هل تفرز انتخابات الجزائر رئيسا مستقلا عن الجيش

الرفض للانتخابات الرئاسية يكشف عن فجوة هائلة تفصل بين شباب حريص على الديمقراطية وسلطة تسعى للتجدّد من خلال رموز حكمت في عهد بوتفليقة.
الأربعاء 2019/12/11
رئيس مرفوض قبل انتخابه

تتجه الأنظار الخميس، إلى أول انتخابات رئاسية في الجزائر منذ عزل الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، حيث يجري هذا الاستحقاق وسط انقسام حاد في الشارع الجزائري بين أقلية داعمة وأغلبية محتجة رافضة لما تسميه إعادة هيكلة النظام السابق. وفيما يرى الداعمون للانتخابات أنها حتمية لتجاوز الأزمة المستمرة منذ تفجر الحراك الشعبي يرى المعارضون ضرورة تأجيل الانتخابات محذرين من أن الانتخابات ستكون طريقا ليجدد النظام نفسه.

الجزائر - مع سقوط الرئيس الجزائري السابق، عبدالعزيز بوتفليقة، الذي أجبر في أبريل الماضي على الاستقالة بعد 20 عاما في السلطة تحت ضغط حراك شعبي، وجد الجيش الجزائري نفسه مضطرا للخروج من وراء الكواليس، ليمارس السلطة في العلن.

وطالما فضل كبار القادة في الجيش الجزائري العمل في الظلام، بعيدا عن العيون، إلا أنهم اليوم مضطرون لقيادة الأوركسترا، بعد أن اختاروا لهذه المهمة الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش منذ 15 عاما، ليعطي “التوجيهات” علنا إلى رئيس مؤقت قليل الظهور، عبدالقادر بن صالح، ولحكومة مسؤولة عن تصريف الأعمال.

وكان الجيش قد وجد نفسه في الخطوط الأمامية في مواجهة الحراك الشعبي، واعتقد مخطئا أنه يمكن إخماد الحراك بدفع بوتفليقة إلى الاستقالة، وسجن رموز نظامه، والبحث عن واجهة مدنية يتخفى خلفها، مورثا الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للرئيس المقبل إلى حين إعياء الحراك.

ولن تكون للرئيس المنتخب مستقبلا أيّ سلطة، وسيكتفي باتباع أوامر يتلقاها من رئاسة الأركان، كما كانت الحال دائما.

ومنذ الاستقلال عام 1962، أصبح الجيش الجزائري بمثابة “دولة داخل الدولة”، وأصبح الحكم شأنا عسكريا.

وفي أوائل التسعينات، أجبرت القيادة العسكرية الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، وألغت الانتخابات التشريعية التي كان الإسلاميون على وشك الفوز بها.

وكان الرئيس بوتفليقة قد عين قايد صالح، عام 2004، رئيسا لأركان الجيش، ليصبح أقوى رجل في البلاد. وخلال سنوات كان الداعم الأساسي لرئيس الدولة حتى أنه ساند ترشحه لولاية خامسة.

Thumbnail

ولكن في شهر أبريل الماضي قرر قايد صالح التضحية ببوتفليقة، عبر طلب استقالته لإرضاء الحركة الاحتجاجية غير المسبوقة ضد هذا الترشح، ومنذ رحيل بوتفليقة أصبح الحاكم الفعلي للبلاد.

وأمضى صالح، وهو من مواليد عام 1940، نحو ستة عقود داخل الثكنات، يكاد خلالها لا ينزع بدلته العسكرية.

وكان قد التحق بصفوف جيش التحرير الوطني وعمره 17 سنة، لمقاومة الاحتلال الفرنسي، ويعد من آخر المحاربين القدامى، الذين شاركوا في حرب التحرير.وبعد الاستقلال، في 1962، تابع تدريبا عسكريا في أكاديمية سوفييتية. وبعد أن قاد عدة مهام عسكرية، ترقّى في الرتب إلى أن بلغ رتبة لواء، حيث تم تعيينه رئيسا لأركان القوات البرية في خضم الحرب الأهلية بين الجيش والإسلاميين المسلحين.

وبعد أن أصبح نائبا لوزير الدفاع في 2013، ساعد قايد صالح الرئيس بوتفليقة على تفكيك جهاز الاستخبارات المعروف بأنه “دولة داخل دولة”.

وبإضعاف الاستخبارات وإسقاط عبدالعزيز بوتفليقة وسجن حاشيته ضمن حملة لمكافحة الفساد شجعها قايد صالح، أصبحت قيادة الجيش منذ أبريل 2018، تقود البلاد بمفردها.

وبعد فترة كان فيها قايد صالح محبوبا لدى المحتجين، بفضل دوره في تعجيل رحيل بوتفليقة، أصبح مذموما في التظاهرات، لرفضه إقامة مؤسسات انتقالية يطالب بها الحراك الشعبي، تمهيدا لقطيعة نهائية مع “النظام” وعلى رأسه القيادة العسكرية.

مخاوف في الجزائر من ألا تكون للرئيس المنتخب مستقبلا أي سلطة، وأنه سيكتفي باتباع أوامر رئاسة أركان الجيش

وقايد صالح هو من حدد الجدول الزمني للانتخابات. التي ستجرى الخميس، رغم الرفض الواسع لها من قبل جزء كبير من الشعب، باعتبارها ستسمح باستمرار “النظام” نفسه.

ويتنافس في الانتخابات خمسة مرشحين، ارتبطت أسماء بعضهم بملفات فساد، مثل المرشح عبدالمجيد تبون (مواليد 1945)، وقد تم تداول اسمه في أروقة المحاكم، في قضية “مجمع الخليفة”، وذلك بعد اكتشاف بنك الجزائر تسجيل عجز مالي في حسابات المجمع قدرت بـ400 مليون دولار. وحالت الحماية التي يحظى بها دون توريطه، رغم ظهوره المتكرر مع مالك المجمع.

وشغل تبون منصب الوزير الأول في حكومة الجزائر سنة 2017، حيث عينه الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة خلفا لعبدالمالك سلال. استلم المنصب 80 يوما ليخلفه فيه أحمد أويحيى.

أما وزير الثقافة السابق والمرشح الحالي عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي عزالدين ميهوبي، فمتهم هو الآخر من قبل شخصيات في الوسط الثقافي بملفات فساد وصفت بـ”الفضائح”، التي يريد التغطية عليها بالتقدّم لخوض الاستحقاق الرئاسي.

والميهوبي أديب من مواليد 1959، كان جدّه قاضيا أثناء الثورة التحريرية الجزائرية، ووالده جمال الدين من قدماء المجاهدين.

ومن بين المرشحين رئيسا وزراء سابقان؛ علي بن فليس، الأمين العام لحزب “طلائع الحريات” (مواليد 1944)، وهو رجل قانون تقلد عدة مناصب في الحكومة الجزائرية أهمها، وزارة العدل ورئاسة الحكومة. وعبدالقادر بن قرينة (مواليد 1962)، سياسي ونقابي تقلد عدة مناصب في الحكومة الجزائرية أهمها، وزارة السياحة ومنصب نائب رئيس البرلمان، ويرأس حاليا حركة “البناء الوطني” الإسلامية.

أما أصغر المرشحين فهو عبدالعزيز بلعيد (مواليد 1963)، انضم إلى صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية، وتدرج في سلم المسؤولية ليصبح إطارا وطنيا مسيرا وإطارا دوليا في الكشافة، مثَّل الجزائر في التجمعات الكشفية الدولية. ناضل أثناء دراسته الجامعية، في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة الجزائر، وترأس الاتحاد بين عامي 1986 و2007، حاصل على دكتوراه في الطب وليسانس في الحقوق. وفي عام 1986، انضم إلى حزب “جبهة التحرير الوطنية الجزائرية”، وأصبح أصغر عضو في اللجنة المركزية للحزب وعمره 23 سنة. بعد اختلاف مع توجّهات جبهة التحرير، غادر الحزب ليؤسس في فبراير 2012 حزبا جديدا هو جبهة المستقبل.

عرض مستمر لمعركة البقاء بين شباب ثائر وجيل متشبث بالسلطة
عرض مستمر لمعركة البقاء بين شباب ثائر وجيل متشبث بالسلطة

وستجرى الانتخابات وسط انقسام في الشارع الجزائري بين داعمين لها، يعتبرونها حتمية لتجاوز الأزمة المستمرة منذ تفجر الحراك الشعبي في 22 فبراير الماضي. بينما يرى معارضون ضرورة تأجيل الانتخابات، ويطالبون برحيل بقية رموز نظام بوتفليقة، محذرين من أن الانتخابات ستكون طريقا ليجدد النظام نفسه.

ويرى شباب جزائريون أن ما يفصل بين الشباب، وهم أغلبية السكان في الجزائر، والحكام “ليس فجوة، بل حفرة عميقة”.

ويكشف الرفض للانتخابات الرئاسية عن فجوة هائلة تفصل بين الشباب، المحرّك الأساسي للاحتجاجات والحريص على الديمقراطية والحرية، وبين سلطة تريد أن تتجدّد من خلال الرموز التي حكمت خلال عهد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة البالغ من العمر 82 سنة.

ويتظاهر الجزائريون كل ثلاثاء، منذ تسعة أشهر، للمطالبة برحيل “النظام” الحاكم منذ الاستقلال في عام 1962.

ويطمح شباب الجزائر إلى العيش بحرية أكبر، ويتطلعون إلى أن تُسمع أصواتهم، وتتاح لهم الدراسة في ظروف جيدة، والعثور على منصب عمل دائم وقدرة شرائية مقبولة والتمتع بأوقات ترفيه حقيقية بدلا من التسكع في الشارع.

6