هل تقتنع الروبوتات بالعمل مع البشر

تسارع شركات كبرى إلى الاستثمار في دمج الروبوتات في التصنيع والعملية الإنتاجية بشكل عام، لقدرة هذه الروبوتات على القيام بعمليات معقدة بشكل يفوق قدرة البشر، ولانخفاض تكلفة الاستعانة بالروبوتات، لكن هذه النظرة البرغماتية تنحي مصير الملايين من العمال جانبا، من دون إيجاد بدائل مقنعة تحول دون استئثار الروبوتات برسم شكل الاقتصاد العالمي خلال هذا القرن.
الأربعاء 2017/11/22
ليس أمام البشر مسارات أخرى

لندن – تنتشر أعداد الروبوتات الآن بشكل متزايد في جميع المصانع والمستودعات على مستوى العالم تزامنا مع تسارع وتيرة الأتمتة التي كانت محور تحول في الكثير من الصناعات.

يحدث هذا الآن ليس فقط في الدول المتقدمة ولكن أيضا في الاقتصادات الناشئة. ووفقا لنتائج البحث الذي نشره الاتحاد الدولي لأجهزة الروبوت “آي إف آر”، سجلت المبيعات الدولية من الروبوتات الصناعية تزايدا ملحوظا لتصل إلى نسبة 18 بالمئة بحوالي 13 مليار دولار في عام 2016.

وتزامن تطور استخدامات الروبوتات مع ارتفاع أسعار أسهم بعض أكبر الشركات المصنعة في هذا القطاع، بما في ذلك مجموعات الشركات اليابانية “فانوك” و”ياسكاوا”، والمجموعة الهندسية السويسرية “آيه بي بي”، ومجموعة شركات “كوكا” الألمانية.

فقد تضاعف عدد الأسهم لمجموعة شركات “ياسكاوا” أكثر من الضعف هذا العام، كما هو الحال بالنسبة لمجموعة شركات “كوكا”. وقد اكتسب سهم مجموعة شركات “فانوك” زيادة بنسبة 40 بالمئة لترتفع أسهم الشركة بنحو السدس مقارنة بمجموعة شركات “آيه بي بي” السويسرية، التي تعمل أيضا بمجال معدات الطاقة والتشغيل الآلي والمعدات الكهربائية.

الروبوتات والبشر

تستفيد هذه المؤسسات من الطلب المتزايد على الآلات المتطورة التي لم تعد تعمل فقط على لحام أجسام السيارات ورفع الأحمال الثقيلة، ولكنها تقوم أيضا بمهام أخرى أكثر تعقيدا بداية من إنتاج المكونات الإلكترونية وحتى وضع الشوكولاتة في الصناديق.

وظهر مؤخرا اتجاه آخر عمل على زيادة مجالات وأنواع الروبوتات، بداية من الروبوتات التي صممت خصيصا لتعمل كأجزاء ميكانيكية مرنة، وحتى الروبوتات الذكية التي يمكن أن تعمل جنبا إلى جنب مع العنصر البشري. وكنتيجة لذلك تم تصميم الروبوتات “المتعاونة”، أو ما يعرف باسم “الكوبوتس″، خصيصا للتفاعل مع العنصر البشري.

ويقول بير فيغارد نيرسيث، رئيس قسم الروبوتات في شركة “آيه بي بي”، “لقد شهد سوق الروبوتات نموا قويا خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية، وأعتقد أنه سيستمر في النمو خلال السنوات الثلاث المقبلة”.

وكنتيجة لهذا الانتشار، أُثير النقاش حول كيفية استبدال العنصر البشري بالروبوت في وظائف بعينها. وحذرت بعض الشخصيات البارزة في مجال الأعمال من أن المزيد من الآلات ستستحوذ على الوظائف البشرية.

بير فيغارد نيرسيث: التحول من إنتاج أصناف محدودة من السلع بكميات كبيرة، إلى عمل أصناف أكثر من المنتجات بكميات أقل، ساهم في صعود الروبوتات

ويقول جون كريان، الرئيس التنفيذي لـ”دويتشه بنك” في سبتمبر، إن الموظفين يواجهون الآن مشكلة استبدالهم بالروبوتات، مضيفا أن عددا كبيرا من الموظفين سيفقدون وظائفهم نتيجة للتغيرات والاتجاه نحو التكنولوجيا. وأكد موشيه فاردي، الأستاذ في جامعة رايس في تكساس، “بشكل عام، يتعلق هذا الأمر بعملية توازن التكلفة، حيث إذا كانت التكلفة الحدية لساعة عمل روبوت صناعي أقل من تكلفة ساعة العامل البشري في الوقت الذي يتمتع فيه الروبوت بالقدرة الكاملة على إنجاز المهمات البشرية، إذن فمن المنطقي من الناحية الاقتصادية اتجاه أصحاب الأعمال نحو الأتمتة”.

وساهمت مؤسسة “مك كينسي” بأبحاثها في دراسة مخاوف فقدان الوظائف، ووجدت أن حوالي 30 بالمئة من المهام في 60 بالمئة من الوظائف يمكن تأديتها بشكل آلي.

ويؤكد نيرسيث أنه بدلا من القضاء على فرص العمل، فإنه يمكن استغلال هذا التقدم التكنولوجي في معالجة مشكلة نقص العمالة اليدوية الماهرة، إذ يمكن للروبوتات أن تقوم بالمهام “المملة، والخطيرة والحساسة” التي لا يريد الناس ببساطة القيام بها.

ويقول نيرسيث “اليوم، تقف عدم القدرة على العثور على ما يكفي من العمالة للقيام بمثل هذه الوظائف كتحد رئيسي أمام الكثير من الشركات. وفي هذا السياق، تشكل الروبوتات فرصا مهمة تستطيع الشركات من خلالها خلق فرص عمل جديدة. من الصعب جدا على الموظفين تقبل فكرة استبدالهم بالروبوتات، ولكن يمكننا القول بأن الروبوتات يمكنها إفادة الشركات لتصبح أكثر قدرة على المنافسة والكفاءة”.

وأكد أيضا أن الدول ذات معدلات البطالة الأقل تميل إلى أن تحظى بأعلى كمية من مبيعات الروبوتات. ومن ناحية الأخرى، تظهر هناك دول مستعدة تماما لتبني الفكرة. ففي الصين، رغم كونها أكبر سوق للروبوتات، إلا أن حصتها من الروبوتات أقل من متوسط الكثافة العالمية، إذ أن بين كل 10 آلاف عامل لا يتجاوز عدد الروبوتات 68 روبوتا.

ويقول خبراء الصناعة إنه وبغض النظر عن مخاوف فقدان الوظائف، تفرض الروبوتات وجودها في ثورة الأتمتة التي تقودها الرغبة في زيادة الكفاءة والسرعة في القيام بالعمليات الصناعية. وبطبيعة تكوينها المعقد، يمكن للروبوتات أن تقوم ببعض الوظائف الحيوية لأنها يمكنها التعامل مع تعقيدات عملية التصنيع بطرق لا يمكن للبشر محاكاتها. كما تقوم الروبوتات أيضا بتحسين جودة إنتاج السلع تزامنا مع عصر يشهد ارتفاعا في معايير الإنتاج.

ولكن ثمة دافع آخر وراء تبني فكرة انتشار الروبوتات، وهو انخفاض تكلفة أنظمتها. وفي الوقت نفسه، فإن الاكتشافات في مجال تكنولوجيا الروبوتات تتضافر مع مستوى الاتصال الإلكتروني الآخذ في التطور بين المعدات وأجهزة الكمبيوتر في المصانع، في ما يعرف أيضا باسم “الإنترنت الصناعي للأشياء”.

آفاق إنتاجية واسعة

وذكر بير فيغارد نيرسيث أن “هناك عاملا آخر كذلك ساعد في نمو مجال الروبوتات بشكل متسارع وهو التحول الذي حدث في بعض الصناعات من إنتاج تشكيلات محدودة من السلع بكميات كبيرة، إلى عمل تشكيلات أكبر من المنتجات بكميات أقل”.

وقال “نحن المستهلكين من نحدد سير هذه العمليات، حيث أننا نريد المزيد من الإمكانيات التي تتماشى مع أذواقنا واحتياجاتنا، وهنا يأتي الدور الأكثر مرونة للصناعات”.

وذكر نيرسيث مثالا لعجلات السيارات التي تصنع حوافها الآن بألوان مختلفة بناء على رغبة المستهلك. فعلى الرغم من أن قطاع السيارات هو الأكبر من حيث استخدام الروبوتات في عمليات التصنيع واللحام والرسم منذ الثمانينات، إلا أن مجال الإلكترونيات والكهرباء، الأكثر انتشارا في قارة آسيا، هو المحرك الرئيسي الذي يساعد على تسارع وتيرة إنتاج الروبوتات في الوقت الحالي.

ربما ستتفوق على صانعها

ووفقا للاتحاد الدولي لأجهزة الروبوت، فإن ازدياد الحاجة إلى البطاريات، والرقائق وأجهزة العرض كان من ضمن أسباب هذا التطور. وتدخل الروبوتات في مجالات أخرى، مثل المستودعات اللوجستية، والكيماويات ومصانع البلاستيك وصناعات الأغذية والمشروبات.

وفي المجمل تم بيع ما يقرب من 300 ألف وحدة في جميع أنحاء العالم في العام الماضي، وفقا لما ذكره الاتحاد الدولي لأجهزة الروبوت. وذهبت ثلاثة أرباع المبيعات فقط لخمس دول هي الصين وكوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة وألمانيا. وذهبت ثلاثة من كل عشرة الى الصين وحدها.

أما بريطانيا فقد كانت أكبر مشتر للروبوتات الصناعية منذ عام 2013، وارتفعت مشترياتها بنسبة 27 بالمئة في العام الماضي. وازدادت الاستثمارات في العديد من الدول النامية، مثل تايوان وتايلاند والهند والمكسيك، وكذلك في إيطاليا وفرنسا. وعلى الرغم من التطوير والعمل على تحسين قدرة الروبوتات من حيث الهيدروليكية والحركة، لكن يجب الاعتراف بأن أهم التطورات ربما حدثت في أنظمة أجهزة الاستشعار والبرمجيات التي تزيد من حساسية ومرونة ودقة أجهزة الروبوت.

ويقول جوناثان كوهين، مدير صندوق الاستثمار بمؤسسة “روبوكاب”، إن “التطور البرمجي للروبوتات أصبح أكثر أهمية الآن وهو العامل الذي يميز بشكل رئيسي بين مختلف مصنعي الروبوتات”. وبحسب تقديرات الاتحاد الدولي لأجهزة الروبوت، تقدر القيمة الإجمالية لسوق أنظمة الروبوتات بنحو 40 مليار دولار، بما في ذلك تكلفة البرمجيات والأطراف الصناعية وهندسة النظم.

ومن ضمن التطورات الهامة أيضا في هذا المجال، هو تطوير نظم التعرف بالرؤية. فبالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي والكاميرات، يسمح هذا التطور للروبوت بتحديد الأشياء والتعلم من الخبرة لتحسين الأداء، مما يتيح توافر مجموعة واسعة من التطبيقات. وتزامنا مع ذلك، يقوم المصنعون أيضا بتطوير تصاميم المقابض في محاولة لتعزيز استجابة الروبوت للأشياء من حوله.

ويعطي توم بوشير، المدير الإداري لشركة فانوك في المملكة المتحدة، مثالا في مجال صناعة الحلويات التي تستخدم الروبوتات لاختيار ووضع قطع الحلوى والشوكولاتة في الصناديق. ورغم التطور السريع في مجال الروبوتات وتحمس المستثمرين، إلا أن الخبراء لا يتوقعون إمكانية استحواذ الآلات على الوظائف لأن الروبوتات لا تزال مقيدة عندما يتعلق الأمر بالبراعة والقدرة على الحكم على الأشياء والارتجال.

ويقول دانيال كويبر، من مجموعة بوسطن الاستشارية “التحدي الأكبر هو المرونة التي يمكن أن يتمتع بها الروبوت”. يعطي كويبر مثالا لصندوق مسامير فارغ فشل الروبوت في إعادة ملئه من جديد. وأضاف “سيحتاج الروبوت الآن إلى أن يكتشف أولا أن الصندوق فارغ حتى يستطيع إعادة ملئه، في حين أن العنصر البشري سيتعرف على ذلك بسرعة وسيلتقط صندوقا جديدا ويعيد ملأه من جديد”.

12