هل تغيرت صورة العائلة في عيني الأعزب

دقت منظمة الصحة العالمية أجراس الخطر حول بقاء نظام الأسرة التقليدية -الزوجة والزوج والأطفال- الحالي في العالم في القرنين القادمين بسبب انتشار العزوبية في معظم أقطار المعمورة بنسب تتزايد كل سنة.
الاثنين 2018/04/30
العزوبية تصبح مشكلة لكل من يبتعد عن محيطه الأسري

عمدت الكثير من الدول العربية، ومن بينها الجزائر بداية من العام الجاري، الضغط على العُزَّاب لإنهاء عزوبيتهم بعدة وسائل، كمنعهم من دخول المولات والمتنزهات ومدن الألعاب إلا بصحبة امرأة، وقدمت حوافز مالية وعينية للعرسان الجدد.

ويساعد في ذلك، في الكثير من الدول العربية، التقاليد والعادات المتوارثة، كجعل سكن العُزَّاب بعيدا عن سكن العائلات، وعدم السماح لهم بحضور المناسبات العائلية بمفردهم. وكل ذلك جعل العزوبية تصبح مشكلة لكل من يبتعد عن محيطه الأسري، لظروف عمل خارج مدينته أو بسبب الدراسة.

في آخر نشراتها الإحصائية للعام 2016 اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن العزاب ضمن المعاقين، وبسبب ذلك تناقل العُزَّاب في وسائل التواصل تعليقات ساخرة حول ذلك التصنيف.

ومن بين ما قيل، أنَّ العزاب يطالبون دولهم بمنحهم إعانات مالية أسوة ببقية المعاقين. وبسبب كثرة التعليقات حول المنشور، أصدرت توضيحا له، قالت فيه إنَّ سبب تخصيصها العُزَّاب في خانة المعاقين جاء لكونهم لم يوفقوا في إيجاد شريكهم الجنسي لإنجاب الأطفال، مما يضعهم في دائرة المحتاجين لتأجير رحم للإنجاب.

وفي المغرب ارتفعت نسبة العُزَّاب، الذين بلغوا الـ55 سنة من أعمارهم، ولم يتزوجوا، فبلغت 6.5 في المئة حسب منشور للمندوبية السامية للتخطيط ــ جهة حكومية ــ صدر في عام 2016. وأن نسبتهم زادت عن العام 2014 بـ1.35 في المئة، وازداد مؤشر العنوسة لدى الفتيات، فبلغ 6.9 في المئة بزيادة قدرها 0.2 في المئة عن العام 2014. والمشكلة ليست في المغرب وحده بل في كل دول العالم تقريبا، مما أخذ بعض العزاب يعلنون عن تعرضهم في دولهم للتمييز والمعاملة غير المتكافئة مع المتزوجين.

وحسب دراسة أجرتها الباحثة الأميركية الدكتورة بيلا ديباولو، نشرتها الجمعية الدولية لتنظيم الأسرة “IPPF” في عام 2017 أكدت فيها “أنَّ حياة العُزَّاب أفضل بكثير من حياة المتزوجين. وأنَّ نظام الأسرة الحالي سيختفي في العقود القادمة”.

وبنت الباحثة دراستها على بحث استمر لعدة سنوات نظمته جامعة كاليفورنيا، التي تعمل فيها. وشمل 320 عازبا وعازبة ومثلهم من المتزوجين.

واستخلصت فيها أن أكثر من 70 في المئة من المتزوجين يشعرون بأنَّ أيامهم متشابهة، وأنَّ متطلبات حاجات الأسرة لا تعطي الفرصة للمتزوج للتفكير في ذاته. فهو يعيش لكيانه الأسري، و20 في المئة من المتزوجين الجدد، الذين لم يرزقوا بأولاد بعد، قالوا إنَّ حياتهم صارت أفضل من حياة العزوبية السابقة في بعض النواحي، كمواعيد العودة المضبوطة إلى البيت، وإنفاق أموالهم في ما هو مجد ومفيد، بينما رأى 10 في المئة أن الحياة الزوجية، وتكوين الأسرة مسؤولية كبيرة لا تطاق، وأنَّهم ندموا على الزواج، فقد كانوا قبل الزواج أفضل حالا وأكثر استقلالية ولديهم قدرة كبيرة على التحضير لمستقبلهم.

بينما أكد 30 في المئة من العزاب سعادتهم بوضعهم الحالي، فهم يعيشون مع المجتمع ويساهمون في معظم فعالياته، وهم أكثر عطاء لمن يحتاج مساعدتهم، بينما رأى 55 في المئة منهم أنَّهم يراقبون المتزوجين عندما يتنزهون مع أسرهم في الحدائق ومدن الألعاب والنوادي، فيرونهم أكثر سعادة منهم.

صورة العائلة تبقى في عيني العازب أملا ووعدا بالسعادة، ومدعاة لقهر العزوبية بالزواج، ولكن الواقع لا يساعده على تحقيق طموحه

وغبط العزاب المتزوجين على سعادتهم الأسرية، وتمنوا أن يكونوا متزوجين، خصوصاً حين يكون بصحبة المتزوجين أطفالهم، ويرونهم يلعبون ويمرحون بحرية تحت مراقبة الأبوين، ولكنهم بعد عودتهم إلى انشغالاتهم اليومية ينسون فكرة الزواج، معللين ذلك بكونهم يريدون العيش أحرارا، ويفعلون ما هو أفضل لمستقبلهم.

بينما رأى 15 في المئة من العُزَّاب أنَّ فكرة الزواج لا تخطر ببالهم في الوقت الحاضر، فهم أفضل حالا هكذا، إما بسبب ظروفهم الاقتصادية وإما بسبب عدم اللقاء بعد بالمرأة المناسبة لهم.

وقالت كوثر العمراني من جمعية تنظيم الأسرة بالدار البيضاء، لـ”العرب” عن أسباب زيادة ظاهرة العزوبية بالمغرب إن “أول الأسباب، التكاليف المادية المرهقة لأهل العروس والعريس، على الرغم من أن المغاربة من أكثر الناس تساهلا في طلب المهور للعروس، ولكن المشكلة في تقاليد الزواج المغربي، التي تتطلب حفلة عرس مكلفة ومصاريف كثيرة على الوليمة والملابس”.

وأضافت العمراني “السبب الثاني متطلبات السكن المستقل للمتزوجين الجدد، والسبب الأخير، عدم توفر الخدمة - فرصة العمل - لكل الفتيات، مما يجعل الرجال يفضلون المرأة الموظفة أو العاملة لتساعدهم في توفير تكاليف الحياة اللائقة للأسرة التي ينوون تكوينها”.

بينما قال الدكتور عبدالكريم عطا باحث نفسي “مشكلة عزوبية الشباب في الوطن العربي تكمن في عدم قدرة الشاب على المواءمة النفسية بين ظروف متطلباته الذاتية ومتطلبات المجتمع في أي عريس جديد. وأولى هذه المتطلبات أن يكون مستقلا عن أسرته الأصلية ماديا ومعنويا”.

وأضاف عطا “الكثير من المتزوجين ينعزلون عن أهلهم وأقاربهم بعد الزواج، وتصير لقاءاتهم بآبائهم وأمهاتهم وإخوانهم قليلة، ولا تتم إلا في المناسبات. وهذا يجعل الشاب العازب يقع في رهاب نفسي وخوف من الزواج، أسميته فوبيا الزواج، فبالرغم من توفر شروط الزواج للعازب إلا أنه يتعلل بأن ظروفه لا تسمح، وأنَّه أكثر سعادة بوضعه الراهن من الكثير من المتزوجين. والمسألة النفسية الأخرى المهمة عدم توفر الأنموذج المطلوب له، وفي العادة يضع العازب في لاوعيه صفات أمه كمقياس للعروس المطلوبة”.

ومن جانبه يرى الباحث الاجتماعي محمد قيمي أن عزوف الشباب عن الزواج يقع في دائرة تراجع دور الأسرة المتضامنة، التي كانت في الخمسينات من القرن الماضي، من حيث اعتماد الابن على الأب في بداية حياته الزوجية بمشاركته السكن بعد الزواج. وكذلك العيش تحت سقف واحد، والأكل من قدر واحد، تحت سلطة الأم حتى يعتمد الزوجان الجديدان على إدارة أمورهما من دون مساعدة أحد.

إضافة إلى ذلك لم تعد للشاب والشابة قناعة بالحياة، التي عاشتها أسرتيهما، فهما من خلال معلوماتهما المستمدة من البث التلفزيوني الفضائي ووسائل التواصل الحديثة، صارا أكثر طموحا بحياة أفضل. وتبقى صورة العائلة في عيني العازب أملا ووعدا بالسعادة، ومدعاة لقهر العزوبية بالزواج، وتكوين عائلة، لنيل سعادة مشابهة لما يراه من نماذج عائلية سعيدة، ولكن الواقع لا يساعده على تحقيق طموحه.

21