هل تشبهون أبطالكم

الخميس 2014/03/27

'بتشورين' اسم لا أنساه، اسم بطل رواية “بطل زماننا” للأديب الروسي ميخائيل ليرمنتوف. كيف لي أن أنسى أكثر البشر صدقا في التعبير عن أنفسهم، بتشورين كان بطلا لكل الأزمنة. الضابط الشاب الجميل المنفي إلى القوقاز، لأنه عبر عن أنانيته وتكبّره وتعجرفه، عن عدم إعجابه بأحد، دون تقديم تبريرات، دون الاختباء وراء اللافتات أو الشعارات. كان لديه من الثقة والاعتداد بنفسه ما يكفي للإعلان عن ذاته دون أن يحسب حسابا لأحد. أما من كتب هذه الرواية؟! فهو ذلك الشاعر المثقف الذي تعرض بسبب لسانه السليط لغضب القيصر فنُفي إلى جبال القوقاز.

هناك في تلك الجبال النائية، تختلط شخصية بتشورين بشخصية مخترعه “ميخائيل ليرمنتوف” إلى حدّ مذهل. إنه البطل الورقي الذي يشبه كائنا آخر من لحم ودم، يعبر عن نفسه دون مواربة، فكان الحبيب الذي يتخلى عمن يحبه دون تأنيب ضمير، الشاب الوسيم الذي يقول رأيه بالآخرين دون تجميل، أو تلطيف. اشتهر بلامبالاته وعدم اكتراثه بأي شيء.

بلى، ميخائيل ليرمنتوف قُتِل تماما بذات الطريقة التي قُتل بها بطله بتشورين. بذات التحدي وذات الأنفة. مع فارق زمني ضئيل بين صدور الرواية ومقتل صاحبها. ومعروف أنه كتبها احتجاجا على مقتل شاعر روسيا بوشكين بذات الطريقة.

لاحقا، استلهم فلاسفة الوجودية شخصية بتشورين لإرساء أهم مميزات الإنسان الوجودي، وذلك عقب الحرب العالمية الثانية، عندما كثُر الموت، وأصبح الفرد يعيش وحيدا فاقدا لحريته وأصبح لا يشعر بالمسؤولية ونشأ شعور باليأس. فجاء الوجوديون ليعلنوا أنه باستطاعة الإنسان أن يحل مشاكله بإرادته وحريته، فالإنسان مجبور على أن يكون حرا، ويطلب الوجوديون من الإنسان أن يكون نفسه. وما أصعب أن نكون أنفسنا؟! الخطوة الأولى نحو الإحساس بوجودك هو أن تكون أنت نفسك دون زيف.

إلى أي حدّ يمكن للعالم أن يكون محظوظا بوجود كتّاب مثل ليرمنتوف؟

كل الشعوب مرت بما مرّ به الشعب الروسي لكن هل كل الشعوب حظيت بمثل ما حظي به ليرمنتوف؟

لمراتٍ كثيرة أغرمت بأبطالٍ من الورق لكن لم يحدث أن أغرمت ببطل يضاهي بتشورين سحرا وهو يمتشق سيفه ليبارز الآخر. النبالة هي أن نبارز الآخر بما نملك نحن من أنَفة وكبرياء، أن نبارزه بما لا يمكن أن يمتلكه الآخر، أن نقذفه إلى جحيم خساراته التي تسببنا بها فقط لأننا نزدريه. ليرمنتوف يختم روايته بعبارة رائعة يقول فيها: «ربّ قصة نفس من النفوس مهما تكن صغيرة تكون أشيق وأنفع من قصة شعب بأسره».

15