هل تعود قصبة الجزائر إلى ألقها التاريخي

لا تعرف المدن العربية ببنايتها العصرية الشاهقة ولا بالعمارة التي تغلب عليها النوافذ البلورية، بل بعمارتها المنفردة ذات الطابع الإسلامي القديم، فالقصبة في العاصمة الجزائرية هجرها الزوار بعد أن أشرفت على الانهيار وضاعت ملامحها، ما دفع السلطات المعنية إلى التعجيل في إجراءات ترميمها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في محاولة لإعادة الوجه الجميل لأحياء المدينة القديمة.
الخميس 2017/11/02
القباب عمارة تعرفها المساجد

الجزائر – تعرف عملية ترميم وإعادة تأهيل حي القصبة العتيق في العاصمة الجزائر نسبة تقدم “ملحوظة” في مختلف المواقع المتمثلة في البنايات التاريخية وأشغال تهيئة قنوات الصرف الصحي للمياه وردم الكوابل الكهربائية ذات الضغط المنخفض، حسبما أفاد به مدير التجهيزات العمومية لولاية الجزائر محمد بركون في وقت سابق من هذا الشهر.

ومازال الجزائريون يتساءلون إن كانت الحكومة قادرة على إعادة القصبة إلى بريقها وعودة النشاط الاقتصادي الذي عرفت به عبر التاريخ ليعودوا إليها والاستمتاع بعمارتها ذات الخصوصية العربية في ظل تشابه البنايات العصرية.

وأوضح بركون لوكالة الأنباء الجزائرية أن أشغال عملية الترميم وإعادة تهيئة قصبة الجزائر لإعادة الاعتبار لهذا المعلم التاريخي المصنف ضمن قائمة التراث العالمي قطعت أشواطا “ملحوظة”، وذلك في كل من دار البارود، ومسجد البراني، ومسجد الداي على مستوى قصر الداي بالقصبة العليا وقصر حسن باشا، ودار المجاهدة جميلة بوحيرد ودار باشطارزي و2 دويرات بشارع أوسليماني (ليزارد سابقا) بالقصبة السفلى، إلى جانب عدد من المساجد والمنازل المحيطة بهذه المواقع.

وذكر أنه على مستوى موقع قلعة الجزائر (قصر الداي) بالقصبة العليا تعرف ملاحقها الثلاثة تقدما حيث بلغت الأشغال بدار البارود نسبة 45 بالمئة وبمسجد الداي 60 بالمئة وبمسجد البراني 45 بالمئة.

أحد البيوت المرممة يظهر بوجهه الجميل

وتعاني قصبة الجزائر، إحدى أجمل المدن العتيقة الغنية بتاريخها في حوض البحر المتوسط،، من خطر انهيار مبانيها، هذه المدينة داخل المدينة بقلعتها المشيدة في القرن السادس عشر من طرف الإخوة خير الدين وبابا عروج بربروس، وبقصورها العثمانية وأزقتها الضيقة، تعرضت للزلازل والفيضانات والحرائق ما أثر على مبانيها ودمر البعض منها.

وفقدت القصبة الكثير من بريقها وجمالها في عهد الاستعمار الفرنسي بسبب تعرضها للسرقة والتهديم المتعمد.

وتشمل القصبة مجموعة من معالم هامة تعد جزءا لا يتجزأ من المدينة القديمة، وهي القلعة والقصر وحصن 23 والمعالم الدينية، إلا أنها أهملت من طرف السلطات لمدة طويلة، الأمر الذي أفقدها السياح الأجانب والمحليين، بعد أن أصبح العديد من معالمها في وضعية كارثية، ومن بين 1816 معلما متبقيا تعد 30 بالمئة منها في حالة سيئة، و10 بالمئة منها منهارة.

وفي ما يخص وتيرة الأشغال بالقصبة السفلى أشار محمد بركون إلى أن مشروع قصر حسن باشا بلغت فيه أشغال الترميم نسبة 40 بالمئة.

وقال إن القائمين على عملية الترميم صادفوا في البداية عدة صعوبات تتعلق بارتباط البناية ببنايات (دويرات) أخرى مهترئة مهددة بالانهيار، مما استدعى تدخلا استعجاليا لدعمها، أما دار باشطارزي والدويرات التي تقع بشارع أوسليماني فبلغت نسبة الأشغال فيها 60 بالمئة، فيما بلغت العملية بدار المجاهدة جميلة بوحيرد 30 بالمئة.

ويقول الخبراء إن المشاكل التي تواجه عملية الترميم تعود إلى طبيعة بناء القصبة، حيث يتكئ كل بيت على البيت الآخر، وعندما يتهدم بيت يمكن أن تنهار كل البيوت من خلفه. وأكد محافظ العاصمة الجزائرية عبدالقادر زوخ أن المشكل العويص الذي تواجهه عملية ترميم القصبة يتمثل في قنوات صرف المياه المستعملة ومياه الأمطار العتيدة.

الصيانة تنقذ المعالم التاريخية من الاندثار

وأوضح أن هذه القنوات عتيدة جدا ويجب استبدالها كلية، مشيرا إلى أنه سيتم تكليف أكثر من 50 مكتب دراسات لإجراء مختلف الدراسات بالقصبة بهدف إعادة ترميمها بصفة كلية.

وذكر بركون أن أهم مشكل واجهته المرحلة الأولى من عملية الترميم، إلى جانب تدهور البنايات المعنية بالترميم، يتمثل في اهتراء وقدم قنوات صرف المياه المستعملة ويتعلق بثلاثة قنوات كبرى لصرف المياه المستعملة على امتداد 1.6 كيلومتر.

وقال إن عملية ترميم القصبة سمحت باكتشاف العديد من الأثريات والبنايات من مختلف العصور على عمق 34 مترا خلال أشغال إنجاز محطة مترو الجزائر بساحة الشهداء، ويتم التعامل معها بحذر من أجل ترميمها والحفاظ عليها كمكسب جديد بالقصبة.

وأضاف مدير التجهيزات العمومية أن الأشغال التي انطلقت في نهاية 2016 تشرف عليها مؤسسات ومقاولات ومكاتب دراسات جزائرية وتختلف مدة إنجاز أشغال الترميم عبر كل موقع من المواقع الستة المدرجة في عملية الترميم حسب مستوى وحالة البناية من التدهور.

والقصبة في المعنى التقليدي تعني وسط المدينة، تكون غالبا محاطة بالأسوار ومحصنة وبها أزقة سكنية وأسواق وعلى وتيرة القصبات من المغرب إلى دمشق في الشرق.

وأدرجت اليونسكو قصبة الجزائر على لائحة التراث العالمي للبشرية منذ 1992، لـ”قيمتها الاستثنائية” وكشهادة على تناسق العديد من التوجهات في فنون العمارة في نظام معقد وفريد عرف كيف يتأقلم مع أرضية صعبة تقع في الهضبة المطلة على البحر.

لكن إجراء اليونسكو لم يسهم في الحفاظ على المدينة القديمة بمساحتها البالغة 105 هكتارات وبيوتها التي فاقت الألف بيت ما زالت صامدة أمام الانهيارات، بحسب التقديرات.

20