هل تريد فيسبوك فعلا ضبط قادة العالم "الطائشين"

خبراء يرجحون أن معركة فيسبوك مع "قادة العالم الطائشين" قد بدأت للتو لأن تأثير قرار مجلس الإشراف على الموقع لن يقتصر على الحدود الأميركية.
الجمعة 2021/05/07
مصالح متبادلة

يشكل قرار مجلس الرقابة على محتوى فيسبوك القاضي بإبقاء تعليق حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب معلما فارقا لمواقع التواصل الاجتماعي عامة. وفيما يرى خبراء أنه قرار لصرف أنظار الرأي العام عن المشاكل المزمنة للشركة يتساءل آخرون عن مصير حسابات القادة الشعبويين والطائشين حول العالم.

واشنطن- سلط قرار تأييد مجلس الرقابة على فيسبوك يوم الأربعاء تعليق حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الضوء على الفراغ التنظيمي فيما يخص وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال المجلس إن شركة فيسبوك أخطأت عندما جعلت التعليق غير محدد المدة وأمهلها ستة أشهر لتحديد “إجراء مناسب”. ووصف ترامب قرارَ حظْرِه على منصات تكنولوجية بأنه “فضيحة كاملة” وقال إن الشركات ستدفع “ثمنا سياسيا”.

ويشكك النقاد بالفعل في شرعية وقيمة مجلس الرقابة، وهو كيان أنشأه موقع فيسبوك للمساعدة عند الضرورة وتحميله المسؤولية في مثل هذه القضايا. والمجلس قادر فقط على تقديم توصيات لفيسبوك بشأن سياساته، والتي يمكن للشبكة الاجتماعية أن تأخذها بعين الاعتبار أو تتركها، كما أن لفيسبوك يدا في اختيار الأعضاء لأن سلطات مجلس الإدارة محدودة.

هيلي ثورنينغ: لا يمكنهم اختراع قواعد جديدة غير مكتوبة عندما يناسبهم ذلك

ويرى بعض النقاد أن المجلس وجد لصرف النظر عن تطوير قوانين جديدة للرقابة الحكومية على شركات التواصل الاجتماعي. ويعتبرون أنه لم يكن لفيسبوك نية في إيقاف حساب ترامب أصلا لولا الانتقادات التي طالت الشركة.

ويقول خبراء إن ترك الأمر معلقا قد يكون دليلا على إعادة ترامب بعد أن تهدأ العاصفة، مؤكدين أن “وجود فيسبوك بات يتغذى على الشعبوية”.

وقال بول باريت، نائب مدير مركز ستيرن للأعمال وحقوق الإنسان في جامعة نيويورك، في بيان “سيكون التأثير العملي لهذا القرار هو أن منصة فيسبوك -وربما المنصات الأخرى التي كانت تراقب مجلس الرقابة للحصول على إرشادات غير رسمية- يجب أن تستمر في مواجهة مشكلة ما يجب فعله حيال القادة السياسيين الذين يسيئون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وينشرون الأكاذيب ويحرضون على العنف”.

واتخذت منصات أخرى إجراءات مماثلة تجاه حسابات ترامب بعد اجتياح الكونغرس في يناير الماضي. وينتظر يوتيوب أن “تتراجع مخاطر العنف” قبل أن يسمح للرئيس السابق بنشر أشرطة فيديو مجددا على منصته. أما تويتر الشبكة المفضلة سابقا لترامب مع حوالي 89 مليون متابع فقد علقت حسابه بشكل نهائي رغم أن جاك دورسي مؤسس الشبكة أعرب عن أسفه “للفشل في الترويج لمحادثة سليمة”.

وجدد القرار دعوة الحكومة إلى تولّي دور تنظيمي أكبر ومواصلة الجهود الجارية للحد من قوة عملاق وسائل التواصل الاجتماعي، كما تساءل البعض عن سبب تركيز القرار على شخص واحد فقط، وليس على القادة الشعبويين في العالم.

ويرجح خبراء أن معركة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مع “قادة العالم الطائشين” قد بدأت للتو لأن تأثير قرار مجلس الإشراف على فيسبوك لن يقتصر على الحدود الأميركية.

وقالت صحيفة واشنطن بوست إن “هذا القرار من الأساس له طبيعة عالمية؛ لأن ترامب ليس هو الوحيد المتهم بانتهاك مواقع التواصل الاجتماعي، إنه مجرد بالون اختبار للطريقة التي سيتم التعامل من خلالها مع قادة العالم الآخرين من قِبل منصات التواصل الاجتماعي مستقبلا”.

بول باريت: منصة فيسبوك يجب أن تستمر في مواجهة مشكلة ما يجب فعله حيال القادة السياسيين الذين يسيئون استخدام وسائل التواصل

وسيؤثر القرار على الدول التي واجهت عنفا منهجيا بسبب قادتها، مثل رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي والرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي وغيرهما الذين استغلوا أوجه القصور في فيسبوك التي وفّرها الموقع لترامب منذ عام 2015، بحسب ما قالته هايدي بيريتش كبيرة الخبراء الاستراتيجيين في المشروع العالمي المناهض للكراهية والتطرف.

وكانت بعض الحكومات قادرة على استخدام عمالقة التواصل الاجتماعي لحسابها الخاص؛ ففي الهند حاولت الحكومة استخدام القوانين المحلية لإجبار فيسبوك وشركات التواصل الاجتماعي الأخرى على إزالة منشورات المعارضين. وفي الشهر الماضي حظر موقع فيسبوك مؤقتا هاشتاغا دعا مودي إلى الاستقالة، رغم أنه قال في وقت لاحق إن هذه الخطوة كانت خطأ.

من جانب آخر فتح الحكم فصلاً جديدًا في الجدل العالمي حول القوة غير الخاضعة للرقابة التي تتمتع بها أبرز منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بوقا سياسيا للكثير من قادة العالم.

وتلوح إجراءات تنظيمية في الأفق، حيث وعد المشرعون الأميركيون بأنه بحلول نهاية العام سيُحاسب تشريع جديد أبرز منصات وسائل التواصل الاجتماعي على فشلها في ضبط المعلومات المضللة. وقالت رئيسة مجلس الرقابة ورئيسة الوزراء الدنماركية السابقة هيلي ثورنينغ شميدت في مقابلة “لا يمكنهم اختراع قواعد جديدة غير مكتوبة عندما يناسبهم ذلك”.

 وبعد القرار أكد موقع فيسبوك أن ترامب سيبقى خارج الشبكة الاجتماعية في الوقت الحالي. لكن الشركة بدت غير ملتزمة في ردها. وقال نيك كليج، نائب رئيس فيسبوك للشؤون العالمية والاتصالات، “سننظر الآن في قرار مجلس الإدارة ونحدد إجراءً واضحًا ومناسبًا”.

وقال السيناتور الديمقراطي مارك أر. وارنر “يجب على صانعي السياسات في نهاية المطاف معالجة جذور هذه القضايا، والتي تشمل الضغط من أجل الإشراف وآليات الاعتدال الفعالة لمساءلة المنصات عن نموذج الأعمال الذي ينشر الضرر في العالم الحقيقي”.

 قرار مجلس الرقابة على فيسبوك بشأن حساب الرئيس الأميركي السابق لن يقتصر على الحدود الأميركية

وقال النائب كين باك العضو الجمهوري الأعلى في اللجنة الفرعية لمكافحة الاحتكار في مجلس النواب “إن مكانة شركة فيسبوك كقوة احتكار دفعت قادتها إلى الاعتقاد بأن بإمكانها إسكات وفرض رقابة على خطاب الأميركيين دون تداعيات”، وأضاف “الآن، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى إصلاح صارم لمكافحة الاحتكار لكسر احتكار فيسبوك”.

وشركات التواصل الاجتماعي لديها سبب منطقي في الشعور بالقلق إزاء رد الفعل السياسي العنيف؛ فبعد حظر ترامب من موقعي فيسبوك وتويتر في يناير الماضي اقترحت حكومتان على الأقل، واحدة من اليسار في المكسيك والثانية من اليمين في بولندا، سياسات لتقويض سلطة مواقع التواصل الاجتماعي. ولم يكن القلق مقتصرا على “الشعبويين” فقط، إذ قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن الحظر الدائم المفروض على حسابات ترامب في مواقع التواصل الاجتماعي تمثل قيدا على حرية التعبير.

19