هل تفي بلدان العالم بالتزاماتها تجاه التعليم

يصعب الحكم على أي ظاهرة بالنجاح أو الفشل دون فحص أسبابها البعيدة والتعمّق في آثارها السلبية على المجتمع خصوصا إذا ما ارتبطت بقطاع هام مثل التعليم، فيما يؤكد الخبراء والمختصون أن فرص التعلّم والنهوض بالطلاب يجب أن تكون منظمة وفق استراتيجية موحدة أساسها مراجعة الدول لسياساتها التعليمية والتسريع في عملية الإصلاح للنهوض بمستقبل الأجيال القادمة.
الثلاثاء 2017/10/17
لأجل ابتسامة دائمة

برلين - دفع التراجع الواضح في المستوى التعليمي للملايين من الطلاب والتلاميذ المنظمات العالمية والمهتمين بقطاع التعليم في العالم إلى التساؤل عن المسار الذي تتخذه بعض الدول لحماية المنظومة التعليمية وكيفية تطويرها، فيما يتركز تساؤل الخبراء والمهتمين بالقطاع حول مدى وفاء بعض الحكومات بالتزاماتها تجاه التعليم.

ويذهب الملايين من الأطفال إلى المدارس في مختلف أنحاء العالم أكثر من أي وقت مضى، لكنهم لا يستطيعون القراءة ولا الكتابة ولا إجراء عمليات حسابية بسيطة حتى بعض قضاء عدة سنوات في الدراسة.

ويرى مراقبون ومهتمون بالقطاع التعليمي أن القدرات والمؤهلات التعليمية سواء بالنسبة إلى الطلاب أو الكادر التربوي بصفة عامة في تراجع نتيجة لعدة عوامل واعتبارات لا يمكن فهمها بالنظر إلى عمق المسألة وشدة ترابطها.

وتؤدي أزمة التعلّم هذه إلى اتساع الفجوات الاجتماعية وإلى إخفاق في تحقيق وعد التعليم بتحقيق النمو الاقتصادي.

وكشفت دراسة حديثة أن مهارات الحساب والإملاء والاستماع تدهورت على نحو ملحوظ لدى تلاميذ الصف الرابع الابتدائي بألمانيا خلال الأعوام الخمسة الماضية، مما يطرح إشكالية كبيرة على مستوى التزامات الدول وحتى المتقدمة منها بخصوص مسألة التعليم.

وشملت الدراسة نحو 30 ألف تلميذ وتلميذة في الصف الرابع الابتدائي من كافة الولايات الألمانية الستة عشرة. وتبيّن من خلال الدراسة التي أجراها معهد تطوير كفاءة التعليم “آي كيو بي” وأعلن نتائجها مؤتمر وزراء التعليم في ألمانيا الجمعة الماضي في برلين، أن مهارات القراءة لدى هؤلاء الطلاب ظلت على نفس المستوى الذي تم رصده لدى تلاميذ نفس المرحلة خلال العام 2011.

وقالت سوزانه إيزنمان رئيس مؤتمر وزراء التعليم، إن “التركيبة الطلابية المتنوعة في هذه المرحلة من التحديات الكبيرة التي تواجه الولايات الألمانية في مجال التعليم”. وأضافت “نتائج الدراسة تبيّن أن هناك حاجة ماسة للتصرف على مستوى ألمانيا في تنمية مهارات التلاميذ”.

وتقوم فكرة النجاح أو الإخفاق من منظور مصطلحي على عدة اعتبارات ونقاشات واسعة تخوضها البلدان للنظر في تجاربها خصوصا إذا ما ارتبطت بقطاع حساس مثل التعليم. فالنجاح له مقومات عديدة ليكون حاضرا بكل صوره في العملية التعليمية، لكن الفشل تعمل العديد من الدول على عدم الإقرار به ظنا منها أن المسألة ظرفية ويمكن تجاوزها عبر القيام بإصلاحات من أجل العودة إلى المسلك الصحيح بأسرع ما يمكن.

لكن في المحصلة تبقى المعادلة بين العمليتين جد صعبة وتكاد تكون شبه مستحيلة إذا ما ارتبطت بعناصر يمكن أن تهز القطاع برمته.

بول رومر: الوقائع المتعلقة بالتعليم تكشف أن الالتحاق بالمدارس لا يعني التعلم

ويواجه الملايين من التلاميذ في البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل وخصوصا البلدان العربية التي تمر بحالات حرب مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، احتمال ضياع الفرص بسبب فشل مدارسهم الابتدائية والثانوية في توفير التعليم اللازم لهم.

وحذّر تقرير جديد للبنك الدولي من وجود أزمة تعلم على مستوى العالم وأن الالتحاق بالمدارس دون تعلُّم لا يمثل فقط فرصة إنمائية ضائعة، بل يشكل أيضا ظلما عظيما للأطفال والشباب في مختلف أنحاء العالم.

ويرى التقرير الذي يحمل عنوان “التنمية في العالم 2018: التعلُّم لتحقيق الدور المُنتظر من التعليم” أنه دون تعلُّم سيفشل التعليم في الوفاء بالوعد المنتظر منه بإنهاء الفقر المدقع وخلق الفرص وتحقيق الرخاء للجميع.

وتؤدي أزمة التعلُّم إلى اتساع الفجوات الاجتماعية بدلا من تضييقها، إذ يصل التلاميذ المحرومون بالفعل بسبب أوضاع الفقر أو الصراع أو الإعاقة إلى مرحلة البلوغ دون اكتساب حتى أبسط المهارات الحياتية.

وعلى الرغم من أن هذه الفجوات البالغة في التعلُّم ليست قائمة في جميع البلدان النامية، فإن العديد منها تتخلف كثيرا عن تحقيق ما تطمح إليه.

وتظهر التقييمات الدولية الرائدة بشأن مهارات القراءة والكتابة والحساب أن أداء التلميذ المتوسط في البلدان الفقيرة أسوأ من أداء 95 بالمئة من التلاميذ في البلدان مرتفعة الدخل، مما يعني أن هذا الطالب سيحظى باهتمام خاص في فصله الدراسي بتلك البلدان للاهتمام برفع مستواه.

ويقف تقرير البنك الدولي، الذي أعده فريق يقوده ديون فيلمر وهالسي روجرز، عند أوجه القصور التي تظهر في العملية التعليمية، ويؤكد أن ذلك لا يشمل طرق انهيار التدريس والتعلم في الكثير من المدارس فحسب بل أيضا القوى السياسية الأكثر عمقا التي تتسبب في استمرار هذه المشكلات.

ويرى بول رومر رئيس الخبراء الاقتصاديين بالبنك الدولي، أن الطريقة الوحيدة لتحقيق التقدم هي استخلاص الحقيقة من الوقائع. وقال “إذا سمحنا بذلك فإن الوقائع المتعلقة بالتعليم تكشف عن حقيقة مؤلمة، ففي ما يتعلق بعدد كبير للغاية من الأطفال فإن الالتحاق بالمدارس لا يعني التعلم”.

ويناقش العديد من الخبراء والمختصين في المجال التربوي التدابير الملموسة التي يمكن للبلدان اتخاذها لحشد كافة الأطراف المعنية بعملية التعلم وجعل المدارس تعمل لصالح جميع الأطفال.

واستنادا إلى أدلة ونصائح تم جمعها خلال مشاورات جرت مع الحكومات والمنظمات المعنية بالتطوير والبحث ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في 20 بلدا، وصل الخبراء والمختصون إلى ثلاث نصائح هامة يمكن الاستناد إليها للنهوض بقطاع التعليم:

◄ أولا: أن نصف البلدان النامية فقط لديها مقاييس لقياس مستوى التعلم في نهاية المرحلتين الابتدائية والإعدادية. ومن خلال وضع تقييمات للطلاب جيدة التصميم يمكن مساعدة المعلمين على توجيه الطلاب وتحسين إدارة النظام وتركيز اهتمام المجتمع على التعلُّم.

◄ ثانيا: إتاحة تكافؤ الفرص بالحد من الإصابة بالتقزم وتعزيز نمو المخ من خلال التغذية والتحفيز في سن مبكرة لكي يبدأ الأطفال الدراسة وهم مستعدون للتعلم. واجتذاب الأشخاص البارعين للعمل بالتدريس ومواصلة تحفيزهم من خلال التدريب المصمم خصيصا للمعلمين مع الاستعانة بموجهين. واستخدام وسائل تكنولوجية تساعد المعلمين على التدريس بطريقة تناسب مستوى الطالب، وتقوية الإدارة المدرسية بما في ذلك المديرون.

◄ ثالثا: استخدام المعلومات والمقاييس لتعبئة المواطنين وزيادة المساءلة وخلق إرادة سياسية لإصلاح التعليم. وإشراك أصحاب المصلحة المباشرة بما فيهم مجتمع الأعمال في جميع مراحل إصلاح التعليم بدءا من التصميم وصولا إلى مرحلة تنفيذ الخطط.

17