هل تشهد فرنسا نهاية الأحزاب السياسية؟

في الانتخابات البلدية الفرنسية الأخيرة، التي جرت يوم 28 يونيو، أخفى معظم المرشحين انتماءاتهم الحزبية، وكانت أغلب القوائم إما ائتلافات أو اتحادات. قوائم دون هوية سياسية ودون انتماء علني.
الأربعاء 2020/07/01
أشكال أخرى للالتزام السياسي

ماذا يبقى لحزب سياسي حينما لا يجرؤ حتى على الإعلان عن هويته على قائمة انتخابية، وحينما يتستر المرشحون في مختلف الانتخابات عن انتمائهم الحزبي؟

ماذا يبقى من الديمقراطية دون أحزاب سياسية، وهل ما يجري في فرنسا هو نهاية لهذه الأحزاب؟

في استطلاع أجرته مجلة “لوبوان” سألت قراءها: هل الأحزاب السياسة في طريقها إلى الزوال؟ كانت النتيجة 72 في المئة إيجابية، مقابل 27 في المئة سلبية.

كان الأمر جليا منذ انتخابات 2017 الرئاسية، إذ لأول مرة في تاريخ الاقتراع الرئاسي في فرنسا، يتأهل إلى النهائي ويفوز مرشح غير مرتبط بحزب سياسي، وإنما بحركة سميت “الجمهورية إلى الأمام”، أوصلت إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه.

من الأسباب التي نفّرت الفرنسيين من الأحزاب السياسية، عدم قدرتها على الالتزام بوعودها الانتخابية، بالإضافة إلى تدهور القدرة الشرائية للفرنسيين، وانتشار البطالة، وعدم تمكن المهتمين من تسديد حقوق الاشتراك في الأحزاب التي غدت مرتفعة بالنسبة لميزانياتهم.

وما زاد من هشاشة الأحزاب، فشلها في التجذّر الاجتماعي والنضالي، ما جعل الناخبين غير مستقرين في التصويت، فتارة يصوتون لهذا الحزب، وتارة أخرى لحزب آخر.

وزاد الفتور بين الأحزاب والمواطنين، تمويلها من الخزينة العامة، وتكاسلها عن كسب أعضاء جدد، فهي تضمن مواردها من الدولة، تناسبا مع نتائجها الجيدة في الانتخابات.

ووفق دراسات كثيرة، يظهر أن أعداد المنضمين للأحزاب التقليدية تقلصت كثيرا عمّا كانت عليه في السابق. ولم يبق سوى 9 في المئة لم يفقدوا ثقتهم في السياسيين.

وهو ما نلاحظه في المقاطعة الكبيرة للانتخابات الأخيرة، حيث لم يتعد عدد المصوتين الأربعين في المئة، وهي أضعف نسبة سجلت في تاريخ الانتخابات البلدية.

وإن كان الوضع الصحي الراهن عاملا في عدم خروج بعض الفرنسيين للاقتراع، فالسبب الرئيس هو مسألة التمثيل في المجالس ذاتها، ووصولها إلى أزمة كبيرة مع فقدان الأحزاب السياسية لبريقها وتأثيرها في النظام السياسي.

لكن هذا لا يعني أن الأحزاب السياسية قد غادرت الساحة البلدية في هذه المرحلة، بل هي حاضرة حضورا شبه سري في كل المناطق؛ تتخفى وراء يافطة قوائم “المواطنة”.

أما الصعود المفاجئ للخضر، وفوزهم في كثير من البلديات؛ بعضها من المدن الكبيرة، فهو يعود إلى عدم نظر الناخب الفرنسي لتنظيمات الخضر كأحزاب سياسية.

وهذا لا يعني عزوف الفرنسيين عن الاهتمام بالشأن السياسي، فنشاطاتهم السياسية مستمرة وبقوة، و50 في المئة منهم يصرحون بأنهم مهتمون بالسياسة حسب استطلاعات الرأي. ما أصبح يقلقهم هو الأداء السياسي الحزبي، وغياب البرامج والأفكار، واستبدالها بشبكات المصالح الفردية وكل ما يساهم في إعادة الفوز في الاقتراع المقبل.

في الحقيقة أخذ الالتزام السياسي أشكالا أخرى، إذ أصبح الفرنسيون ينظرون بعين الريبة للتشكيلات السياسية التي لا همّ لها سوى ضمان مصالحها، وضمان حصولها على تمويل الخزينة العامة.

9