هل تستطيع هيئة مكافحة الاتجار بالبشر معالجة الانتهاكات في تونس

تسعى تونس إلى التقدّم في مجال حقوق الإنسان من خلال محاربة الانتهاكات في هذا السياق والتي تجرمها تشريعاتها، وعُدّ إحداث هيئة تونسية لمكافحة الاتجار بالبشر خطوة إيجابية أخرى من الحكومة لتعزيز جهودها. وتسلّمت الهيئة مقرّها بمناسبة إحياء الذكرى 172 لإلغاء العبودية في تونس.
الأربعاء 2018/01/24
ضحايا بالجملة

تونس - تسلمت هيئة مكافحة الاتجار بالبشر في تونس مقرّها الرسمي بالعاصمة الثلاثاء، بعد حوالي عام من إحداثها وتزامنا مع إحياء الذكرى 172 لإلغاء العبودية في تونس.

وتشمل جرائم الاتجار بالبشر، بحسب الاتفاقيات الدولية والدستور التونسي، تجنيد أشخاص أو نقلهم أو ترحيلهم أو استقبالهم أو إيوائهم باستعمال أيّ شكل من أشكال الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال حالة استضعاف أو نفوذ بهدف استغلالهم لأي أسباب كانت.

وحققت المنظومة التشريعية في تونس تطوّرا لمناهضة كل الممارسات المتعارضة مع حقوق الإنسان، لكن البعض من مظاهر الانتهاكات وخاصة في ما يتعلق باستغلال الأطفال والاتجار بالعمالة الأفريقية والاتجار بالأعضاء البشرية يجعل من هيئة مكافحة الاتجار بالبشر أمام تحديات كبيرة.

وكان سقف التوقّعات من هيئة مكافحة الاتجار بالبشر في تونس مرتفعا، منذ الإعلان عن إحداثها في فبراير العام الماضي.

وقالت روضة العبيدي رئيسة هيئة مكافحة الاتجار بالبشر، لـ”العرب”، إن “توفير مقرّ ثابت سيساعد كل ضحايا الاتجار والعبودية على التظلّم للهيئة أو للهياكل القضائية.

وأضافت أن “في تخصيص الدولة مقرّا للهيئة خطوة إيجابية ودفعا قويا يدل على التزام تونس باحترام حقوق الإنسان وكل المواثيق الدولية”.

وأوضحت العبيدي أن من أوكد أولويات الهيئة تلقي الإشعارات المتعلقة بجرائم الاتجار بالبشر والإحاطة بالضحايا عبر تخصيص مآو لهم وأيضا عبر تمكينهم من إحاطة نفسية وصحية.

وشدّدت على أن أول تحدّ سيواجه الهيئة هو تكوين قاعدة بيانات حتى يتم وضع استراتجية واضحة لمكافحة الاتجار بالبشر، علاوة على ضرورة تدريب كفاءات متخصّصة في معالجة الملفات المتعلقة بهذه الممارسات.

وسعت الحكومة إلى توفير الإمكانيات المادية والبشرية لفائدة هيئة مكافحة الاتجار بالبشر لتتمكن من إنجاز المهام الموكلة لها.

وقالت العبيدي “بالنسبة إلى هيئة مكافحة الاتجار بالبشر لم تعترضها إلى حد الآن أي إشكالات قد تصعّب مهماتها الأساسية”، مشيرة إلى أن السلطات متفاعلة بشكل إيجابي معها ومع متطلّباتها.

وواجهت هيئة مكافحة الاتجار بالبشر منذ تأسيسها العديد من الانتقادات خصوصا حول عدم التقدم في معالجة ملفات مثيرة للجدل، ومن بينها الاستغلال الاقتصادي أو الجنسي للأطفال واستغلال المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء وقضية الاتجار بالأعضاء البشرية المسكوت عنها وفق تقديرات العديد من المتابعين.

وأكدت العبيدي أن هيئة مكافحة الاتجار بالبشر تلقت منذ تأسيسها المئات من الإشعارات من قبل تونسيين وأجانب تعلّقت أساسا باستغلال الأطفال في التسوّل أو لغايات جنسية أو للعمل في المنازل، مشدّدة على أن “الهيئة تدخّلت بشكل ناجع مع مختلف الوزارات المعنية لحلحلة ملفاتهم”.

ولم تنكر العبيدي وجود أشكال أخرى من جرائم الاتجار بالبشر في تونس وخاصة في ما يتعلق بالاستغلال الاقتصادي للنساء أو الرجال، مشيرة إلى أن “الهيئة تتعامل أيضا بجدية مع كل الملفات الواردة عليها من قبل عدد كبير من العمال أو الطلبة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الذين يتم استغلالهم وتوظيفهم بشكل يتنافى مع أبسط مقوّمات حقوق الإنسان”.

واستقطبت السوق التونسية خاصة منذ اندلاع الحرب في ليبيا خلال العام 2011 الآلاف من العمّال والطلبة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء المقيمين بطرق قانونية أو غير قانونية. ويعمل هؤلاء في عدة قطاعات منها التجارية والخدمات وبالخصوص ورشات البناء.

وحذّر مراقبون في مناسبات عديدة من “استعباد وطرق وحشية في استغلال المهاجرين من جنسيات أفريقية”.

وأكدت روضة العبيدي أن هيئة مكافحة الاتجار بالبشر مدركة لكل الصعوبات وأشكال العنصرية والاستغلال التي تعاني منها شريحة واسعة في تونس من المهاجرين المنحدرين من بلدان جنوب الصحراء.

وفي الكثير من الأحيان، كانت ممارسات الاستغلال الجنسي والاقتصادي للأطفال والقصّر مثار نقاش واسع في تونس. واستنكرت أوساط مختلفة ظاهرة تشغيل الفتيات القاصرات من الأرياف والمدن الداخلية الفقيرة معينات منزلية لدى البعض من العائلات في المدن الكبيرة وفي العاصمة، مع ارتكاب العديد من التجاوزات في حق القاصرات.

وتحدثت تقارير صادرة عن وزارة المرأة والأسرة والطفولة، في وقت سابق، عن وجود ممارسات لعرض معينات منزليات قاصرات في البعض من الأسواق الأسبوعية بهدف إيجاد فرص عمل لهن.

ونفت رئيسة هيئة مكافحة الاتجار بالبشر وجود حالات للاتجار بالأعضاء البشرية في تونس، مستندة في ذلك على أعمال الهيئة منذ إحداثها.

وأكدت العبيدي أن كل أشكال الاتجار بالبشر موجودة في تونس باستثناء ما يُروّج حول قضية الاتجار بالأعضاء البشرية، حيث قالت “أجزم من خلال متابعتي الدقيقة للملف أنه لا وجود لعمليات اتجار بالأعضاء البشرية في تونس” .

وعلى عكس تأكيد رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر يحذّر مراقبون من خطورة تفشّي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية في تونس، خصوصا في فترة ما بعد الثورة، معتبرين أن هذا الملف “خطير” وأن ملابساته ظلت حبيسة أدراج الوزارات المعنية وخاصة وزارة الصحة.

وأكد صابر بن عمار المحامي التونسي ورئيس الجمعية التونسية لضحايا الأخطاء الطبية، لـ”العرب”، “وجود عصابات في تونس مختصة في الاتجار بالأعضاء البشرية إما عبر التغرير بالأطفال على شبكات الإنترنت ودفعهم إلى بيع أعضائهم مقابل أموال كبيرة، وإما عبر التحيّل على المرضى أو من خلال عمليات الاختطاف”.

وشدّد بن عمار على أن لدى جمعيته ملفات أودعتها لدى وزارة الصحة تفيد بتورط البعض من المصحات الخاصة بتونس في الاتجار بالأعضاء البشرية.

وبيّن أنه وردت على الجمعية التونسية لضحايا الأخطاء الطبية عدة ملفات من قبل ضحايا الاتجار بالأعضاء البشرية، موضحا أن من بينهم العشرات من الأطفال الذين يتم اختطافهم من قبل عصابات محلية أو أجنبية للاستيلاء على أعضائهم ومن ثمّ بيعها داخل البلاد وخارجها.

وشكك بن عمار في قدرة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر على فتح ملفات جرائم الاتجار بالأعضاء بالبشرية “التي تقودها عصابات ومافيات”، مستغربا من عدم تشريك مكوّنات المجتمع المدني في صياغة سياسات واستراتجيات الهيئة الجديدة.

4