هل تعيد حادثة "شارلي إيبدو" تأهيل محور الشر

الثلاثاء 2015/01/13
هل ستشكل الجريمة المنكرة منعطفاً في مسار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه

ألم نقل لكم إنّ عجلة الإرهاب ستمرّ بكم؟! أليس هذا ما نحاول محاربته منذ أربع سنوات؟ هل ستشكّكون بعد الآن في صواب عملنا في محاربة الإرهاب..؟ “لسنا الوحيدين لكنّنا الأفضل”؟

بهذه الأسئلة ومثيلاتها التي تضمر سخرية بما تؤول إليه الأوضاع في الغرب، وفي فرنسا تحديداً، يجاهد أعداء الثورات العربيّة لتقديم أوراق اعتمادهم في محاولة لتجديد التوكيل الحصريّ لهم في الفتك بالشعوب وتأديبها، وهي أسئلة تبطن ما يشبه اليقين بانتصار الحلف الذي يصدّر نفسه على أنّه حامي الحرّيّات في المنطقة، والمحارب الأوحد للإرهاب والتطرّف، والساعي لليّ ذراع الإرهابيّين على الأرض.

بعيداً عن الإيمان بنظرية المؤامرة واللهج بها، فإنّ أصابع الاتّهام في أيّ جريمة تتوجّه بداية إلى المستفيد المفترض منها، وبالسؤال عن أكثر المستفيدين من جريمة اغتيال الصحفيّين في صحيفة شارلي إيبدو فإنّ محور الشرّ الممثّل بإيران وحلفائها في المنطقة، ولاسيّما النظام السوريّ الذي أطلق سراح المتشدّدين الإسلاميّين من سجونه وبثّهم في ثنايا المدن السورية الثائرة، هم في صدارة المستفيدين منها، ويسعون لاستثمارها بما يناسب أهدافهم، والغايات المعلنة والمبيّتة منها.

تؤكّد التقارير الاستخباراتيّة الدوليّة، والوقائع على الأرض أنّ النظام الإيرانيّ يتحكّم بتنظيم القاعدة الإرهابيّ ويحتضن قياداته، وبالتالي هذا يفترض أنّه يقودهم حسب توجّهه وأهدافه، أي أنّ بوصلة الأهداف تتحدّد بناء على الرغبات والغايات الإيرانيّة، وبعد ذلك يكون هامش التحرّك ضمن المسار المحدّد، لإبراز شيء من الاستقلاليّة، ناهيك عن تمثيل النظام الإيرانيّ نفسه أنّه ضحيّة للإرهاب أيضاً، وتسويق مزاعم الاختلاف الطائفيّ التي تضعه ضمن معسكر أعداء القاعدة المفترضين، في حين أنّ المصالح المتقاطعة هنا تتفوّق على أيّ إيديولوجيا.

ولاشكّ أنّ نظرية المؤامرة بدورها ذريعة لأزلام النظام الإيرانيّ والأنظمة التابعة له في المنطقة، إذ ارتفع صوتهم وانتابهم شيء من انشراح الصدر بعد اقتراف الجريمة، وبدؤوا يضحكون في سرّهم مطمئنّين واثقين أنّه ستتمّ العودة إليهم والاستعانة بهم والاعتراف بفضلهم ودورهم، وبات يحلو لهم تكرار الأسطوانة البائسة حول تعرّضهم للإرهاب وتصدّيهم للمتطرّفين، وأنّ الغرب يشرب من كأس السمّ التي أذاقها لهم، وأنّه لا سبيل لمحاربة ذلك إلّا بتوحيد الجهود، وهذا يعني في نظرهم الرجوع إلى النظام السوريّ وإعادة الشرعيّة له، ومنحه التفويض بإكمال تدمير البلد، وضمّه إلى التحالف الدوليّ ضدّ داعش.

كما أنّ الواقع لا ينفي إفادة إسرائيل من أيّ عملية من هذا القبيل، لأنّه يؤكّد مزاعمها في تجريم الفلسطينيّين المدافعين عن أرضهم، والمقاومين للاحتلال. ويبدو الخيط الفاصل الواصل اللامرئي بين مصالح الأنظمة التي قد تظهر في العلن على أنّها معادية لبعضها بعضاً، إلّا أنّها في الجوهر تلجأ إلى الأعمال الانتقامية نفسها، مع اختلافات بسيطة في القباحة والوقاحة والوسائل المستخدمة.

وفي اتّجاه آخر في المسألة، أيّ فشل ذريع تمنى به السماحة الإسلامية المفترضة والأخلاقيّات الدينيّة المتعلّقة بردّ الإساءة بالإحسان؟ لماذا يسود الخطاب العنفيّ ويجد أصداء لدى عدد من المسلمين في الشرق والغرب ولا يفسح المجال للحوار أو التواصل إلّا بالسلاح والقتل؟ هل من وقفة جدّية لإجراء مراجعة تاريخيّة للفكر المبرّر للعنف والثأر والاقتصاص باليد؟

المفارقة تكمن في أنّ خطاب النخب الإسلاميّة والعربيّة في الغرب يكاد يتوه عن بوصلة القانون والعدالة والمساواة وحرّيّة الرأي والتعبير، إلى درجة يجد البعض نفسه في موضع ينزلق فيه إلى التماس الأعذار للمجرمين، عبر إدانة الجريمة ثمّ استدراك الأمر وإدانة الصحيفة على ما كانت قد قامت به من نشرها للرسوم المسيئة التي تنال من مقدّسات المسلمين، وهنا يكون لبّ التعارض بين الأضداد والنقائض.

لا يخفى أنّ العالم بات يتعامل مع العرب والمسلمين من باب القاعدة العسكرية القائلة إنّ المكافأة فرديّة والعقوبة جماعيّة، ولا تكون العقوبة في إجراءات عقابيّة مباشرة، بقدر ما تتمثّل في تعميم نظرة مسبقة تمهّد للحكم المسبق بدوره على الجماعات بعيداً عن التفريق بين أفرادها وتوجّهاتهم، ووصم الدين الإسلاميّ بأنّه مشرعن للعنف وداعٍ له ومحرّض عليه.

تشير الأحداث والأقوال إلى أنّ فرنسا بعد حادثة شارلي إيبدو لن تكون كما قبلها، وأنّ هناك تعميماً للتجريم والتأثيم سيطال كثيراً من العرب والمسلمين فيها، وربّما في عدد من الدول الأوروبيّة، وأنّ الاستعداد للعمليات الإرهابيّة لا يمنعها، ولا يحدّ منها، بل تشتدّ الحاجة إلى قطع رأس الأفعى الراعية للإرهاب والحاضنة له والمصمّمة لبنك أهدافه، والتدخّل الحقيقيّ لردع المجرمين المتاجرين بشعارات مكافحة الإرهاب، في حين أنّهم نبع الإرهاب ومستنقعه.

هل ستعيد هذه الجريمة المنكرة والمدانة تأهيل محور الشرّ بحجّة عدم وجود البديل المقنع أم أنّها ستشكّل منعطفاً في مسار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه الفكريّة والمادّيّة، والالتفات إلى مأساة ملايين السوريّين الذين فتك ويفتك بهم هذا الإرهاب منذ سنين؟!

16