هل تستقيل نجلاء المنقوش من وزارة الخارجية الليبية؟

وزيرة الخارجية الليبية تُواجه ضغوطا متصاعدة بسبب مواقفها التي أزعجت تيارات الإسلام السياسي .
الاثنين 2021/07/19
نجلاء المنقوش تختار الاحتجاج بعيدا عن الأضواء

تونس - تُواجه وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش ضغوطا متصاعدة سواء من المجلس الرئاسي أو حكومة الوحدة الوطنية أو غيرهما ما يثير تساؤلات بشأن إمكانية رضوخها لتلك الضغوط والاستقالة.

وتأتي تلك الضغوط على خلفية مواقف المنقوش التي أزعجت تيارات الإسلام السياسي خاصة في ما يتعلق بالوجود التركي في البلاد، وهو ما جعل تلك التيارات تتحرك لإشعال الغضب ضد الوزيرة.

وتعود شرارة الغضب إلى إنهاء وزيرة الخارجية مهام مندوب ليبيا بالجامعة العربية صالح الشماخي بسبب تجاوز مدة التكليف وبلوغه سن التقاعد.

والشماخي عمل في النظام السابق سكرتيرا للراحل علي عبدالسلام التريكي وزير الخارجية ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى سبتمبر 2010، وتولى مهمة مندوب بلاده في الجامعة العربية منذ العام 2013 حيث مثل صاحب الصوت العالي المؤيد لسياسات الإخوان والمدافع الشرس عن وجهة نظر ميليشيات فجر ليبيا ثم حكومة فايز السراج.

ودفع ذلك وزير الخارجية السابق محمد السيالة إلى أن أضاف إليه منصب القائم بأعمال سفارة بلاده في القاهرة في أغسطس 2017، وفي أغسطس 2019 قرر رئيس ديوان المحاسبة التابع لمجلس النواب عمر عبدربه صالح إيقاف الشماخي احتياطيا عن العمل لارتكابه مخالفات ولأسباب تتعلق بمقتضيات المصلحة العامة.

من الواضح أن المنقوش اختارت الاحتجاج بالابتعاد عن الأضواء، ما يزيد من التكهنات بشأن عودتها للعمل بكثير من الحيطة

في المقابل استنكرت لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي التابعة لمجلس النواب ما وصفته بالأعمال اللاأخلاقية لدبلوماسي ليبي أثناء فترة عمله دون أن تذكر اسمه، لكن أغلب الناشطين أكدوا أن المعني هو الشماخي، وقالت إن دبلوماسيّا ليبيّا ما يزال يعمل في الخارج قام بأفعال تنتهك واجبات العمل الدبلوماسي وتُخالف الأخلاقيات والآداب العامة وتُسيء لسمعة الدولة الليبية، وذلك بعد أيام من انتشار “تسجيل صوتي” يبتز فيه دبلوماسي ليبي قدم نفسه كرئيس للمندوبية الليبية في القاهرة سيدة مصرية تعمل في أحد المكاتب التابعة له.

وفي مايو الماضي قررت المنقوش إنهاء مهام ثلاثة سفراء وهم صالح الشماخي مندوب ليبيا في الجامعة العربية ووفاء بوقعيقيص السفيرة في واشنطن وسنية غومة السفيرة في مسقط بسبب تجاوز فترة إيفادهم إلى الخارج والمقيدة وفقا للقانون بـ4 سنوات والخاضعة للائحة التنفيذية بشأن تنظيم العمل السياسي والقنصلي، وإعلامهم بعدم رغبة وزارة الخارجية بالتمديد لأي منهم.

لكن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وصف هذا الإجراء بالمخالف لصحيح القانون، وقال في خطاب وجهه للمنقوش عن طريق رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، إن ما قامت به وزيرة الخارجية يعد تجاوزا للاختصاصات المنوطة بها، داعيا إياها إلى عدم اتخاذ أي إجراء يتعلق بتسمية أو إعفاء أو سحب السفراء وممثلي الدولة إلا عن طريق اقتراح من رئيس حكومة الوحدة الوطنية موجّه إلى المجلس الرئاسي.

ودافعت المنقوش عن نفسها مؤكدة أنها مارست اختصاصاتها وفق صحيح القانون والاتفاق السياسي في ما يخص إبلاغ السفراء والمندوبين بانتهاء فترة إيفادهم بالخارج وعدم رغبة الوزارة بالتمديد لأي منهم، وتكليف أقدم الدبلوماسيين بمهام تسيير تلك السفارات والبعثات.

كما أكدت حرص وزارتها على أن تسود روح الانسجام بين مختلف الأطراف المعنية بإدارة ملف البعثات الدبلوماسية والسفارات الليبية في الخارج، وألا تتورط في خلافات وقعت فيها السلطات السابقة ما أدى الى إرباك التمثيل الدبلوماسي لليبيا وخلق حالة فوضوية داخل البعثات الدبلوماسية الليبية وفق تعبيرها.

استحواذ الدبيبة على صلاحيات المنقوش أثار جدلا واسعا
استحواذ الدبيبة على صلاحيات المنقوش أثار جدلا واسعا

وبعد أخد وردّ قرر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تمديد عمل صالح الشماخي بجامعة الدول العربية.

وقال المجلس الرئاسي الأسبوع الماضي إنه أصدر قرارًا بإلغاء تعيينات في بعثات دبلوماسية بالخارج حفاظا على الوحدة الوطنية والأسس والمعايير المهنية في التعيينات من هذا المستوى.

وجاء ذلك على لسان الناطقة باسم المجلس نجوى وهيبة التي أصبحت جزءا من صناعة القرار، وهي الإعلامية القادمة من تلفزيون “النبأ” الذي كان قبل غلقه مملوكا لعبدالحكيم بالحاج أمير الجماعة الليبية المقاتلة سابقا وصاحب الاستثمارات الواسعة والمقيم في تركيا، والتي كان يديرها وليد اللافي قبل أن ينتقل إلى إدارة قناة “سلام” لصاحبيها علي الصلابي وعلي الدبيبة، ثم ليتولى منصب وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة المهندس عبدالحميد الدبيبة، والذي يتولى كذلك رئاسة اللجنة الوزارية المشكلة لدعم وإنجاح انتخابات 24 ديسمبر، والإشراف على لجنة هيكلة وإصلاح الإعلام.

ويشير مراقبون إلى أن المجلس الرئاسي أصبح مخترقا من قوى الإسلام السياسي واللوبي التركي، خاصة أن أخبارا تواترت مؤخرا عن تعيين الشاعرة ردينة الفيلالي زوجة النائب المنشق عن البرلمان لؤي الغاوي، والمسؤولة في قناة “سلام” كمستشارة إعلامية في المجلس الذي يخضع في جانب كبير منه لإمرة عضوه عن إقليم طرابلس والقريب من الإخوان عبدالله اللافي، والذي يشرف من ضمن مسؤولياته على ملف العلاقات الخارجية.

وكان من اللافت أن المجلس الرئاسي اصطنع أزمة مع وزيرة الخارجية في 21 يونيو الماضي، عندما وجه إليها رسالة جاء فيها “من خلال متابعتنا لملف المصالحة الوطنية تبادر إلى علمنا قيام وزارة الخارجية بالاستعداد لابتعاث وفد من أطياف الجنوب الليبي لزيارة إيطاليا وفقا للدعوة المقدمة من قبل الخارجية الإيطالية لعقد ملتقى مصالحة فوق الأراضي الإيطالية دون التنسيق المسبق مع المجلس”.

ووجه المجلس اتهاماته للإيطاليين بخرق السيادة الوطنية لبلاده، ليتبين لاحقا أن الملتقى كان ضمن نشاطات المجتمع المدني ولا صفة رسمية له، وبعد الرسالة بيوم سافر المنفي الى روما في زيارة قوبلت بالكثير من البرود، وفي اليوم الموالي كان حضور وزيرة الخارجية في مؤتمر برلين 2 محتشما حتى أنها لم تتمكن في قاعة الاجتماع من عرض مبادرة استقرار ليبيا التي وعدت بإطلاقها.

ودخل الدبيبة على خط هذه الأزمة من خلال الاستحواذ على صلاحيات المنقوش من خلال تعيينات أثارت جدلا واسعا، حيث حاول اختراق الوزارة بتعيين عدد من الوجوه المقربة منه ومنها القيادي الميليشياوي من مدينة مصراتة محمد خليل عيسى وكيلا للشؤون القنصلية، وعمر محمد صالح وكيلا لشؤون التعاون الدولي والمنظمات، ومحمد سعيد زيدان وكيلا للشؤون العربية والأفريقية، ومراد محمد حميمة وكيلا للشؤون الأوروبية والأميركية.

شرارة الغضب تعود إلى إنهاء وزيرة الخارجية مهام مندوب ليبيا بالجامعة العربية صالح الشماخي بسبب تجاوز مدة التكليف وبلوغه سن التقاعد

ثم قرر تعيين كل من آمر إسناد الاستخبارات العسكرية سابقًا صلاح بولغيب والناشط القبلي أسامة بوحلاق كمستشارين في سفارتي ليبيا بالقاهرة وعمّان ضمن ما وصفه المراقبون بمحاولة اختراق جبهة الجيش التي يحسب عليها الرجلان وإيفادهما للعمل في عاصمتين كان لهما دور مهم في دعم قائد الجيش المشير خليفة حفتر، كما أنهما يتحدران من قبيلة العواقير كبرى قبائل المنطقة الشرقية، لكن عضو المجلس الرئاسي عبداللافي استشاط غضبا من هذه الخطوة واعتبرها اعتداء صريحا على ميليشيات المنطقة الغربية.

وبذلك تحولت وزارة الخارجية إلى مركز متقدم للتجاذبات والصراعات، ووجدت المنقوش نفسها بين مطرقة المجلس الرئاسي وسندان رئاسة الحكومة، وتحت ضغط قوى الإسلام السياسي وأمراء الحرب ولوبي أنقرة والقيادات الجهوية التي قادت ضدها حملة شرسة ودعت إلى إقالتها منذ أن تجرأت وواجهت نظيرها التركي بعدم استثناء قوات بلاده ومرتزقتها من مغادرة البلاد.

ووجدت الوزيرة نفسها في مواجهة الهجوم الكاسح المعلن، وفي معركة حرمانها من صلاحياتها وإلغاء قراراتها وفرض الكثير من التعيينات عليها ومحاصرتها بجحافل الساعين إلى عرقلة تحركاتها، وذلك بهدف دفعها إلى الاستقالة والعودة إلى الولايات المتحدة من حيث أتت، حيث أن إقالتها غير ممكنة لأسباب عدة منها أنها تحظى بتقدير كبير في الخارج ولاسيما في عواصم الغرب التي ترى في تعيينها كأول وزيرة للخارجية في تاريخ بلادها رمزية مهمة للتحول السياسي وإنصاف المرأة.

كما أنها باتت تحظى بشعبية جارفة في بلادها بسبب مواقفها السيادية التي أظهرت فيها شجاعة لم تبدُ على كبار المسؤولين الجدد ممن تم اختيارهم في جنيف في فبراير الماضي.

ويبدو أن ذلك دفع مناوئيها إلى العمل على جرها للاستقالة خاصة أن مواقفها التي تستند إلى مواقف المجتمع الدولي تتناقض مع مصالحهم، لاسيما في ما يتعلق بحل الميليشيات وإجلاء القوات الأجنبية والمرتزقة.

كما أن هناك من جماعات الإسلام السياسي من يتهمها بموالاة الجيش ومجلس النواب، فقط لأنها مولودة في مدينة بنغازي، وهناك من لا يزال يرفض تولي امرأة منصبا رفيعا في الدولة، وكل هؤلاء يجتمعون على أساس مركزي وهو محاولة نسف خارطة الطريق وتأجيل الانتخابات وإبقاء الوضع على ما هو عليه، فهل تستقيل نجلاء المنقوش من منصبها؟

ومن الواضح أن المنقوش اختارت عدم الاستقالة والاحتجاج بالابتعاد عن الأضواء، ما يزيد من التكهنات بشأن عودتها في وقت لاحق إلى العمل بكثير من الحيطة في ظل الحملة التي تواجهها.

4