هل تصلح دبلوماسية الطعام ما أفسده السياسيون في البلدان المغاربية

هل سبق لك أن أكلت الكسكس؟ الآن كل المطاعم العربية في مختلف بلدان العالم تقدم الكسكس أو الكسكسي، فلا تتردد في تذوق هذا الطبق. إنه يرمز إلى ثقافة الأكل العريقة في شمال أفريقيا. وقد تجاوز الكسكسي قيمته الغذائية إلى قيمة وجودية أخرى، حيث إنّه يرمز إلى الهويّة لدى مجتمعات مغاربية تسعى إلى ترسيمه على قائمة التراث العالمي.
السبت 2018/02/03
الهوية الغذائية مماثلة لوحدة الانتماء

لندن - “الطعام هو أقدم أشكال الممارسة الدبلوماسية”.. قولة شهيرة لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلنتون تلخص ما يسمى بـ”الغاسترو-دبلوماسي”.

وهذا النوع من الدبلوماسية مستحدث، كما أن الاسم الذي أطلق عليه عبارة عن كلمة مركبة تشير إلى استغلال الطعام أو الأطباق القومية كوسيلة من وسائل العمل الدبلوماسي. لا شك أن منهجية الغاسترو-دبلوماسي أضحت إحدى الوسائل المهمة في مجال العمل الدبلوماسي، ولعل استطلاعا أجرته مجلة “الدبلوماسية العامة” الأميركية يؤكد هذه الحقيقة.

وقد شمل الاستطلاع عينة من مئة وخمسين شخصا أشار 68 منهم إلى أن انطباعهم عن بعض البلاد تحسن بصورة كبيرة بعد أن تذوّقوا أطعمتها، بينما أكد 122 مستطلعا رغبتهم الشديدة في زيارة تلك البلاد، وأبدى 74 منهم الرغبة في التعرف على المزيد من الجوانب الأخرى لثقافة شعوب تلك البلاد.

في المقابل فإن 11 فقط من أفراد العينة المستطلعة كانت إجاباتهم سلبية بشأن انطباعهم عن البلاد بعد تناول طعامها وأشار عشرة فقط من المستطلعين إلى أن تذوق الطعام لم يحرك فيهم الرغبة في زيارة البلد التي تذوقوا طعامه.

لا شك أن البلدان المغاربية، تدرك جيدا هذه الحقيقة، إذ يعكف خبراء من بلدان مغاربية على دراسة مشروع موحد لضم طبق الكسكس التقليدي إلى قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

الطعام أصبح ورقة ضغط سياسية ودبلوماسية لتدبير الشأن العام المحلي داخل المجتمعات المغاربية

وقال مدير المركز الوطني للأبحاث في ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ في الجزائر، سليمان حاشي لوكالة الأنباء الجزائرية، إنه من المنتظر أن تعقد اجتماعات قريبا بين خبراء من بلدان المغرب العربي في إطار مشروع تصنيف تراثها المشترك في فن طبخ الكسكس كتراث عالمي من طرف اليونيسكو.

ويسعى مختصون وخبراء في فن الطبخ والأبحاث التاريخية من الجزائر وتونس والمغرب منذ سنوات إلى ضم طبق الكسكس إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو نظرا إلى قدم هذا الطبق واختصاص الدول الثلاث في تحضيره.

وفي هذا الإطار أكدت الباحثة في نفس المركز لويزة غاليزي بقولها إن “هذا التصنيف سيسلط الضوء على هذا الطبق العريق والعابر للثقافات مضيفة أن الكسكس بقي أصيلا رغم مرور الزمن”.

وأشارت المختصة في الإرث الثقافي أن التصنيف “المحتمل” لهذا الموروث كتراث عالمي سيكون “اعترافا وأداة لتعزيز الروابط المتينة بين الشعوب التي تستجيب لنفس التقاليد من خلال نفس التعابير المتعلقة بالطبخ، من حيث إن الكسكس وككل عنصر ثقافي، يُعدّ وسيلة لتقريب الشعوب من بعضها البعض”.

وأضافت “طبق الكسكس اخترق الحدود والقارات الخمس، وبات من الضروري ترسيم هوية هذا الموروث، خاصة في ظل التعديلات والتحسينات المضافة في بعض المناطق من شعوبها، فصار الطبق المذكور متنوعا ومختلفا من جهة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، فهناك التقليدي وهناك الحديث، وهناك المطبوخ مع اللحم، وغيره المعد بالخضروات، والمسقي بالمرق وغير المسقي”.

وتشترط منظمة اليونسكو لضم أي موروث إلى قائمة التراث العالمي توفّر تعبير المجتمعات عن حسّ الانتماء والتملك حيال العنصر الثقافي وهذا ما تمثله الأكلة لدى شعوب دول المغرب العربي كما تؤكده لويزة غاليزي، فالكسكس يمثل “مكونا من مكونات الهوية الثقافية، ويرمز إلى كل ما ينتمي إلى القرابين، ويميّز حضوره الأحداث الهامة في الأفراح أو المآتم على مستوى العائلات والجماعات”.

وحرصت غاليري على التنبيه بأن الطبق يعد “وسيلة للتعبير عن التضامن في ما بين الشعوب، علاوة على علاقتها بالطبيعة”، معتبرة أن الدول المغاربية أمام داعي الشروع المشترك في دراسة واسعة النطاق لأجل الإحاطة بمعالم هذا الموروث المشترك، متأسفة على كون المجهود المبذول لا يشكل حتى اليوم سوى عنوان جزئي أو كلي لبعض الكتابات دون أن يرقى إلى ما هو مطلوب.

وطبق الكسكس موغل في الرمزية تجاوز أن يكون مجرّد أكلة، بل أيضا يحمّله المغاربيون مشاعرهم وأحزانهم، طباعهم التي لم تتغيّر منذ قرون ويعتبر هذا الطبق طبق الولائم والأفراح وطبق الأحزان.

ويؤكد الخبراء أن تاريخ طبق الكسكس يعود إلى الفترة ما بين 202 و148 قبل الميلاد حيث تم العثور على أواني طبخ تشبه تلك المستخدمة في تحضير الكسكس في مقابر تعود إلى فترة الملك ماسينيسا الأمازيغي الذي وحد مملكة نوميديا التي كانت تضم شمال الجزائر ومناطق من تونس وليبيا.

طبق عريق وعابر للثقافات

كما سمحت عملية تنقيب بمنطقة تيارت في الجزائر بالعثور على بعض الأواني من بينها القدر المستعمل في تحضير الكسكس يعود تاريخه إلى القرن التاسع.

وفي هذا السياق ذكر المؤرخ شارل أندريه جوليان أكلة الكسكس في كتابه “تاريخ شمال أفريقيا” إذ يقول في إحدى صفحات الكتاب “اشتهر الأمازيغ في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم (…) وقد كانوا قنوعين ونباتيين في غالب الأحيان وقد كان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ العهد الروماني”.

ويعتقد محمد الإدريسي، باحث مغربي في علم الاجتماع، أن عادات الأكل والطعام بناء اجتماعي تخضع شروط إنتاجها لتوافق المجموعات الاجتماعية تاريخا وحاضرا، وقد استفادت البلدان المغاربية من التقارب الثقافي والديني لتنسج هوية غذائية قائمة على وحدة الذوق المماثل لوحدة الانتماء والهوية الاجتماعية.

ويؤكد الباحث المغربي، في تصريحه لـ”العرب”، أنه غالبا ما نجد أن العديد من الأكلات (الشعبية منها والرسمية) توسم بأنها منتوج مغاربي وتاريخي أكثر منها حكرا على هذا المجتمع أو ذاك؛ أو على الأقل تتنقل من ثقافة محلية إلى أخرى وتقبل كعلامة على الامتداد الثقافي في البيئة الجغرافية.

ويرى الإدريسي، أن التاريخ الثقافي المغاربي يقدم لنا وصفا للعديد من عادات الأكل والشرب التي لعبت دورا كبيرا في حل الصراعات والنزاعات المحلية منها والإقليمية، سواء تعلق الأمر بنزاعات بين قبائل أو بين مجتمعات محلية، فإن كوب شاي أو وجبة غذاء أو عشاء كفيلة بإرجاع المياه إلى مجاريها والحد من الصراع باسم “السلطة الرمزية للطعام”.

لذلك فقد استعمل الطعام كورقة ضغط سياسية ودبلوماسية لتدبير الشأن العام المحلي داخل المجتمعات المغاربية، يقول محمد الإدريسي، موضحا أن سلطة الطعام توازي سلطة الشرف، أي “الكلمة” والعهد، ويحظر خرقها في إطار اتفاقيات السلم، والمصالح الاقتصادية لما لها من دور في تعريف “الرجولة” العربية نفسها.

ونتيجة لذلك، يعتقد الإدريسي، أن إدراج العديد من الأطعمة والعادات الغذائية المغاربية ومنها طبق الكسكسي، ضمن قائمة التراث الإنساني والعالمي سيثمن لا محالة من القيمة الاجتماعية والاقتصادية لهذه “الرموز الثقافية” وسيمكنها من لعب دور محوري في تعزيز الدبلوماسية الاجتماعية بين الشعوب المغاربية ويدفع القادة السياسيين إلى التفكير من جديد في بلورة مختلف السبل (الثقافية والسياسية) الكفيلة بإحياء حلم اتحاد المغرب العربي أو الاتحاد المغاربي. مضيفا أن البلدان المغاربية أضحت اليوم تثمن تراثها وعمقها الأفريقي وامتداداتها ورهاناتها على الأفق المتوسطي انطلاقا من التراث الغذائي. ويرجع مؤرخون ومختصون طبق الكسكس، الذي يشكل قاسما مشتركا بين شعوب منطقة شمال أفريقيا، إلى أصول أمازيغية، ولذلك يتم تناوله على طول الشريط الممتد من حدود مصر في الشرق إلى غاية موريتانيا في الغرب، وإن اختلفت الأطباق في الذوق والشكل واللون.

الكسكسُ على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو

من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة الجزائر محمد أرزقي خلوفي، بأن البحوث الاجتماعية والتاريخية، أكدت على أن “طبق الكسكس يحمل أصولا أمازيغية، أكدتها العديد من الشواهد والدلائل الاجتماعية والأثرية، فهو على اختلاف ذوقه وشكله ولونه وتركيبته، إلا أن أصله واحد، وهو القمح أو الشعير”.

وذكر في تصريحات لـ”العرب”، بأن “الطبق المذكور هو قاسم غذائي واجتماعي، تشترك فيه الشعوب الأصلية في شمال أفريقيا، واستطاع على مرّ العصور أن يتطور ويصمد في وجه الموضات الغذائية والاجتماعية، كما أنه ينتقل تدريجيا ليأخذ صبغة متوسطية، بعد ارتفاع استهلاكه لدى شعوب الضفة الشمالية للمتوسط كفرنسا وإيطاليا”.

وأجمعت شهادات عيان سجلتها “العرب”، من بعض العائلات في العاصمة الجزائرية، بأن “طبق الكسكس رغم موجة الموضات الغذائية، يبقى طبقا رمزيا في الجزائر، ويتصدر موائد الولائم والأعراس والمناسبات، ويحمل قيمة اجتماعية للدلالة على درجة الاحتفاء بالضيف أو المناسبات، كشهر رمضان على سبيل المثال”.

وتقول يمونة (80 عاما)، لـ”الكسكس مكانة اجتماعية وغذائية مرموقة لدى العائلات الجزائرية، وهناك البعض منها لا تمر عليها إجازة نهاية الأسبوع دون تناول طبق الكسكس وتجميع أفراد العائلة حول ‘قصعة’ واحدة، ولكل جهة من جهات البلاد طريقتها في إعداد الطبق المذكور، إذ يختلف من منطقة القبائل إلى العاصمة، أو الهضاب العليا (المناطق الداخلية)، أو بغرب البلاد”.

وتضيف “أتذكر جيدا، أن طبق الكسكس، كان خلال السنوات الأولى للاستقلال، طبقا نخبويا بامتياز، ولا يقدم إلا للضيوف والأشخاص المرموقين في المجتمع، احتفاء بهم ورفعة لهم واعترافا بمكانتهم”.

ويقول محمد أرزقي خلوفي “لقد أثبتت الحفريات والقطع الأثرية التي عثر عليها باحثون في مناطق مختلفة، بأن الأواني المستعملة في الظرف الراهن في إعداد طبق الكسكس، تتشابه كثيرا مع الأواني الحالية، ما يؤكد أن الطبق ضارب في عمق تاريخ المنطقة، وأن استهلاكه يعود إلى العصور القديمة”.

وأضاف “احتفاظ الطبق بتسمية ‘سكسو’ ذات الأصول الأمازيغية في بعض المناطق الجزائرية، وهذا ما يكرس أصوله الأمازيغية، لأن الكلمة تعني حبيبات القمح والشعير، التي تعدّ المادة الأولى في الطبق”، ولم ينف دخول بعض التعديلات عليه على مرّ العصور، بدليل تعدد طريقة الإعداد، ولا سيما تلك المتمثلة في إضافة مسحوق لمواد نباتية وعشبية، تضفي عليه نكهات وروائح مميزة.

شارك في إعداد التقرير:

* محمد بن امحمد العلوي وصابر بليدي

20