هل تطيح الاحتجاجات بأحلام حاكم الجزائر المريض

الثلاثاء 2014/03/11
اتساع أزمة السلطة في الجزائر بعد ترشح بوتفليقة

بعد إعلان رئاسة الجمهورية الجزائرية الرسمي أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أودع لدى وزارة الداخلية طلب ترشحه وسحب وثائق جمع التوقيعات للانتخابات الرئاسية المقررة في 17 أبريل، برزت ردود فعل مختلفة تجاه ذلك الخيار وصلت درجة الخروج إلى الشارع للتعبير عن رفض العهدة الرابعة لبوتفليقة.

الحركة الاحتجاجية مثلت نوعا من الرفض لاستمرار المشهد السياسي على حاله لأن الأزمة التي وصلت إليها الجزائر تستدعي ضخ دماء جديدة لا الدفع بالرجل المريض ليواصل تعميقها. لذلك ردد المحتجون شعارات معبرة عن طموحاتهم ومناوئة للسلطة من قبيل “النظام قاتل”، “الجزائر حرة ديمقراطية”، “بركات بركات من حكم المخابرات”.

ويذهب مراقبون أن لجوء السلطة إلى القمع والعنف واعتقال المتظاهرين أضحى سلاحها الوحيد للوقوف أمام معارضي العهدة الرابعة، خاصة وأن الحركات الاحتجاجية الرافضة لبقاء بوتفليقة في كرسي الحكم قد لاقت مساندة كبيرة من قِبل المواطنين.

وقد بيّنت تلك الاحتجاجات أن المقولة التي تروج لها السلطة والمتمثلة في أن ترشح بوتفليقة جاء استجابة لإلحاح المواطنين والمواطنات من كل أرجاء الوطن لم تعد تحظى بالمصداقية.

ونعرض هنا موقفين متباينين من المسألة الأول لمولود حمروش رئيس الحكومة الأسبق الذي يرى أن النظام الجزائري لم يعد صالحا للحكم والثاني لعبد المالك سلال رئيس الوزراء الجزائري الذي يذهب إلى أن المعارضين للولاية الرابعة لبوتفليقة هم دعاة فتنة ومغامرة.

حمروش: الجيش يتعرض لضغوط كبيرة لتجديد الولاء لبوتفليقة


النظام لم يعد صالحا للحكم


اعتبر مولود حمروش، أن الأزمة في الجزائر تتجاوز الانتخابات وأن هذا النظام لم يعد صالحا لحكم البلاد.

ودعا مولود حمروش إلى إسقاط النظام الجزائري بأسلوب هادئ ولكن بمساهمة الجيش، لأنه لم يعد قادرا على تسيير البلاد. كما أكد أن الانتخابات الرئاسية المقررة في 17 أبريل لا جدوى منها.

وأكد حمروش أن عوامل الانسداد مازالت قائمة سواء تم تجديد ولاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أو لا. وأقر أن هذا النظام تآكل وسيسقط لذلك فهو يريد إسقاطه بأسلوب هادئ وبقرارات حكيمة وليس بموجة هوجاء.

وحسب حمروش فإن الأزمة تتجاوز الانتخابات التي لا جدوى منها وقناعته أن هذا النظام لم يعد صالحا لحكم الجزائر.

ويرى رئيس الوزراء الأسبق أن الحل الوحيد هو الاتجاه وبقوة لوضع ترتيبات للانتقال بالبلاد إلى الديمقراطية بمساعدة المؤسسة العسكرية.

وأوضح أن أي حل توافقي مدروس لا يحتاج فقط إلى عدم معارضة الجيش ولكن يحتاج أيضا إلى مساهمته في الآليات التي يختارها المجتمع.

ويؤكد حمروش أنه لا توجد أية فرصة لإرساء الديمقراطية دون مساهمة الجيش، مشيرا إلى تجربة دول أميركا اللاتينية التي قام فيها العسكر بدور إيجابي لإسقاط الحكومات الديكتاتورية. وطالب الجيش بالوفاء بوعوده وبناء دولة ديمقراطية ومواصلة الإصلاحات.

وشدد على أنه لا يدعو إلى انقلاب عسكري أو منع بوتفليقة من الترشح، لكنه يدعو الجيش إلى إخراج البلاد من حالة الانسداد.

وحسب حمروش فإن قيادة الجيش تتعرّض لضغوط كبيرة لتجديد الولاء للسلطة الحاكمة بمناسبة كل استحقاق رئاسي.

وأكد أن الجزائر تعيش وضعا صعبا، والقرارات التي ستتخذ ستكون لها انعكاسات على مستقبل البلاد، موضحا أن أجيالا جديدة ستتولى المسؤولية ما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، ويجب أن تتوفّر لها الظروف اللازمة.

وأوضح حمروش أنه من الضروري احترام وضمان مصالح الجماعات والمناطق والأقليات لتشهد الجزائر استحقاقات في جو من الطمأنينة والانضباط، مثلما هو ضروري أن تحترم الدولة كل الحقوق والحريات، وأن ذلك شرط أساسي لضمان تعزيز المكتسبات، وتصحيح الأخطاء.

وأشار رئيس الوزراء الأسبق إلى أنه في كل الأزمات التي عرفتها البلاد كان الجيش حاضرا كحاضن لإعادة إحياء الهوية الوطنية، والمشروع الوطني، الذي دافعت عنه المؤسسة العسكرية في مرات عديدة، وأن هذا لم يكن ممكنا، إلا لأنه كان هناك رجال استطاعوا التوصل إلى اتفاقات وحلول وسط في كل مرحلة ومع كل أزمة، وأن هؤلاء نجحوا في الحفاظ على وحدة الصف والهوية والمشروع الوطني.

واعتبر أنه لا يمكن لسلطة ذات سيادة أن تكون دون وجود سلطة مضادة، وأنه لا يمكن أن تكون هناك ممارسة للسلطة أو لمهمة دون رقابة، وأن هذا في مصلحة وأمن البلاد ومصلحة وأمن الجزائريين وكل مناطق الوطن.

وشدد على أنه إذا توفرت هذه الشروط سيبقى الشعب في طريق التطور، والمساواة والعدل بكل مكوناته الاجتماعية، ويكون قادرا على مواجهة التحديات التي تنتظره، وأنه إذا توفرت هذه الشروط سيكون الجيش قادرا على أداء مهامه، وتحافظ بذلك الدولة على مصداقيتها، كدولة جادة وموثوق بها لدى شركائها وجيرانها.

سلال: معارضو بوتفليقة دعاة فتنة


المعارضون دعاة فتنة ومغامرون


انتقد عبد المالك سلال، بشدة رفض المعارضة واحتجاجها على العهدة الرابعة لبوتفليقة بحجة وضعه الصحي، وقال في البرلمان، إن صحة الرئيس عادية، وإنه غير ملزم بقيادة الحملة الانتخابية بنفسه بل سينوبه في ذلك مؤيدوه.

وحذر الوزير الأول المعارضين المناوئين للولاية الرابعة لبوتفليقة ووصفهم بدعاة الفتنة والمغامرة، وحثهم على التوقف عن الاحتجاجات.

وقال سلال إنه ينتمي إلى فريق يحب الخير للجزائر ويحارب دعاة الشر واليأس والإحباط. ودعا الجزائريين إلى التصويت بقوة في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في17 أبريل المقبل.

وقال: “على الجزائريين الذين ذاقوا طعم الأمن والاستقرار أن لا يفرطوا في هذه النعمة وعدم تضييع الفرصة لتحسين وضع البلاد”.

وكشف الوزير الأول، أن الرئيس بوتفليقة سيفاجئ الجميع، وقال: “إن الأيام القليلة القادمة تحمل أشياء جديدة وبوتفليقة سيفاجئ الجميع”. ورفض تقديم توضيحات حول نوعية هذه المفاجآت.

وبخصوص مدى تحسن صحة الرئيس المترشح أكد سلال قائلا: “صحة بوتفليقة عادية، وقد قلنا ذلك مرارا وتكرارا”.

وتساءل عبد المالك سلال، حول انتفاض معارضي العهدة الرابعة، عن مبررات تعمد بعض الأطراف على معارضة ترشح أشخاص معينين للرئاسيات، في حين أن القانون والدستور يمنحان الحق الكامل في ذلك للجميع، في إشارة من سلال إلى أنه لا يوجد في الدستور الجزائري ولا في قانون الانتخابات ولا في أي نص قانوني من قوانين الجمهورية ما يمنع بوتفليقة من الترشح لعهدة رابعة.

وأكدا أن هذا الشيء يحدث في الجزائر فقط، و أنه من حق بوتفليقة الترشح لعهدة رئاسية رابعة، وأن الدول الغربية ليست أحسن من الجزائر، ضاربا المثل بألمانيا، ومستشهدا بترشح مسؤولين في دول أخرى عدة مرات، كما هو الحال بالنسبة إلى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي انتخبت لثلاث عهدات على التوالي، وهي الآن تقضي عهدتها الثالثة ويمكنها أن تترشح مجددا لعهدة رابعة وخامسة، ولا أحد عارضها على ذلك، فبأي حق يعارض البعض ترشح بوتفليقة، متسائلا هل نحن أحسن من ألمانيا وباقي الدول الغربية؟

وبخصوص الحملة الانتخابية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، قال سلال إن الحملة ستنطلق في وقتها المحدد، وفي إطارها القانوني، وكل الداعمين وأنصار الرئيس بإمكانهم المشاركة في تنشيطها.

واعتبر أن الذي يرشح بوتفليقة من حقه القيام بحملة لصالحه، في إشارة منه إلى اللجنة العليا لحملة بوتفليقة الانتخابية التي تمّ تنصيبها قبل أيام والتي تضم العديد من الوزراء والشخصيات على غرار الوزير الأول عبد المالك سلال، والأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني عبدالعزيز بلخادم، ورئيس الحكومة السابق، أحمد أويحي، والرئيس الأسبق للمجلس الدستوري بوعلام بسايح، ورئيس حزب تاج عمار غول، والأمين العام لجبهة التحرير الوطني عمار سعيداني، والأمين العام للأرندي عبد القادر بن صالح الذي يشغل منصب رئيس مجلس الأمة في الوقت ذاته، ورئيس حزب الحركة الشعبية الجزائرية عمارة بن يونس.


بدائل متعددة للرجل المريض


تزايدت الأصوات المعبرة عن رفض العهدة الرابعة لعبدالعزيز بوتفليقة في الآونة الأخيرة، وذلك يعبر عن مطالب جدية للتغيير والبحث عن بديل للرجل الذي لا يمكن له أن يحكم الجزائر وهو في تلك الحالة الصحية المتدهورة.

ورغم القمع الذي مارسته السلطات لوأد الحركة الاحتجاجية الأخيرة في المهد إلا أن الصدى الذي لقيته يشير إلى إمكانية انتشارها في كامل التراب الجزائري.

ويذهب محللون إلى أن الرفض كان واضحا لمواصلة الرئيس الحالي الحكم نظرا لعدة اعتبارات، ولعل أهمها حالته الصحية والمرض الذي لن يجعله قادرا على تسيير البلاد والقيام بكل التزامات الرئاسة.

وقد عبر البعض عن مواقفهم الواضحة من العهدة الرابعة ومن الأزمة التي تمر بها الجزائر في هذه المرحلة في ظل إصرار الآلة المتنفذة في الحزب الحاكم على الدفع ببوتفليقة إلى الأمام رغم صعوبة المهمة.

من ذلك ما ذهب إليه الصحفي المتخصص في الشؤون المغاربية رمضان بلعمري، عندما قال إن الشارع في الجزائر رفض الترشح لسبب رئيسي وهو وضعه الصحي المتردي، ولو كان بوتفليقة محتفظا بلياقته السابقة ربما لكانت الاحتجاجات أخف.

وذهب بلعمري إلى أن الشارع يشعر بنوع من الاستغفال السياسي حيث يتم ترشيح رئيس لم يتحدث مع الشعب منذ 20 شهرا على الأقل، وهم لا يعرفون حقيقة وضعه الصحي.

ويرى أن هناك عدة بدائل للرئيس بوتفليقة جاهزة، بينهم علي بن فليس وعبد العزيز بلخادم، وكلاهما ينتمي إلى الحزب الحاكم، إضافة إلى أحمد أويحيى الذي ينتمي إلى حزب رديف للحزب الحاكم.

وتطرح الصحف الجزائرية الأزمة بأساليب مختلفة منها التي رأت أن الوضع الجزائري يستدعي التغيير الجذري وأخرى ذهبت إلى ضرورة الحفاظ على الاستقرار وألا تنجر الجزائر إلى المجهول.

كما أن هناك خلافا واضحا في التقييم للحراك الاحتجاجي الذي تشهده الجزائر بين الحزب الحاكم والمعارضة.

حيث يرى القيادي في الحزب الحاكم الصادق بوقطاية، أن ترشيح بوتفليقة لولاية رابعة يحظى بدعم جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، و30 حزبا آخرين، كما تمكن أنصار الرئيس من جمع مليون توقيع ويتوقع أن يصلوا إلى 3 ملايين في وقت قصير.

وعلى خلافه، يؤكد أنور مالك المعارض الجزائري أن قوات الشرطة قمعت مظاهرة واعتقلت ناشطين، وهذا قمع لحرية التعبير والرأي، مشيرا إلى أن الجهة الوحيدة التي تعرف حقيقة الوضع الصحي للرئيس بوتفليقة هي مستشفى فال دوغراس العسكري في فرنسا. أما الناشطة الاجتماعية، الطبيبة بوراوي أميرة، وهي واحدة من الذين دعوا للاحتجاج فهي تشدد على الاستمرار في التعبئة حتى يتم منع الرئيس بوتفليقة من الترشح، معتبرة أن مقربين منه يستغلون وضعه الصحي لمزيد النهب والفساد.

ويعتقد العديدون أن المعارضة الجزائرية لا تدفع نحو الاحتقان ودخول الجزائر في دوامة من العنف والدماء، بل تعمل من أجل التغيير وضخ دماء جديدة في العمل السياسي حتى يتسنى خلق أرضية تسع الجميع وتفتح البلاد على أبواب الانتقال الديمقراطي السلمي.

12