هل تغير شيء في المعادلة السورية

الثلاثاء 2015/10/13

من المؤكد أن ما يقارب الخمسين بالمئة من الغارات التي يشنها الطيران الروسي داخل الأراضي السورية تستهدف مقرات أو أهدافا لتنظيم داعش، لكن من المؤكد أيضا أن الخمسين بالمئة المتبقية هي من نصيب المدنيين السوريين. وقد خلّفت الغارات منذ بدايتها العشرات من الضحايا في أغلب المناطق التي طالتها، فاستهدفت من بين ما استهدفت طواقم طبية وأحد المستشفيات الميدانية.

وبالمقابل، فإن نصف ما ألقته طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية منذ قرابة عام تقريبا من حمولات متفجرة على ما قالت إنها أهداف لتنظيم داعش قد سقط فوق رؤوس السوريين في قراهم ومدنهم، كل هذا قد يحدث بسبب طريقة عمل تنظيم داعش الذي ينتقل بسرعة مستعملا أدوات نقل عادية، يمكن أن يستقلها العامة كما أنه يلجأ في الكثير من الأحيان إلى التمركز وسط الأحياء السكنية في المدن التي يحتلها، لحماية نفسه من الغارات المحتملة، أضف إلى ذلك أن القوات الروسية تعتمد أصلا على بنك أهداف حدده نظام دمشق بنفسه، وفق ما أفاد بذلك أكثر من مسؤول سوري.

ولا شك أنه من مصلحة النظام أن تقوم روسيا بتأديب من لم يستطع تأديبهم أو الوصول إليهم، وهي تقوم بذلك على أي حال، على الرغم من تأكيداتها الكثيرة على أنها تمكنت وخلال أيام فقط من الحد من قدرة تنظيم داعش، بل ومن تعطيل قوته وإجبار المئات من إرهابييه على الفرار خارج سوريا، إلا أن هذا لا يمكن أن يفهم إلا على أنه جزء من الحرب الإعلامية التي تحاول موسكو من خلالها لا إخافة داعش فقط، بل الإيحاء لواشنطن بأنها نجحت فيما فشلت هي فيه.

والحقيقة تقول عكس ذلك تماما، فقد تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مناطق حيوية في الشمال السوري، مستفيدا من غطاء جوي كثيف وفّره له الطيران الروسي الذي دك وبضراوة المواقع التي تسيطر عليها كتائب مسلحة تقاتل التنظيم والنظام في آن واحد.

وكانت موسكو قد أكدت مؤخرا أن الوقت الذي تحتاجه لإنجاز عملياتها العسكرية في سوريا لن يتجاوز الأشهر، فيما كانت الإدارة الأميركية قد حددت سنوات قد تصل إلى ثلاث لإنجاز مهمتها على أكمل وجه، بل وذهبت بعض التقارير الأميركية للقول إن الأمر قد يستغرق عشر سنوات للقضاء كليا على تنظيم داعش، والحد من قدرته على تهديد العالم، وما دامت موسكو قد صارت جزءا أساسيا من المشهد، بل وقد تتحول، بعد قليل، لتكون اللاعب الوحيد فيه، بعد أن تناقلت وسائل إعلامية معلومات عن أن الإدارة الأميركية تفكر جديّا بتسليم مهمة تنظيف الفوضى التي خلفتها للقوات الروسية، هذا إن لم يحدث مستجد في غضون الأيام القليلة القادمة ليغير المعادلة سياسيا أو عسكريا، فإن استمرار أعمالها العسكرية بهذه الوتيرة المتصاعدة سيسبب دمارا كبيرا فيما تبقى من سوريا، وعلى وجه الخصوص في مناطق الشمال والوسط.

على الأرض، لم تستطع قوات النظام السوري التقدم وقد منيت بخسائر كبيرة خلال الأيام الأولى لهجومها البري الذي حضّرت له طويلا وتحديدا في منطقة ريف حماة، إلا أنها تواصل محاولاتها مستخدمة كافة الأسلحة الثقيلة المتاحة ولا تتوقف عن قصف المناطق المحررة محدثة دمارا إضافيا في محاولة لاستعادة السيطرة عليها، فيما يمثل نوعا من تحسين شروط التفاوض في حال تقرر، فعلا، الالتئام حول طاولة مفاوضات بحيث تكون المعارضة مجبرة على القبول بالشروط التي كانت رفضتها في أوقات سابقة، ومن أهمها أن يكون الأسد جزءا من مرحلة انتقالية.

ورغم لهجة التفاؤل المتعالية التي بدأت تميّز خطاب النظام وموسكو، إلا أن كليهما يدرك أن الأمر لم يحسم بعد، وهذا لن يحدث قريبا كما تؤكد الوقائع وقد توحد عدد من الفصائل المقاتلة مشكّلة “جيش الشام” الذي يستبعد المغالين من صفوفه، والمقصود بهم على وجه التحديد المتشددين القريبين من القاعدة أو داعش، وأعلن جيش الشام عزمه على مواصلة القتال ضد الطغاة والمغالاة، معتبرا أن وجود روسيا لن يغير في واقع الأمر شيئا.

وبهذا فإن لغة التخويف التي يستخدمها النظام وحلفاؤه والبروباغندا الإعلامية التي رافقت التدخل الروسي لن تلبث أن تخفت، ليجد الدب الروسي نفسه متورطا في مستنقع كان ينبغي عليه التفكير مليا قبل الوصول إليه.

كاتب سوري

8