هل تسحب الولايات المتحدة قواتها من كوريا الجنوبية بعد ألمانيا

واشنطن تكيّف تمركزها دوريا مع ديناميكية التهديدات المتغيرة.
الثلاثاء 2020/08/11
إعادة ترتيب أولويات الانتشار العسكري في العالم

تتزايد احتمالات إقدام الولايات المتحدة على خطوة سحب قواتها المتمركزة في كوريا الجنوبية أكثر من أي وقت مضى بعد الانسحاب التدريجي لقواتها من ألمانيا، وذلك بالنظر لتطور أولويات الدفاع الأميركية والاتجاهات طويلة الأمد في شبه الجزيرة الكورية رغم أن الخوض في هذه المسألة لا يزال سابقا لأوانه لاسيما في ظل ضبابية استقرار المناطق الجغرافية التي ينتشر فيها الجيش الأميركي خارجيا.

واشنطن - يرجح محللون عسكريون قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتنفيذ خطوة سحب القوات الأميركية من القواعد التي تتمركز فيها في كوريا الجنوبية، بعد تقليص قواتها في ألمانيا بسبب الأولويات التي تحظى باهتمام أكبر في ظل الوضع العالمي المتقلب.

وانتشرت شائعات عن الانسحاب الوشيك للقوات الأميركية في كوريا منذ العام الماضي، وأوضح ترامب أنه يريد تقليص أعداد القواعد الكبيرة في الخارج.

ومع ذلك، فإن كوريا الجنوبية هي حالة مثيرة للجدل بشكل خاص، حيث إن أي تغييرات في حجم وهيكل القوات الأميركية سيؤثر على المهمة المحلية لردع كوريا الشمالية، وكذلك المهمة الاستراتيجية الأميركية الأوسع لإعادة التركيز على منافسة القوى العظمى، خاصة الصين.

وتغذي المخاوف بشأن سحب القوات الأميركية المحتمل وسط طريق مسدود في المفاوضات بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بشأن تقاسم تكلفة مرابطة القوات الأميركية البالغ عددها 28.5 ألف جندي.

ويؤكد رودجر بيكر المحلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي (ستراتفور) أن ذلك سيتطلب إعادة تقييم القدرات الدفاعية الوطنية لكوريا الجنوبية، ومزايا ومخاطر وجود قوة كبيرة على أراضي الدولة الآسيوية، وتأثير أي تحول في القوات على التصور العام لالتزام الولايات المتحدة وموثوقيتها مع الحلفاء والشركاء الآخرين في المنطقة.

وقال “لن تتخلى الولايات المتحدة ببساطة عن كوريا الجنوبية، ولكنها ستستمر بدلاً من ذلك في إعادة تشكيل وضع قوتها في الخارج مما يقلل القاعدة الكبيرة المفردة لصالح وجود أكثر مرونة وانتشاراً، مع السماح بتركيز القوات حسب الحاجة، بدلاً مما تمليه القاعدة الكبيرة القائمة”.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، سعت الولايات المتحدة إلى تقليص قواعدها الخارجية، لخفض التكاليف المالية والسياسية وإنشاء هيكل قوة أكثر مرونة واستجابة يتكيف بشكل أفضل مع ديناميكية التهديدات المتغيرة.

وعادة ما تكون اتفاقيات تقاسم التكاليف محل نزاع، وقد استمر الجمود الحالي بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية دون نهاية في الأفق. وغالبًا ما تكون القواعد الأميركية أيضًا مصدرًا لاندلاع الاحتجاجات داخل كوريا الجنوبية، على استخدام الأراضي، أو الحوادث أو السلوك غير القانوني من قبل الأفراد الأميركيين، وتصور استمرار الاحتلال.

واستنادا على ذلك يمكن أن يؤدي تقليص البصمة الأميركية والتحول أكثر إلى الوحدات البحرية والجوية والتناوب إلى تخفيف هذه التوترات بشكل أكبر على حساب أمور أخرى أكثر حساسية.

وفي إطار استراتيجية الدفاع الحالية، يقوم وزير الدفاع مارك إسبر بمراجعة الوضع العام للقوات الأميركية في الخارج وقد أصدر أوامره باتخاذ موقف أكثر مرونة.

ومنذ مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحركت القوات الأميركية في كوريا من المنشأة الرئيسية في يونغسان في سول. كما سحبت الولايات المتحدة معظم قواتها جنوب نهر هان.

وخلال حرب العراق، خفضت إدارة الرئيس الأميركي، جورج دبليو بوش، إجمالي عدد القوات في كوريا بنحو 12 ألف أيضًا، ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى أن القوات المتمركزة في كوريا لا يمكن استخدامها بسهولة في حالات الطوارئ في أي مكان آخر.

القوات الكورية الجنوبية تخضع لقيادة العمليات العسكرية الأميركية منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينات القرن الماضي

ورغم أن عدة تقارير ذكرت أن البنتاغون أوصى بالفعل بإعادة هيكلة القوات في كوريا، لكن إسبر نفى الشهر الماضي إصداره أي أمر بسحب القوات، ومع ذلك أكد بعد ذلك أنه كان يراجع جميع المواقع الجغرافية للقوات بما يتماشى مع استراتيجية الدفاع الوطني الحالية، وأبدى رغبته في عمل خطة تناوب بين القواعد والقوات وجعل الأمر يبدو أكثر مرونة.

وظهر اقتراح لإعادة تشكيل الموقف العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية وهو تحول إضافي نحو المزيد من الأصول البحرية والجوية وتقليص القوات البرية الأميركية، ما سيحدث من خلال نقل المزيد من القوات البرية إلى خطة التناوب، بدلاً من الانتشار الموسع.

وسيؤدي القيام بذلك إلى الحفاظ على وجود أميركي رادع في كوريا والاحتفاظ بمزايا التدريب مع القوات الكورية الجنوبية، مع تقليل القيود بسبب الحدود المفروضة على إرسال القوات المتمركزة في كوريا للمشاركة في النزاعات في أماكن أخرى.

وتتمتع قوات التناوب أيضا ببصمة أصغر في القواعد الخارجية، لأنها لا تضم أسرا أو وظائف لدعم الأسرة التي تستلزمها عمليات النشر الممتدة.

ويعتقد بيكر أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن كوريا الجنوبية نظرًا لقيمتها في ردع كل من كوريا الشمالية والصين. ومع ذلك، ستستمر واشنطن في إعادة تشكيل وضع قوتها الخارجية.

وتتسم إعادة هيكلة القوات الأميركية بالتعقيد بسبب سيطرة قوات العمليات العسكرية الأميركية على القوات الكورية الجنوبية في حالة الحرب.

وخضعت القوات العسكرية الكورية الجنوبية لقيادة العمليات العسكرية الأميركية منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينات القرن الماضي، حيث لم يستعد الجيش الكوري الجنوبي العمليات العسكرية الرسمية لقواته إلا في وقت السلم في عام 1994.

وعلى مدى عقود، تأخر نقل قوات العمليات العسكرية الأميركية في زمن الحرب إلى كوريا الجنوبية مرات عديدة بسبب حالة عدم استعداد جيشها واندلاع التوترات بين الحين والآخر مع كوريا الشمالية.

وبالنسبة لكوريا الجنوبية، لاسيما في ظل الحكومات الليبرالية مثل حكومة الرئيس الحالي مون جاي إن، فإن نقل قوات العمليات العسكرية الأميركية يعد خطوة حاسمة لتحقيق كامل استقلالها واعتزازها الوطني.

وبين الفترة الفاصلة من 1910 إلى 1945 كانت كوريا تحت السيطرة اليابانية، وكان جيشها تحت قيادة قوات العمليات العسكرية الأميركية منذ الحرب الكورية. وعلى الرغم من أن تحالفها مع الولايات المتحدة لا يزال مهمًا بالنسبة لسول، إلا أن طبيعة العلاقة العسكرية بين الدولتين لا تزال في بعض الأحيان مرتبطة بالقيود.

ولكن هناك العديد من الحجج التي تدعم إعادة الهيكلة هذه، أولها هو أن القوات الأميركية في كوريا الجنوبية هي إلى حد كبير من مخلفات الحرب الباردة ومحدودة في تنفيذ العمليات خارج البلاد. وتستمر كوريا الجنوبية وألمانيا واليابان في استضافة أكبر القواعد للقوات الأميركية في الخارج، وتستهلك أكبر النفقات.

وقبل الانسحاب المعلن، استضافت ألمانيا أكثر من 35 ألف جندي أميركي، وكوريا الجنوبية أكثر من 26 ألفا، واليابان أكثر من 55 ألفًا، وفقًا لآخر حصيلة لمركز “هيريتيدج فاونديشين” بوزارة الدفاع الأميركية.

وتجنب البنتاغون بشكل تقليدي استخدام القوات الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية للعمليات في أماكن أخرى، سواء بسبب التهديد الكوري الشمالي أو بسبب المخاوف السياسية لكوريا الجنوبية.

كما أن ميزان القوى في شبه الجزيرة الكورية يدعم حاليًا كوريا الجنوبية، مما يقلل من ضرورة وجود أميركي كبير في وضع الاستعداد. وكان هذا التوازن اعتبارًا مهمًا في قرار الرئيس الأميركي السابق، ريتشارد نيكسون، لخفض القوات في كوريا الجنوبية في عام 1971، حيث رغب في أن تتحمل سول المزيد من العبء عن دفاعها الوطني.

كما لعبت مراجعة تقديرات المخابرات الأميركية لقوة كوريا الشمالية دورا في عكس قرار الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، بزيادة خفض القوات في كوريا الجنوبية بعد أقل من عقد من الزمان.

ولم تعد قدرات كوريا الشمالية تتطلب وضع القوات الأميركية الحالية في كوريا الجنوبية أيضا، حيث قامت بيونغ يانغ بتحسين قدراتها الصاروخية بشكل كبير، إلا أن الأمر ليس بالضرورة أن ينجح من خلال المزيد من القوات المفتوحة للأرض، بل بالأحرى من خلال تحسين قدرات الدفاع الصاروخي وتطوير قدرات الضربات المضادة الكورية الجنوبية.

وكانت سول مقيدة في تطوير قدرات الضربات المضادة منذ عقود من قبل الولايات المتحدة خوفًا من إشعال حرب مع كوريا الشمالية من شأنها أن تدفع واشنطن في صراع لكن الولايات المتحدة وافقت مؤخرًا على السماح لسول بتطوير صواريخ تعمل بالوقود الصلب ووسعت حجم حمولتها.

رودجر بيكر: واشنطن لن تتخلى عن سول وإنما ستعيد نشر قوتها في الخارج
رودجر بيكر: واشنطن لن تتخلى عن سول وإنما ستعيد نشر قوتها في الخارج

كما حددت كوريا الجنوبية مؤخرًا صواريخ الإطلاق الأرضية والجوية كعنصر رئيسي في تطوير قوتها، إلى جانب نظام الدفاع الصاروخي المحلي. ونظرًا للتطورات في الجيش الكوري الجنوبي والوضع في كوريا الشمالية، فمن غير المرجح أن ترى بيونغ يانغ تخفيض القوات الأميركية في كوريا الجنوبية كدعوة لجر الدبابات جنوبًا.

ولكن هناك أيضًا العديد من الحجج لا تؤيد انسحاب الولايات المتحدة من كوريا الجنوبية، بما في ذلك الحفاظ على نقطة دخول برمائية رئيسية إلى آسيا في حالة الصراع بين الولايات المتحدة والصين.

وربما تكون القيمة الأكثر واقعية لكوريا الجنوبية بالنسبة لموقف الدفاع الأميركي هي دورها كجسر برمائي بين العالم البحري والقارة الآسيوية. وتدور المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين حيث تلتقي القوة البحرية للولايات المتحدة بالقوة القارية للصين.

ولطالما كانت كوريا الجسر بين اليابان البحرية والصين القارية، للثقافة وكذلك للحرب وكانت بمثابة نقطة انطلاق للغزوات المغولية لليابان في القرن الـ13، ومحاولة اليابان غزو الصين في القرن السادس عشر، وكذلك غزو اليابان لآسيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وتعمل الولايات المتحدة على تعزيز العلاقات العسكرية مع النقاط البرمائية الأخرى حول الأطراف الصينية، بما في ذلك فيتنام والهند. وبينما قد تكون كوريا الجنوبية ضعيفة بسبب افتقارها إلى العمق الاستراتيجي، فإن قربها من الأسطول الشمالي الصيني وبكين يجعلها أيضًا نقطة استراتيجية رئيسية.

وغالبًا ما يعتمد دعم استمرار الوجود القوي للقوات الأميركية على الشراكة العسكرية بين الدولتين التي استمرت 7 عقود حيث قاتلت القوات الأميركية في كوريا، وقاتلت القوات الكورية إلى جانب الولايات المتحدة في فيتنام، ويستمر الاثنان في التدرب معًا. ويرى مركز ستراتفور أن الوجود القوي للقوات الأميركية في كوريا الجنوبية يعد بمثابة تذكير دائم لكوريا الشمالية، وربما الصين، بالتزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها الديمقراطيين في المنطقة.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، أخذت كوريا الشمالية هذا الأمر على محمل الجد، وتحوّل تطورها العسكري من التركيز على التغلب على القوات البرية الكورية الجنوبية إلى التركيز الشديد على الصواريخ وعلى القتال عن بعد الذي يستهدف القوات والمصالح الأميركية.

وتتطلب مواجهة هذه القدرات وجودا أميركيا قريبا، تمامًا كما تتطلب مواجهة التهديدات الروسية أو التطورات الصاروخية والنووية الإيرانية عمليات عسكرية أميركية في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط.

وقد يشير خفض القوات إلى أنه على الرغم من مبادرة الدفاع في المحيط الهادئ، فإن الولايات المتحدة مهتمة أكثر بالحفاظ على المنافسة والصراع في المياه الآسيوية بعيدًا عن شواطئ الولايات المتحدة، بدلاً من تعزيز حلفائها وشركائها والدفاع عنهم.

ورغم استضافة المزيد من القوات الأميركية، فإن اليابان حساسة بشكل خاص لأي تغييرات تطرأ على وجود القوات الأميركية في كوريا الجنوبية، مما يساعد على حمايتها من الصراع الآسيوي.

وكانت اليابان تعلن في كل مرة يتم فيها التفكير في مراجعة القوات الأميركية في كوريا الجنوبية عن اعتراضها، حيث أن الانسحاب الكامل من شأنه أن يترك طوكيو في خط المواجهة.

ورغم أن اليابان قطعت شوطاً طويلاً في إعادة تفسير دستورها السلمي، لا يزال هناك شعور سياسي واجتماعي قوي ضد دورها كطرف إقليمي محارب.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية خلال أقل من ثلاثة أشهر، هناك ضغوط على ترامب لاتخاذ إجراءات بشأن القضايا التي يريد تحقيقها قبل تغيير محتمل للحكومة، وكان تقليص القوات الأميركية في الخارج قضية رئيسية منذ بداية إدارته.

ونظرًا لأن كوريا الجنوبية تخضع حاليًا لحكومة ليبرالية، وتسعى إلى غلق الصدع مع كوريا الشمالية بالإضافة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية وصناعتها، فقد لا يواجه تخفيض القوات الأميركية مقاومة كبيرة من سول، على الرغم من أنه سيؤدي بالتأكيد إلى مواجهة المأزق النهائي، وهو تقاسم التكاليف.

وعلى الرغم من كونها دائما قضية خلافية، فقد يكون هناك الآن مجموعة من العوامل تجعل هذا الوقت مناسبًا للولايات المتحدة للبدء مرة أخرى في تقليص حجم وجودها العسكري في كوريا الجنوبية.

7