هل تساهم المؤتمرات ضد الإرهاب في وقف العنف والتطرف

الاثنين 2015/03/02
الخطابات الصادرة عن مؤتمرات وندوات مكافحة الإرهاب غير كافية لوحدها رغم أهمية ما تتوصل إليه

القاهرة - تواتر عقد المؤتمرات التي تحاول إيجاد حلول لمواجهة الفكر الإرهابي، فمن واشنطن إلى مكة مرورا بالهند وصولا إلى القاهرة والأردن، تباينت الآراء والطروحات في النظر إلى مسألة علاقة الدين بالسياسة مما أفرز تشكيلات متعددة من التنظيمات التي جعلت الدين مطية للوصول إلى كرسي الحكم، ومنها من جعل الانتماء الديني طريقا لرفض الآخر. فهل تكون هذه المؤتمرات لبنة في مشروع التصدي لمشاريع الموت التي تبشر بها حركات التطرف والعنف؟ وهل المواجهة الفكرية كافية للوقوف في وجه تنظيمات الإسلام السياسي وما تبشر به من ثقافة الموت؟

المؤتمرات التي عقدت مؤخرا في كل من واشنطن ومكة والهند والقاهرة والأردن كلها تجمع على ضرورة محاربة الإرهاب، وقد اتخذت هذه المؤتمرات عناوين لها تختلف في الصياغة لكنها تجتمع في الهدف، فقد أكد المؤتمر العالمي “الإسـلام ومحاربة الإرهــاب” الذي احتضنته مكة المكرمة أن التطرف ظاهرة عالمية، والإرهاب لا دين له ولا وطن، وأكد العلماء أن الإرهاب “شوه صورة الإسلام شرعة ومنهاجا، واستحلت بسببه الدماء المعصومة، واستغلت نزعات الانقسام المذهبي والعرقي والديني”.

أما مؤتمر القاهرة الذي جاء تحت عنوان”عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه.. طريق التصحيح” فقد طالب فيه أحمد الطيب شيخ الأزهر بتشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة الإرهاب، وشدد على أهمية التعاون بانضمام قوات عربية إلى القوات المسلحة المصرية، لاجتزاز شأفة الجماعات الإرهابية المسلحة، داعيا في الوقت ذاته إلى التعاون بين المؤسسات الأمنية والدعوية والإعلامية في مواجهة الإرهاب.

ودعا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية إلى ترسيخ قيم “حب الحياة” لمواجهة نشر “ثقافة الموت” من قبل الجماعات المتطرفة.

دين الله يجب ألا يتخذ هزؤا للوصول إلى المآرب السياسية، ولا سبيل للعمل في السياسة باستغلال الدين

وناشد رجال الدين أن يحرصوا على أن يكون الخطاب الديني بناء ويبني الفكر الإنساني، ويستخدم وسائل الحداثة للوصول إلى الناس.

كما شهد اليوم الأول منه خلافا حول قضيتين أثيرتا خلال المؤتمر هما “الحوار مع داعش” و”فصل الدين عن السياسة”.

المسألة الأولى أشار إليها وليد محمود، مفتي فنلندا، حيث قال في كلمته إنه “لا تجوز الدعوة لتكفير شباب الجماعات التي تقوم بأعمال عنف قبل محاوراتهم”، ضاربا المثال بشباب داعش، مضيفا “إن الواجب محاورتهم قبل تكفيرهم”.

وأشار إلى أن “داعش نشأت في العراق بعد عشر سنين من الاحتلال وانتهاك المساجد والحرمات والتهجير القسري، وظهرت في سوريا بسبب الظلم” حسب تعبيره.

حديث مفتي فلندا، دفع هايل عبدالحفيظ داود، وزير الأوقاف الأردني للاعتراض، قائلا إن “الانحراف الفكري يواجه بالفكر، لكن هذا الانحراف الفكري إذا وصل إلى حد استخدام القوة والقتل والحرق والنحر أصبح التوضيح الفكري غير مجد فيه، بل لابد أن يرافق ذلك القوة العسكرية”.

وتابع “نحن مع فكرة الحوار مع الشباب المُضَلَل، ولكن مقاتلة داعش والجماعات المتطرفة المسلحة باتت واجبا شرعيا لحماية الأمة”.

خلاف آخر، ظهر خلال كلمة لعضو مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، عبدالله النجار، عندما قال إنه “لا سياسة في الدين”، قبل أن يضيف “يجب ألا يتخذ دين الله هزؤا للوصول إلى المآرب السياسية، ولا نعمل في السياسة مستغلين الدين”.

الانحراف الفكري يواجه بالفكر، لكن هذا الانحراف إذا وصل حد استخدام القوة والقتل والحرق والنحر لا بد له من قوة عسكرية

ودلل على حديثه بالقول “خلط الدين بالسياسة مخالف لشرع الله لأن المصالح العامة منوطة بالكفاية”، مضيفا “نريد أن ننزه الدين من أن يُتخذ مطية للسياسة أو تتخذ السياسة للدين”. وأضاف “عبارة لا دين في السياسة صحيحة لأن السياسة متغيرة ودين الله غير متغير، فلا نتخذ الدين وسيلة للوصول للشهوات السياسية”.

وأمام تنامي ظاهرة الجماعات المتطرفة المسلحة لا تكفي المؤتمرات للإعلان عن مواجهة الإرهاب؛ حيث دعا المؤتمر إلى أخذ خطوات جادة ويجب أن يقدم عليها الأزهر والكنيسة، منها تنقية المناهج التعليمية والدراسية، تثقيف الدعاة والقساوسة، والتصدي لإعلام الجماعات المتطرفة، وتنقية كتب التراث الديني من كل ما فيها من عنف وتأويلات وتفسيرات، والتي يتم تدريسها في المعاهد الأزهرية، وتجديد الخطاب الديني في المجتمع بشكل عام والكليات والجامعات بشكل خاص.

وقال أحمد الطيب شيخ الأزهر “إذا كان المؤتمر ينعقد لمعالجة الأخطاء التي يرتكبها بعض المنتسبين للإسلام، فإننا نؤكد أن الأخطاء لا يقع فيها أفراد فحسب، بل هناك أخطاء يروج لها من الآخرين، أولها ما يروج له البعض أن هذه الجماعات تنطلق من منطلقات دينية خاصة من الإسلام، مع أن أفعال تلك الجماعات لا صلة لها بالإسلام”.

المؤتمر ناقش أسباب الانفصال بين عظمة الإسلام وسلوكيات المسلمين، ومخاطر التوظيف السياسي للدين وإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، ووجوه العظمة في الحضارة الإسلامية، وعظمة القيم الأخلاقية، وعظمة الإسلام في التعامل مع الآخر، وأخطاء المنتسبين للإسلام والأخطاء الفكرية والسلوكية، وأخطاء الجماعات المحسوبة ظلما على الإسلام، وخطورة التكفير على المجتمع والأخطاء التكفيرية للمنتسبين للإسلام، وأسباب الفكر التكفيري ومواجهته ويقترح أسلوبا للتصدي له.

هذه المؤتمرات رغم أهميتها في رصد ظاهرة العنف والتطرف عند جماعات الإسلام السياسي وما تبشر به من ثقافة قتل وتدمير للفكر والإنسان ليست كافية لردع هذه الجماعات المتطرفة فكرا وسلوكا، وهنا تبرز أهمية رجال الدين والمؤسسات الدينية التي كان لها دور في انتشار هذه الظاهرة من خلال استقالتها من واجبها التوعوي وعدم أخذها لمبادرة التجديد في الخطاب الديني الذي لو تمت العناية به لما وصل الأمر الآن بهذه المجموعات لتؤول النصوص الدينية وتفسرها حسب رغباتها وأهوائها وتجعلها مطية لأحلامها السياسية، وما داعش والنصرة والقاعدة إلا نتاج لجمود الفكر الديني وعدم مسايرته لتطور مناحي الحياة، كما أنها نتاج لحب السلطة ومحاولة أخذها من خلال التستر بالدين.

فلا سياسة في الدين ولا دين في السياسة إذا أراد المسلمون أن يقفوا في وجه هذه الحركات العنفية والمتطرفة، ولا سبيل إلى اجتثاثها إلا بتطوير الخطاب الديني وتنقية كتب التراث الديني والتاريخ مما لحق بها من تشويه وغلوّ.

13