هل تصمد طالبان في حكم بلد مزقته الاضطرابات والحروب

من المرجح أن تمتد المقاومة ضد طالبان إلى أجزاء أخرى من أفغانستان إذا استمرت جبهة المقاومة الوطنية في الصمود ضدها.
الخميس 2021/09/23
أفغانستان.. هدوء ما قبل العاصفة

كابول – لا تزال تحركات حركة طالبان التي استولت على مقاليد الحكم منذ منتصف أغسطس الماضي تثير مخاوف باحثين ومحللين حول مصير أفغانستان، حيث يتساءل الكثير منهم إن كانت الحركة المسلحة ستصمد في حكم هذا البلد الذي لطالما مزقته الاضطرابات والحروب.

ويقول أروين راحي المستشار السابق لحاكم ولاية بارفان الأفغانية في تحليل نشرته مجلة “ناشونال إنترست” الأميركية، إن الهدوء الذي تشهده حركة طالبان حاليا خارج وادي بانشير، حيث تستمر المقاومة ضد الحركة، قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة كما هي العادة في أفغانستان.

ويرى راحي أن التحديات التي ورثتها طالبان والأخطاء التي ارتكبتها خلال الشهر الماضي قد قوضت شرعيتها، وستمثل حجر عثرة في طريقها لحكم أفغانستان، وبذلك سينتهي قريبا شهر العسل بالنسبة إلى طالبان.

وكان الخطأ الأول لطالبان، في رأي راحي، هو إطلاق سراح جميع السجناء بعد الاستيلاء على السجون ومراكز الاحتجاز التي كانت خاضعة لإدارة الحكومة السابقة في شتى أنحاء أفغانستان. ولو كانت طالبان أفرجت فقط عن أعضائها لكان ذلك مبررا في سياق الصراع. ولكن لا يمكن بأي شكل تبرير قيام طالبان بإطلاق سراح الآلاف من المجرمين والإرهابيين المحترفين، مثل زعيم تنظيم داعش في خراسان عمر فاروقي وغيره من أعضاء التنظيم.

ثم هاجمت الحركة وادي بانشير بدلا من محاولة التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض مع المسلحين هناك. ولا يستوعب كثير من الأفغان كيف يمكن لطالبان أن تتفاوض لمدة عامين مع الأميركيين ولا تطيق التفاوض لمدة أسبوعين مع مقاتلي وادي بانشير.

وعلى الرغم من أن حركة طالبان أعلنت انتصارها في وادي بانشير، فإن الاحتفال بهذا النصر سابق لأوانه، إذ لا تزال جبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد مسعود المتواجدة في وادي بانشير والتي تعرف التضاريس جيدا، تحتفظ بالجبال، وإزاحة الجبهة مهمة ضخمة ليس من المضمون نجاح طالبان فيها.

وإذا استمرت الجبهة في الصمود ضد طالبان، من المرجح أن تمتد المقاومة ضدها إلى أجزاء أخرى من أفغانستان. وتفتقر طالبان إلى الدعم بين الجماعات العرقية غير البشتونية مثل الطاجيك والأوزبك والهزارة والتركمان الذين لا يهتمون كثيرا بالحكم الديني لطالبان الذي يهيمن عليه البشتون.

وكان الخطأ الثالث الذي ارتكبته طالبان، بحسب راحي، السماح للجنرال فايز حميد المدير العام للاستخبارات المشتركة بين الأجهزة في باكستان بالظهور علنا في العاصمة الأفغانية كابول. ويشتبه الأفغان العاديون منذ فترة طويلة في أن طالبان تعمل من أجل تعزيز مصالح باكستان في البلاد.

Thumbnail

وعلى الرغم من نفي باكستان وطالبان ذلك، أضرت زيارة حميد العلنية لأفغانستان بشدة بسمعة طالبان وأثارت تساؤلات خطيرة حول تأثير الاستخبارات الباكستانية على الحركة.

أما الخطأ الأكبر الذي ارتكبته طالبان حتى الآن فهو الإعلان عن تشكيل حكومة أحادية العرق تقريبا. وكان البشتون، الذين تتراوح نسبتهم بين 40 و45 في المئة من سكان أفغانستان، يشكلون أكثر من 90 في المئة من التعيينات الوزارية.

ورغم ذلك أعلنت طالبان الثلاثاء بقية تشكيلة حكومتها لتصريف الأعمال، وشملت المناصب الجديدة تعيين شخصية من المقيمين في ولاية بانشير بشمال شرق البلاد قائما بأعمال وزير التجارة، واختيار نائب لوزارة الصحة من أقلية الهزارة. وكانت المجموعة الأولى من التعيينات التي أصدرتها الحركة أثارت انتقادات لعدم شمولها، حيث كانت الأغلبية فيها من قيادات طالبان وقبيلة البشتون. ولكن لم تتضمن التعيينات في المرتين أي امرأة.

ولاسترضاء منتقدي الحركة من المحليين والأجانب وصفت طالبان حكومتها بأنها مؤقتة يفترض أن تحل محلها هيئة أكثر دواما في مرحلة ما في المستقبل.

ويرى راحي أنه بالنظر إلى سجل طالبان في الكذب وخرق وعودها، ليس هناك أمل كبير في أن تفي بوعدها هذه المرة. وبالإضافة إلى أن حكومة طالبان أحادية العرق وتتمحور حول البشتون، يهيمن عليها تماما من يسمون بالملالي، وهم شبه ملمين بالقراءة والكتابة.

ومعظم أعضاء الحكومة لا يتمتعون بتعليم عال أو مهني، ناهيك عن التعليم ذي الصلة بحقائبهم الوزارية. وحتى مؤهلاتهم الدينية تبدو مشكوكا فيها لأن معظمهم لا يتحدثون العربية، وهي اللغة التي تتحدثها المدارس الدينية في أفغانستان وباكستان، وقد اضطروا إلى استخدام المترجمين الفوريين للتواصل مع مضيفيهم القطريين في الماضي.

الخطأ الأكبر الذي ارتكبته طالبان حتى الآن هو الإعلان عن تشكيل حكومة أحادية العرق تقريبا. وكان البشتون، الذين تتراوح نسبتهم بين 40 و45 في المئة من سكان أفغانستان، يشكلون أكثر من 90 في المئة من التعيينات الوزارية

ويرى راحي أن طالبان تواجه عدة تحديات منها أن إعلانها عن تشكيل حكومة أحادية العرق لن يساعدها في السيطرة على الوضع الهش في أفغانستان. ولا يمكنها تجاهل الرغبة في مزيد من الحقوق والمشاركة في المجتمع التي يحتفظ بها الشباب الأفغان، ولاسيما النساء. ويمكن لطالبان اللجوء إلى العنف لقمع المعارضة في الوقت الراهن، ولكن القمع في أفغانستان غالبا ما يأتي بنتائج عكسية مع عواقب وخيمة على الطرف المعتدي.

ويشير الراحي إلى أن أفغانستان الآن على شفا انهيار اقتصادي. وفي ظل نفاد السيولة النقدية بالبنوك ولدى عدد كبير من الأفغان بسبب تجميد الأصول الأفغانية لدى الولايات المتحدة، أصبح حتى من كانوا ميسوري الحال في ظل حكومتي حامد كرزاي وأشرف غني يكافحون اقتصاديا.

وفي أوائل أغسطس أفادت الأمم المتحدة بوجود أكثر من 10 آلاف مقاتل أجنبي في أفغانستان. وكان ذلك قبل أن تفرج طالبان عن المقاتلين الأجانب الإضافيين من السجون.

ويبدو أن طالبان لا تسيطر كثيرا على هؤلاء المقاتلين الأجانب، ولاسيما مقاتلي “داعش خراسان” الذين تعتبرهم الحركة عدوها اللدود. وعلاوة على ذلك، ستختبر حركة “طالبان باكستان” أيضا قدرة طالبان أفغانستان والتزامها.

كما أن رغبة طالبان في حكم أفغانستان بحكومة مركزية قوية مقرها كابول سوف تأتي بنتائج عكسية قريبا. ومن الناحية التاريخية لم يكن للأفغان خارج كابول اعتبار يذكر لأهل السلطة في العاصمة. فالأفغان أكثر ولاء لشيوخهم المحليين والإقليميين والقبليين من الذين يجلسون على مقاعد السلطة في كابول، وبالتالي سيقاومون أي تغيير يفرض من أعلى إلى أسفل يأتي من العاصمة. ويقول الكاتب إن حركة طالبان تسير في الاتجاه المعاكس، ومن ثم فهي تضع الأساس لزوالها.

وأخيرا يرى راحي أن القتال العسكري الذي خاضته طالبان ضد الولايات المتحدة وحلفائها الأفغان كان هو ما حافظ على تماسك الحركة، لكن مع انسحاب القوات، تفكك هذا التماسك وبدأت خلافات حادة تظهر داخل صفوف الحركة. ومع مرور الوقت، من المرجح أن تزداد هوة هذه الخلافات الداخلية.

13