هل تصمد الجبهة الصينية الأوروبية أمام الحمائية الأميركية

تقارب أوروبي صيني قوي لمناهضة تيار الحمائية والانعزالية الذي تسير فيه الولايات المتحدة.
الخميس 2018/11/22
تطلعات أوروبية آسيوية لكسر شوكة ترامب

واشنطن - منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وحتى قبل ذلك خلال حملاته الانتخابية راهن في كل شعاراته على التغيير الجذري للاقتصاد العالمي والعلاقات التجارية والمالية في العالم، وتمكّن ترامب عبر سياساته الحمائية من خنق العالم بالمزيد من فرض عقوبات ورسوم جمركية خاصة على الصين أو حتى دول الاتحاد الأوروبي وكل هذه التطورات التي سئمت منها خاصة دول الاتحاد الأوروبي حتّمت وجوب البحث عن بدائل لمواجهة أحد أهم شعارات ساكن البيت الأبيض “أميركا أولا” وذلك بالتقارب مع دول آسيوية كالصين واليابان وكوريا الشمالية.

وعلى وقع السياسات الاقتصادية الحمائية التي رسمتها الإدارة الأميركية على خصومها التجاريين تتزايد المخاوف من توسع دائرة الحروب التجارية بين الولايات المتحدة وبقية الاقتصادات الكبرى وفي مقدّمتها الصين والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية. ويبدو أن تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسياساته قد يساهم في بناء تحالفات وتقارب اقتصادي جديد وبإكراهات بين الصين والاتحاد الأوروبي على قاعدة مواجهة الإدارة الأميركية.

ولم تعد حروب الإدارة الأميركية التجارية وفق العديد من المراقبين مستهدفة للخصم التجاري العنيد الصين فحسب، فبعد أن كان منطلق الحرب “أميركا أولا” بتعلة أن الولايات المتحدة تعاني من عجز تجاري رغم أنها صاحبة أضخم اقتصاد في العالم، اتخذ الصراع بين الصين والولايات المتحدة منعرجا أخطر ليصبح الحديث متمحورا لا فقط بالعقوبات المفروضة على بكين بل أيضا عن محاولات ترامب تأسيس نظام مالي وتجاري عالمي جديد تكون فيه الكلمة الفصل لبلاده.

جان كلود يونكر: النهج المتعدد الأطراف وحده سيسمح لنا بمواجهة التحديات العالمية
جان كلود يونكر: النهج المتعدد الأطراف وحده سيسمح لنا بمواجهة التحديات العالمية

تحدي ترامب الجديد الذي فتحه على عدة واجهات عالمية بدأ باتخاذ إجراءات حمائية بفرض رسوم جمركية على مستوردات أميركية مثل الصلب والألومنيوم، لتصبح المعركة التجارية بعد ذلك بأكثر من طرفين لتدخل دول الاتحاد الأوروبي الرافضة لسياسات ترامب على الخط بمزيد تقاربها مؤخرا مع الاقتصاديات الآسيوية وفي مقدّمتها الصين.

وكانت بداية التقارب بين الصين والاتحاد الأوروبي حتما مع دعوة سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا شابوي في بكين في شهر سبتمبر للتقارب مع الصين إزاء البلبلة التي تثيرها إدارة دونالد ترامب لنظام الاقتصاد والسياسة في العالم.

وصرّح نيكولا شابوي “في المثلث المؤلف من الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي الاقتصادات الثلاثة الأكبر في العالم من الملح أن نقوي قاعدة المثلث التي تشكلها على حد رأيي أوروبا والصين”.

واصطدمت الخطوات الأوروبية الجديدة المناهضة لتصورات الإدارة الأميركية بحزمة استفهامات من الخبراء الذين تساءلوا عن مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على إنهاء اعتماده على الولايات المتحدة الأميركية كشريك أساسي من منطلق انتظار هدية قريبة قد تعكس مسار الولايات المتحدة في الانتخابات القادمة أو في فترة حقبة ما بعد ترامب.

وقوى الاتحاد الأوروبي من تقاربه مع الصين ودول آسيوية حيث كرّس 51 من قادة أوروبا وآسيا رؤية بديلة متحدية تناصر التعاون العالمي والالتزام بالمنظمات الدولية المشتركة ضد تيار الحمائية والانعزالية الذي تسير فيه واشنطن.

وكانت رسائل منتدى “آسيا أوروبا” موجهة لرفض حمائية دونالد ترامب، حيث قال وزير خارجية كوريا الجنوبية، كانغ كيونغ–وا، في ختام القمة إن القادة أكدوا التزامهم القوي بـ”النظام الدولي القائم على القواعد وأيضاً بمركزية التعددية” في ما يخص التجارة والأمن والسياسة وتغير المناخ.

من جهتها، وجهت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، انتقادا حادا لرؤية ترامب “أميركا أولاً” في ما يتعلق بمجال التجارة الذي يحتمل دائماً المكسب والخسارة، قائلةً “أعتقد أنه يمكننا أن نوضح أن العالم يوفر فرصا لصالح أي طرف، مما يوضح أن الفوائد التي يمكن للمرء أن يستفيد منها سيستطيع الطرف الآخر أن يستفيد منها أيضًا”.

وتوجت كل التحركات الأوروبية – الآسيوية بتوقيع العديد من الاتفاقات، حيث وقع الاتحاد الأوروبي مؤخراً اتفاقيات تجارية مهمة مع سنغافورة واليابان. كما تجري أيضا مناقشة أربع صفقات آسيوية أخرى منها واحدة وشيكة التوقيع مع فيتنام. وتعتبر الصفقة الموقعة هذا العام مع اليابان هي أكبر صفقة تم التفاوض عليها من قبل الاتحاد الأوروبي وستأسس منطقة تجارة مفتوحة تغطي أكثر من 600 مليون شخص.

ورأى مراقبون أن مثل هذه القمم التي تجمع دول الاتحاد الأوروبي بالقوى الآسيوية لا تخرج في مقاصدها عن توجيه رسائل مفادها الالتزام القوي المؤيد لتعددية الأطراف والتعاون الدولي الذي تلعب فيه الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية أدوارًا مركزية.

وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في الاجتماع “نعتقد أن النهج المتعدد الأطراف وحده هو الذي سيسمح لنا بمواجهة التحديات العالمية”.

ويعتبر العديد من الخبراء أن الدول غير القادرة على مقاومة عقوبات الولايات المتحدة تدفع لا محالة لإجراء تغييرات هيكلية. وأن هذه المبادرة يترأسها الآن الاتحاد الأوروبي، وتتبعه الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية.

وطالب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر بأن يصبح اليورو عملة احتياطية عالمية لتقليل الاعتماد المالي على الولايات المتحدة.

ترامب يمضي في تكريس شعاره "أميركا أولا"
ترامب ماض في تكريس شعاره "أميركا أولا"

وحسب تقرير صادر عن مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، فإنها ليست المرة الأولى التي تحاول فيها الدول الابتعاد عن النظام المالي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. مذكرا بأنه خلال الأزمة المالية العالمية قبل عقد من الزمان، دعا صناع السياسة من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلى محافظ بنك الصين الشعبي، تشو شياو تشوان، إلى إنشاء نظام يتجاوز الهيمنة الاميركية. وكما أظهر المؤرخ آدم تووز، حدث العكس، بل وعززت الولايات المتحدة من دورها المركزي.

ويرجح التقرير أن يتم تعطيل دعوات التغيير ضد القوة المالية الأميركية، غير مستبعد بداية بعض التوجهات في إرخاء القبضة الأميركية على النظام المالي، لكن ليس بالطريقة التي يرغب الاتحاد الأوروبي اتباعها.

ويستحضر التقرير بعض محاولات التقارب السابقة بين دول أوروبية والصين خاصة خلال الأزمة المالية العالمية حين قدّمت لندن نفسها كشريك للصين، مستندا إلى ما وثقه جيريمي غرين، في مقال نُشر في المجلة البريطانية للسياسة والعلاقات الدولية، عن كيفية استقبال بريطانيا أعمالاً جديدة من القارة الآسيوية بعد عام 2010. وكيف أطلقت لندن في 2012 “مبادرة الرنمينبي” لزيادة تعاملاتها مع الصين .

وخلص إلى أن الانقسامات عبر الأطلنطي تؤدي إلى إضعاف قوة العقوبات والهيمنة المالية الأميركية. حيث أدت سابقا موجة معارضة للسياسة الاقتصادية الأميركية إلى تقويض الوحدة عبر الأطلنطي.

واستنتج مراقبون أنه رغم صعوبة مهمة اوروبا فإن الجدل بشأن إصلاح منظمة التجارة العالمية سيدخل مرحلة حرجة، بحيث سيكون “للحرب على لوائح التجارة متعددة الأطراف” تأثير عميق على البيئة الدولية لتنمية الصين في العقود القادمة.

وتعتقد بكين أن الاتحاد الأوروبي يحتاج بصورة واضحة إلى الصين. خاصة أن الكثيرين في أوروبا قالوا إنه من المستحيل أن تتوصل أميركا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق تجارة حرة. وكل هذا يسمح ببناء أرضية مشتركة أكثر بين الصين والاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بتعزيز إصلاح نظام التجارة العالمي متعدد الأطراف لمواجهة حمائية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويعد الاتحاد الأوروبي أكبر مدافع عن النظام العالمي، لذلك يعتقد أن يكون للتقارب بين الصين والاتحاد الأوروبي دور رئيسي لمنع تأثير الاختلاف التجاري بين الصين والولايات المتحدة على لوائح منظمة التجارة العالمية.

6