تكون بهدف الرومانسية والنهاية السعيدة فقط.

المشكلة تكمن في دور الأسرة التي لا تتحكم في مشاهدة أطفالها للصور المتحركة، فتحدد المدة والنوعية

لكن عبدالعزيز تعترف بأن العنف يؤثر بشكل كبير على الطفل، وأنه يقوم بتقليده، وتلفت النظر إلى حادثة في الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي وقعت في مصر عندما حاول طفل صغير تقليد “فرافيرو” تلك الشخصية الكرتونية الطائرة، فوقف على سور شرفة منزله مرتديا وشاح فرافيرو الذي يساعد على الطيران، لكنه وقع في الشارع ومات، منوهة إلى أن الأفلام الكرتونية المستوردة غيرت بشكل كبير في شخصية الطفل العربي للأسوأ.

من الملاحظ أن غالبية أفلام الكارتون التي تجعل من أبطالها الخرافيين شخصيات عظيمة تتخللها مشاهد عنف مما يجعل الأطفال يؤمنون بما تفعله حتى ولو كانت شخصية شريرة، كما أنه لا يوجد عقاب للقائم بالعنف وكأنه أمر عادي.

الدكتورة سهير لطفي أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أكدت لـ”العرب”، أن المشكلة الأساسية تكمن في دور الأسرة التي لا تتحكم في مشاهدة أطفالها للصور المتحركة، فتحدد المدة والنوعية، لافتة إلى أن تلك الأفلام المستوردة من أميركا تتاجر بالعنف والجنس، ولا يعنيها من يكون المتلقي طفلا كان أم كبيرا.

وتشير لطفي إلى أن القنوات في الخارج تخضع لما يسمى بالتصنيف، حيث تكون ملزمة بتحديد سن الطفل الذي يشاهد الفيلم، كما أن دور السينما هناك لا تستطيع مخالفة القوانين، مؤكدة على أن شركة ديزني لاند الشهيرة في إنتاج أفلام الكارتون منعت من أفلامها كافة مشاهد التدخين، بعد صدور دراسة أميركية تحذر من مخاطره، وانتشار ظاهرة التدخين بين الأطفال.

من جانبها روت الدكتورة فؤادة هدية أستاذة علم نفس الأطفال لـ“العرب”، قصة طفل صغير تعرفه، يبلغ من العمر 5 أعوام، أصبح يتحدث اللغة الروسية من فرط مشاهدته لأفلام الكارتون الروسي، وهو ما يؤكد عمق تأثر الأطفال بالمادة الكرتونية.

الفضائيات تبث لأطفالنا الكثير من المواد الكرتونية، يحتوي أغلبها على تقاليد وعادات مختلفة عن مجتمعاتنا

وتحذر هدية الأمهات من ترك أطفالهن لساعات طويلة بمفردهم أمام الكارتون، وطالبتهن بالمشاهدة الناقدة، مؤكدة على أن التأثير النفسي للكارتون على الطفل يجعله شخصية عنيفة محبطة ومنفصلة عن عالمها الحقيقي.

السموات المفتوحة والفضائيات الكثيرة تبث لأطفالنا الكثير من المواد الكرتونية، بكافة لغات العالم، يحتوي أغلبها تقاليد وعادات مختلفة عن مجتمعاتنا، في حين أن قنوات الأطفال العربية نادرة وتعد على أصابع اليد الواحدة، فما السبب وراء ذلك؟

حسام عبدالعزيز مخرج تنفيذي بإحدى الشركات المنتجة لمسلسل بكار الكارتوني المصري، وكذلك سوبر هنيدي والذي يقوم بتجسيد صوته الفنان محمد هنيدي، يؤكد على ضرورة أن تنتج الدول العربية أفلام رسوم متحركة بجودة عالية إذا كانت هناك نية حقيقية في مقاومة سيطرة الأفلام الأميركية والتي تحتوي على مشاهد العنف والجنس وتبث تقاليد وعادات تخالف ما تربينا عليه في مجتمعاتنا الشرقية.

عن عدم وجود رقابة على قنوات الأطفال التي تبث أفلاما مستوردة، تقول الناقدة السينمائية ماجدة موريس، إنه من الصعب مراقبة، مثل تلك القنوات أو خضوعها للقانون، وأن الكثير من الحكومات العربية تعجز حتى عن رقابة الأفلام السينمائية.

وتشير إلى أن الحل يقع على عاتق الأسرة فهي التي تستطيع أن تتحكم في الأمر من خلال تصنيف ما يشاهده أطفالها، لافتة إلى أن الدول الغربية تلتزم بوضع لوغو يقول إن المادة المعروضة تناسب سن معينة.

21