هل تقلب مبادرة اتحاد الشغل موازين القوى في تونس

اتحاد الشغل سيلعب عبر دعوته إلى مؤتمر إنقاذ ينجم عنه حوار وطني موسع دور الوساطة بين جميع الأطراف لتقريب وجهات النظر وتهدئة الأجواء السياسية المتشنجة.
الثلاثاء 2020/11/24
استعادة دور الوسيط

يستعد الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية في البلاد، للإعلان خلال الأيام المقبلة عن مبادرة مؤتمر إنقاذ وطني قد يقلب موازين القوى في تونس ويجعل مركز القرار ينتقل من الأحزاب والبرلمان إلى المنظمات الوازنة على غرار اتحاد الشغل وهو ما تخشاه الأحزاب الحاكمة.

تونس- يترقب الشارع التونسي إعلان الاتحاد العام للشغل، المركزية النقابية ذات النفوذ الواسع في البلاد، خلال الأيام المقبلة عن مبادرة وطنية لإنقاذ البلاد من الأزمات السياسية والاقتصادية الصعبة التي ترزح تحت وطأتها، وسط تساؤلات عن حظوظ هذه المبادرة وأفقها السياسي، وما هي الأطراف السياسية التي تقف وراءها، وما إذا كانت مبادرة مستقلة أم تتحرك بدعم من رئيس الجمهورية قيس سعيد وبتنسيق مع أحزاب بعينها مثل (حزب حركة الشعب القومي والتيار الديمقراطي)؟

وسيقدم اتحاد الشغل عبر مبادرة يعمل على إعدادها فريق من الخبراء والمختصين، تشخيصا لحقيقة الأوضاع الاقتصادية والسياسية في تونس ومقترحات للخروج من الأزمة، وسيلعب عبر دعوته إلى مؤتمر إنقاذ ينجم عنه حوار وطني موسع دور الوساطة بين جميع الأطراف لتقريب وجهات النظر وتهدئة الأجواء السياسية المتشنجة بهدف إعادة الاستقرار والخروج برؤية مشتركة.

ويُجمع المتابعون على حاجة البلاد إلى حوار وطني يعيد ترتيب الأولويات وسط مخاوف من احتقان اجتماعي مرده التنديد بتردي الأوضاع الاقتصادية، فيما تكتفي حكومة هشام المشيشي بسياسة المماطلة والوعود.

محسن مرزوق: مبادرة التيار والشعب ليست لحل أزمة تونس بل لحل أزمتهما
محسن مرزوق: مبادرة التيار والشعب ليست لحل أزمة تونس بل لحل أزمتهما 

وكان الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي قد عرض على الرئيس قيس سعيد الجمعة الماضي المبادرة التي تتضمن توجهات اقتصادية واجتماعية وسياسية. وبيّن الطبوبي في تصريحات لوسائل إعلام محلية “أنه سيتم التعمق في تفاصيل هذه المبادرة قبل تقديمها إلى الرئيس مرة أخرى الأسبوع المقبل.”

وتباينت آراء الأحزاب بشأن هذه المبادرة بين مرحب مثل حزب مشروع تونس وواضع لخطوط حمراء، وهو الحزب الدستوري الحرّ الذي أبدى رفضه للجلوس على طاولة واحدة مع من “أوصلوا تونس إلى هذه النقطة”، حسب تعبير القيادية في الحزب سميرة السايحي.

ويعتقد متابعون أن تردد الأحزاب بشأن الاصطفاف خلف المبادرة من عدمه يأتي بسبب توجسها من أن يقلب مؤتمر الإنقاذ موازين القوى لصالح أطراف جديدة وهي المنظمات الوطنية الوازنة مثل اتحاد الشغل.

وأعربت حركة مشروع تونس في بيان الجمعة عن دعمها “لمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل للحوار الوطني، على أساس أنها تربط الملفات الاقتصادية الحارقة بالأزمة السياسية المسببّة لها”.

وذكرت الحركة أن “إعلان الاتحاد عزمه تقديم مبادرة للحوار الوطني لها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، وهي مبادرة تتقاطع مع دعوة سابقة لحركة مشروع تونس وعدد من الأطراف الحزبية والمدنية”، مشيرة إلى أن “إحدى الأفكار الأساسية لمبادرتها بمؤتمر إنقاذ وطني هي أن يدعو رئيس البلاد إلى المؤتمر بينما تدير أعماله المنظمات الوطنية اعتبارا لحيادها المطلوب في ظل الصراعات والانقسام”.

وفيما شكك البعض من المتابعين في استقلالية مبادرة الاتحاد التي تخدم مصلحة أحزاب بعينها، وهما التيار الديمقراطي وحركة الشعب، والتي برأيهم ستمهد لعودتهما إلى الحكم، تؤكد أطراف سياسية أن المبادرة تأتي استجابة لدعوات حزبية سابقة راهنت على ثقل الاتحاد وحياده في معالجة الأوضاع.

وأوضح محسن مرزوق رئيس حركة مشروع تونس أنه “سبق لحركة مشروع تونس أن طالبت بمؤتمر للإنقاذ، يدعو إليه رئيس البلاد باعتباره دستوريا خارج الصراعات، ويمثل كل التونسيين”.

وبالفعل، كانت حركة مشروع تونس أول حزب يدعو إلى حوار وطني وذلك في مايو الماضي ثم توسعت دائرة الدعوات لتشمل أحزابا أخرى.

ولفت مرزوق في تصريح لـ”العرب” إلى أن ”ما أضافته الحركة إلى دعوتها السابقة هو أن يدعو الرئيس إلى المؤتمر، لكن تديره المنظمات الوطنية مثل اتحاد الشغل لما يتمتع به من حياد”.

عبدالحميد الجلاصي: المشكلة اليوم تتعلق أساسا بالجهة أو المظلة الراعية للحوار الوطني
عبدالحميد الجلاصي: المشكلة اليوم تتعلق أساسا بالجهة أو المظلة الراعية للحوار الوطني

ورأى مرزوق أن الاتحاد اختار المضيّ في هذا التوجه بعد تكرار الأصوات الداعية إلى حوار وطني، مستبعدا أن يكون المؤتمر متسقا مع رؤية أحزاب مثل التيار والشعب. وعلى العكس يرى أن توجهات المؤتمر تتشابه أكثر مع رؤية حركة مشروع تونس. وقال “التيار والشعب مبادرتهما ليست لحل أزمة البلاد بل لحل أزمتهما السياسية”.

وحسب مرزوق، فإن اتحاد الشغل يؤكد بهذه المبادرة على نقطة مهمة جدا وهي دور المنظمات الوطنية، بعد أن دخل رئيس البلاد على خط الصراعات بسبب التنافس على الصلاحيات بين الرئاسة والبرلمان.

ويتابع “المنظمات هي أفضل من يقود الحوار”، مستحضرا نجاح المؤتمر الوطني في العام 2013 الذي لعبت فيه المنظمات دور الوساطة في الخروج من الأزمة السياسية العاصفة حينها.

ومع ذلك تبدو حظوظ نجاح الحوار الوطني المرتقب ضعيفة مع استمرار التجاذبات الحزبية.

ويقول مرزوق “مبادرة اتحاد الشغل لديها حظوظ للنجاح لكنها تصطدم بخصوم أيضا”، وفسر ذلك بقوله “هناك خصوم غير مباشرين قد يعملون على إفشال الحوار”.

ويرى أن من مصلحة بعض الأحزاب مثل النهضة وحزب الدستوري الحر أن تبقى إدارة أوضاع البلاد في البرلمان، فهي “ساحة لعبها الرئيسية”. وتابع “ليس من مصلحة الأحزاب أن ينتقل موقع القرار من البرلمان إلى مؤتمر إنقاذ وطني ودخول أطراف جديدة من شأنها أن تقلب موازين القوى”، لافتا إلى أن “المؤتمر لن يتعرض فقط للمسألة الاقتصادية بل إلى المسألة السياسية والنظام الانتخابي الذي تحكم من خلاله النهضة”.

وبالرغم من ذلك فإن مرزوق لا يستبعد أن تغيّر النهضة رأيها بسبب ما تعانيه من أزمة داخلية، حيث تريد العودة إلى المشهد من باب التوافقات الوطنية. ويخلص محسن مرزوق إلى القول إنه “لا إمكانية للحل إلا بمسار استثنائي وقتي من خلال تنظيم مؤتمر إنقاذ وطني”.

وإضافة إلى المطبّات التي قد يشهدها مسار تشكيل مؤتمر إنقاذ وطني يرعاه اتحاد الشغل، يتساءل متابعون عن الأولوية في الحلول التي سيطرحها ومدى قدرته على تغيير الأوضاع إلى الأفضل، وما هي الجهات التي ستقف وراءه؟

ويشير السياسي التونسي عبدالحميد الجلاصي لـ”العرب” إلى أن “الحاجة إلى الحوار ثابتة (..) لكن الإشكال اليوم يتعلق أساسا بالمظلة أو الجهة الراعية، ثم في المضمون وترتيب الأولويات”. ويتابع “لا أرى سوى جهتين لهما الشرعية للدعوة والإشراف على هذا الحوار،  فالأولية لرئيس البلاد بفعل موقعه ورمزيته وشرعيته وصلاحياته، فإن تعذر ذلك فعلى رئيس الحكومة أن يرعاه”.

ويختم الجلاصي بالقول “بقية الأطراف الحزبية والاجتماعية من حقها أن تقترح وأن تقدم التصورات ولكنها كلها طرف في التدافعات الحاصلة”.

تبدو حظوظ نجاح الحوار الوطني المرتقب ضعيفة مع استمرار التجاذبات الحزبية

وتشهد الدعوات إلى عقد حوار وطني زخما وسط مخاوف من تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية مع تصاعد الاحتجاجات في عدد من الولايات (المحافظات) المطالبة بالتنمية والتشغيل.

ويعتقد الناشط الحقوقي والمحلل السياسي مصطفى عبدالكبير في تصريح لـ”العرب”، أن “اتحاد الشغل يريد تعديل الأوتار حسب رأي القائمين عليه ويريد استباق حدوث الكارثة”.

واستبعد عبدالكبير وجود تنسيق كبير بين الاتحاد والرئيس قيس سعيد، وبرأيه فإن “الرئيس يريد استمرار توريط الأطراف الحاكمة ولا يريد إنقاذها كما أن الاتحاد تدفعه أطراف خارج دائرة الحكم وأطراف شغيلة، تطالبه بوضع حد لما يحدث بدعوى الحفاظ على ما بقي من الدولة”.

4