هل تقلص الحكومة من الخطوط الحمراء للإعلام المصري ليقوم بمهامه

القنوات المصرية مطالبة بخطاب عقلاني بعد تقويض إعلام الإخوان.
الخميس 2021/04/15
الجمهور يبحث عن المعلومة في إعلام بلاده

تواجه القنوات الفضائية المصرية تحدي تأكيد جدارتها والارتقاء بمستوى الخطاب وتناول المحتوى السياسي بطريقة عقلانية لاستعادة الجمهور، حيث باتت الساحة أمامها شبه فارغة بعد تقويض السلطات التركية لقنوات جماعة الإخوان التي كانت تتولى التحريض على مصر والانتقاص من الإنجازات الحكومية والتشكيك في جدواها السياسية.

القاهرة - تواكب القنوات الفضائية المصرية التطورات المتسارعة في ملف سد النهضة الإثيوبي من خلال تكثيف البرامج السياسية، وتقوم بمهمة توصيل رسائل للشارع حول رؤى وتوجهات الحكومة في هذا الملف أو غيره وباتجاهات مختلفة، لاسيما وأنها أصبحت محط الأنظار بعد تهميش قنوات الإخوان في تركيا وتلقيها أوامر بالابتعاد عن السياسة.

ويدرك الجمهور المصري أن نسبة كبيرة من المؤسسات الإعلامية صارت ملكية حكومية، وهي ميزة يمكن الاستفادة منها وقت الأزمات السياسية، لأن ما يصدر عن هذه المنابر ولو كان رأيا وتحليلا هو في النهاية أقرب إلى وجهة نظر الدولة، ولا تستطيع الإفصاح عنها مباشرة، ومن المهم أن تتحلى بمصداقية عالية للاستفادة من فراغ تركه الانصراف العام عن إعلام الإخوان.

وأخذت الحكومة تستثمر في سيطرتها على الإعلام بشكل سياسي أكثر من أي وقت مضى، وهناك برامج تقوم بمهمة توصيل رسائل شبه رسمية إلى الرأي العام الداخلي والخارجي، بطريقة هادئة ومقنعة بعيدا عن الصراخ والمبالغة.

وتأتي هذه الرؤية من أن الجمهور في مصر أصبح شغوفا بمعرفة الحقائق وما يدور خلف الكواليس حول القضايا القومية، وأمام تمسك الحكومة بالمسار السياسي والدبلوماسي حتى اللحظة الأخيرة في ملف سد النهضة صار الإعلام البديل الأكثر ترجيحا ليحصل منه الناس على ما هو أبعد من الصياغات الدبلوماسية.

صفوت العالم: تقارب الجمهور والإعلام في الأوقات الحرجة لا يعني أن العلاقة جيدة
صفوت العالم: تقارب الجمهور والإعلام في الأوقات الحرجة لا يعني أن العلاقة جيدة

ولفت صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، في تصريح لـ”العرب” إلى أن هناك ارتفاعا ملحوظا في معدل الرسائل السياسية التي يقدمها الإعلام للجمهور نيابة عن الحكومة، ما أوجد مساحة معقولة من الثقة في المنابر المحلية، خاصة أن التحديات التي تواجه الدولة وطنية بالأساس، وتحتاج إلى إنارة الرأي العام أولا بأول.

ويصعب فصل الرسائل السياسية للإعلام عن اقتناع بعض دوائر صنع القرار بأن مخاطبة الجمهور بمعلومات وتحليلات وتسريب جزء مما يدور وراء الكواليس بشأن الأزمة يصبان في صالح الدولة دون أن تظهر في الصورة مباشرة.

ولذلك ترصد جهات إثيوبية كثيرة ما يبثه ويكتبه الإعلام المصري وتتولى مواقع إلكترونية تابعة لأديس أبابا أو داعمة لها مهمة الرد عليها ومحاولة تفنيدها على الفور، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الإعلام المصري في تحري الدقة والعمق.

ويقول خبراء إعلام إن الرسائل السياسية فرصة ثمينة لجذب الجمهور، لأن الفترة الحالية حرجة ومن الخطر اتساع الهوة وغياب الثقة بين الطرفين (المنابر والشارع)، ويحتاج ترميم هذه العلاقة إلى ميزة استثنائية يقدمها الإعلام عند تغطية الأزمة.

وتمهد الرسائل التي يتولى الإعلام توصيلها حول القضايا المصيرية الطريق لإزالة الخطوط الحمراء التي وضعت أمامه عند الحديث عن هذه الموضوعات، وإلزامها ببث البيانات الرسمية فقط، كما جرى من قبل ومنع مجلس تنظيم الإعلام الإشارة إلى سد النهضة إلا بتصريحات المسؤولين عن الملف.

وقد يجد المشاهد مذيعا مقربا من السلطة يتحدث عكس الاتجاه ويتناول مخاطر التدخل العسكري في سد النهضة وعدم مجازفة مصر بذلك، رغم أن القيادة السياسية ألمحت لخيار الحرب، فيما بدا أن هناك مراجعات للفكرة برمتها، أو فرملة اندفاعات المواطنين الذين انجرفوا نحو دعم الحلول العسكرية.

وفي فضائية أخرى يتحدث أحد الضيوف المعروف عنهم القرب من الحكومة بكل أريحية عن سيناريوهات محتملة للأزمة إذا فشلت المسارات الدبلوماسية، بما يعني تأكيد رسالة الدولة بأن كل الخيارات مفتوحة، ما يصيب إعلام الخصم بالحيرة.

Thumbnail

ويعد اتجاه الجمهور إلى الإعلام التقليدي وقت الأزمات لمعرفة وجهات نظر السلطة والاقتراب من خططها ورؤيتها فرصة لاستعادة الثقة المفقودة، يجب استثمارها والبناء عليها لاستعادة المكانة التي احتلتها منصات التواصل الاجتماعي.

ويعزز شغف شريحة كبيرة من الجمهور بمعرفة مستجدات قضايا حيوية فكرة إعادة الاعتبار للإعلام التقليدي واحتلال مكانة متقدمة عند الناس، وهي مهمة ليست صعبة، وكل ما في الأمر أن المنابر الموجودة على الساحة لا تغرد بعيدا، ولا تسعى حثيثا لإطلاع الشارع على المستجدات والقراءة التحليلية بموضوعية ما يفقدها الجمهور.

وقال حسن علي، أستاذ الإعلام بجامعة السويس، إن “تقديم المعلومة وقت الأزمة التي تشغل اهتمام الرأي العام كفيل باستعادة نسبة كبيرة من ثقة الناس في الإعلام، وتقوم شريحة من المنابر بما هو أكبر من دور الوسيط بين الحكومة والمجتمع، والعكس”.

وأضاف لـ”العرب” أن “الإعلام الرسمي يمكنه الوصول إلى مكانة استثنائية عند المتلقي للرسائل، شريطة مده بالمعلومات في الوقت المناسب وليس الحشد، قبل أن يضطر إلى البحث عن منابر بديلة، وتظل العبرة في طريقة تقديم الرسالة الإعلامية وقت الأزمة”.

حسن علي: تقديم المعلومة وقت الأزمة التي تشغل الرأي العام كفيل باستعادة نسبة كبيرة من ثقة الناس في الإعلام
حسن علي: تقديم المعلومة وقت الأزمة التي تشغل الرأي العام كفيل باستعادة نسبة كبيرة من ثقة الناس في الإعلام

وإذا كان الاعتماد الأكبر من الإعلام على الرسائل السياسية لاستعادة الجماهيرية فإن غياب رصانة ومهارة واحترافية بعض المذيعين يحول دون إقناع المتلقي بالرسالة التي يتم التسويق لها، والخطر هو أن يتحول الأمر إلى محاضرة إعلامية للتوجيه المعنوي على الهواء.

ويعتقد متابعون أن المواطن مهما امتعض من هيمنة الحكومة على الإعلام لا يستطيع الاستغناء عن المنابر الرسمية في الظروف الحرجة، فهي الوحيدة القادرة على توصيل الصوت الرسمي، لأن المصداقية الإعلامية يصعب أن تتحقق دون مساندة السلطة.

وخلال الأزمات والتحديات الصعبة لا يملك الناس سوى الثقة في توجهات الحكومة والتعامل مع رسائلها الإعلامية كحقائق لحين عبور المرحلة الحرجة، لكن العبرة بمدى تدفق المعلومات لتعزيز الشفافية والتصدي للشائعات قبل انتشارها.

وترى بعض الأصوات المؤيدة للتناغم الإعلامي الجماهيري في الأوقات الحرجة أنه يصعب البناء على الحالة الراهنة للخروج بنتيجة مستقبلية مفادها أن الأمور بين الطرفين ستكون خالية من المنغصات، لأن التقارب الحالي محدد المدة.

وأوضح صفوت العالم لـ”العرب” أن “تقارب الجمهور والإعلام في الأوقات الحرجة لا يعني أنه تجاوز أزماته وعادت العلاقة بين الطرفين جيدة، فهناك منابر تركت ذكريات سلبية في أذهان الناس يصعب نسيانها مهما بدلت وجوهها الإعلامية”.

وقال العالم “التصالح المستدام بين الإعلام والشارع يحتاج إلى جملة من المتطلبات، في مقدمتها المهنية والموضوعية وحرية النقد والتعبير وتوصيل صوت الناس دون قيود، وهذا يحتاج إلى وقت وجهد وإرادة، لكن الشارع وقت التحديات الصعبة لا يستطيع الاستغناء عن الإعلام، والذكاء السياسي أن يتم الحفاظ على هذه المكانة”.

وما زالت معضلة بعض الجهات المسؤولة عن إدارة وتنظيم المشهد الإعلامي كامنة في أنها تعتبر شغف الجمهور بمعرفة رؤية الحكومة لأي أزمة انتصارا للإعلام، ويكفيه هذه المكانة، مع أن المهمة مرتبطة بتوقيت زمني ولا تخضع للاختلاف والاجتهاد والاشتباك، وبناء على ذلك يصعب الحكم على مدى استعادة الإعلام لمصداقيته دون أن يؤدي كل طرف مهامه على أكمل وجه.

18