هل تكريم الأدباء تكفير عن خطايا؟

الأدباء المستقلون لا يُمكن النظر إليهم إلا حين يأخذهم الموت.
الجمعة 2021/02/19
لا يفيد التكريم بعد الموت (لوحة للفنان سمير الصفدي)

تثار الشكوك بقوة في عالمنا العربي حول نوايا المؤسسات الثقافية الرسمية التي لا تكاد تتذكر الأدباء والمبدعين من غير دائرة حلفائها وأصدقائها إلا بعد رحيلهم، فتسارع وقتئذٍ بالإعلان عن الرغبة في الاحتفاء بهم وتتويجهم بالجوائز والأوسمة وطبع مؤلفاتهم الكاملة وربما إقامة مؤتمرات حول منجزاتهم. ما يدعو إلى التساؤل حول قيمة هكذا نوع من الاحتفاء.

مع كل غياب لاسم من المبدعين أو الأدباء النابهين في مصر، وآخرهم القاص محمد حافظ رجب، تنتفض المؤسسات الثقافية بأجندة التكريمات والاحتفالات، وهنا تتجدد التساؤلات: أين كانت هذه الالتفاتات والاستحقاقات في حياة هؤلاء الأدباء؟ وهل تنبئ بعد موتهم بعطايا من الدولة أم أنها استمرار في سلسلة المناورات والخطايا إزاء المبدعين المستقلّين والمعارضين وغير المحسوبين على حظيرة التدجين والتبعية؟

لم يختطف الموت الكاتب محمد حافظ رجب بغتة في شبابه مثلا ليقال إن وزارة الثقافة المصرية ومؤسساتها وهيئاتها كانت تعدّ لتقديره والاعتداد بمنجزه البارز وتجهّز لتكريمه وتتويجه بجوائزها وأوسمتها الكبرى في أقرب فرصة ممكنة.

فالقاص الإسكندري، الذي يعدّ من أبرز روّاد التجديد المصريين والعرب في القصة القصيرة، رحل عن عالمنا في 12 فبراير الجاري عن عمر ناهز ستة وثمانين عاما، لم ينل خلالها شيئا واحدا من صور الاحتفاء والتكريم التي وعدتْ بها بحماسة منقطعة النظير مؤسسات الدولة في أعقاب رحيله الصامت، ذلك الرحيل الذي اختتم به حياة عنوانها التهميش والإقصاء والمضايقة والاضطهاد.

طوفان اعتذارات

ما حدث من تجاهل مع القاص محمد حافظ رجب تكرر مع الكثيرين من الأدباء والمبدعين والنقّاد المستقلين
ما حدث من تجاهل مع القاص محمد حافظ رجب تكرر مع الكثيرين من الأدباء والمبدعين والنقّاد المستقلين

تكررت هذه الأمور والظواهر كثيرا مع الأدباء والمثقفين والمبدعين الوازنين، خصوصا المشاكسين من غير ذوي الوفاق مع السلطة الثقافية المهيمنة، فلم ينالوا جائزة الدولة التقديرية أو جائزة النيل أو وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مثلا إلا بعد توقف قلوبهم عن الخفقان، وسكوت أصواتهم عن ترديد ما يغضب المسؤولين ويخالف جوقة المتملّقين والمنتفعين والمؤيدين على طول الخط.

هم فقط بإغماضهم عيونهم إلى الأبد يُمكن النظر إليهم بعيون تزعم الحيادية، وتضمر الرغبة في إبراء الذمة شكلا، وغسيل السمعة ظاهريّا، وكسب تعاطف المشهد الثقافي، وإمساك العصا من المنتصف.

تكثر نماذج هؤلاء المكرّمين والمحتفى بهم بعد رحيلهم في مصر، فمنهم المسرحي لينين الرملي والشاعر أحمد فؤاد نجم والروائي إبراهيم أصلان والناقد علي شلش، وغيرهم.

بعد ساعات قليلة من رحيل القاص الرائد محمد حافظ رجب، انتهت حالة الصمت المدبّرة التي فُرضت على حياته بالكامل، لتأتي وعود التكريمات ومنحه الجوائز الرسمية على هيئة طوفان صاخب كاسح، وكأن وزارة الثقافة ومؤسساتها وهيئاتها تتبارى في تقديم واجب العزاء في صورة اعتذارات ومبادرات للتصالح مع الاسم الإبداعي الذي جرى عزله حيّا، وبخسه حقه المعنوي والمادي.

هذا التهميش المتعمد للكاتب الفذ من جانب وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم والكيانات الرسمية، استدعاه أخوه الأصغر الروائي والصحافي السيد حافظ في نعيه الذي شحنه بالمرارة والوجيعة المركّبة “مات أخي الأكبر، المعلم للأجيال ولي، الكاتب العظيم محمد حافظ رجب. حاربه الجميع وتأثر به الجميع، من أول نجيب محفوظ حتى إبراهيم أصلان وأحمد الشيخ. الكل تأثر به، وأنا طبعا. وداعا يا محمد. أنت غيّرت مجرى القصة القصيرة في العالم العربي”.

وأضاف “رحل الذي لم يمنحه المجلس الأعلى للثقافة جائزة تقديرية ولا جائزة تفوق ولا جائزة تشجيعية ولا معاشا استثنائيّا، ولا تمت طباعة أعماله الكاملة في الهيئة العامة للكتاب، ولا إقامة مؤتمر باسمه لمناقشة أعماله في أية جهة ثقافية. سأفضحكم”.

وكأن المؤسسة الثقافية تكتشف محمد حافظ رجب للمرة الأولى بعد رحيله، حين أعلن مسؤول في أكاديمية الفنون بالقاهرة ترشيح المعهد العالي للنقد الفني له لنيل جائزة الدولة التقديرية في الآداب للعام الجاري 2021، وأن ذلك الترشيح تم قبيل وفاته، وبالتالي فإن فوزه إن تحقق لا يخالف لوائح المجلس الأعلى للثقافة للحصول على جوائز الدولة.

وكتب شوكت المصري أستاذ النقد الأدبي بالأكاديمية على صفحته بالفيسبوك “الله يعلم كم حاولتُ كي ينال محمد حافظ رجب بعضا ممّا يستحق، لكنّ كثيرا من الأحياء أكثر قسوة من الحياة ومن الموت ذاته. طبتَ حيث أنت، في عليين”.

لم تنشر الهيئة المصرية العامة للكتاب أعمال رجب، الذي صدرت مؤلفاته القصصية المهمة في دور نشر خاصة، على رأسها دار “العين” التي نشرت أعماله الكاملة في مجلّدين، لكن هيئة الكتاب برئاسة هيثم الحاج علي، سارعت عقب وفاته بالإعلان عن اعتزامها إصدار عدد من كتبه غير المنشورة من قبل، وإعادة نشر المجموعة القصصية المشتركة “عيش وملح”، التي تضم نصوصه مع الأدباء سيد خميس ومحمد جاد وعباس محمد عباس وعزالدين نجيب والدسوقي فهمي.

كما نَعَت الهيئة مَنْ وصفته بفقيد مصر والأدب العربي قائلة “وداعا وحزنا بحجم ما مَنَحَنا، تستعد الهيئة لتكريم اسمه وإبداعه”.

وأدلى اتحاد كتاب مصر بدلوه في شريط التأبين “وداعا رائد فن القصة في العالم العربي، الذي ترك تراثا مهمّا تنتفع به الأجيال”.

ضريبة التمرد

لا يفيد التكريم بعد الموت (لوحة للفنان عادل بن تونس)
لا يفيد التكريم بعد الموت (لوحة للفنان عادل بن تونس)

يمكن تفسير التجاهل الذي تعرّض له محمد حافظ رجب طوال حياته من جانب المؤسسات الرسمية بأنه ضريبة لاستقلاليته وابتعاده عن الشِّلل وجماعات المصالح المتبادلة، وانحيازه فقط للتمرد الإبداعي والسياسي الذي انطلقت منه تجربته الأدبية والحياتية، فهو على مدار تاريخه أحد الرافضين للثوابت المستقرة والأوضاع القائمة، ما شكّل إزعاجا للأنظمة التي لا ترحّب بالتغيير والتثوير، وتكثف الأضواء عادة على أهل الثقة من المثقفين والأدباء التابعين والموجَّهين.

أطلق رجب صيحته المشاكسة “نحن جيل بلا أساتذة”، واختار مبكرا التجديد ومغايرة السائد الجمالي والاجتماعي والسياسي في آن. ومنذ خمسينات القرن الماضي، توطدت علاقته بالتنظيم الماركسي، وأدباء اليسار ونقّاده، وخاض محنا وأزمات متتالية بسبب اختياراته وانتماءاته، وتعرض لمناوشات البوليس السياسي، والشرطة كثيرا.

إلى جانب معاناته في القاهرة التي وجد نفسه فيها غريبا مغضوبا عليه، فإنه لم يجد الدعم اللازم من كافة المستويات، فغادرها واحتجب عن الكتابة سنوات طويلة بعدما صار “حطام إنسان” على حدّ تعبيره، بسبب رفضه الانحناء، وقاده التمزق النفسي إلى الاحتجاز بمصحّات علاجية من فرط إحساسه بالقهر.

على الصعيد الإبداعي والجمالي، يُعزى إلى محمد حافظ رجب النهوض بالقصة العربية القصيرة، وتطويرها، بالتوازي مع ما قدّمه رفيقه يوسف إدريس، وما أنجزه نجيب محفوظ في الرواية.

وأسهمت كتابات رجب في فتح آفاق جديدة للقصة القصيرة، وارتياد عوالم السوريالية والواقعية السحرية في وقت مبكر، ومزج الواقعي بأجواء الأحلام والأساطير والهلوسات وانزياحات اللاوعي، كما في مجموعاته اللافتة التي خلخلت طرائق السرد النمطية، ومنها “غرباء”، “الكرة ورأس الرجل”، “مخلوقات براد الشاي المغلي”، “حماصة وقهقهات الحمير الذكية”، “اشتعال رأس الميت”، “عشق كوب عصير الجوافة”.

سيناريو متكرر

تهميش متعمد
تهميش متعمد

ما حدث مع محمد حافظ رجب من تأجيل لتكريمه والاعتراف بمنجزه وتاريخه إلى ما بعد رحيله، تكرر من قبل مع الكثيرين من الأدباء والمبدعين والنقّاد، المعروفين باستقلاليتهم إلى حدّ كبير، ومعارضتهم، وجرأتهم، ونزعتهم الانتقادية العالية، وعدم انكبابهم الفج على موالاة السلطة الرسمية وترديد مقولات المؤسسة الثقافية.

من هؤلاء الذين تأخر تكريمهم والاحتفاء بهم ومنحهم الجوائز الكبرى، على سبيل المثال لا الحصر، الكاتب لينين الرملي، صاحب الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية التي طالما أحدثت أزمات ومشكلات مع النظام، ومنها مسرحياته الكوميدية الساخرة “تخاريف” و”عفريت لكل مواطن” و”سعدون المجنون” و”بالعربي الفصيح” و”وجهة نظر” وغيرها. وعلى الرغم من تحقيقه نجاحا جماهيريّا واسعا، لم يحصل الرملي على جائزة النيل في مجال الفنون، إلا في عام 2020 بعد رحيله بعدة شهور.

ولم ينل الروائي إبراهيم أصلان، صاحب “مالك الحزين” و”عصافير النيل” و”حجرتان وصالة” و”صديق قديم” و”خلوة الغلبان” و”حكايات من فضل الله عثمان”، والملقب بصوت البسطاء وضمير المهمّشين، جائزة النيل في الآداب، إلا في عام 2012، بعد وفاته أيضا ببضعة أشهر.

ولم يتم الالتفات إلى جهود الناقد والمترجم علي شلش، على مدار حياته، رغم دوره الملموس في الاهتمام بالأدب الأفريقي على وجه الخصوص، ترجمة وتعريفا وتحليلا، من خلال مجموعة من الكتب الفارقة التي جرى تسليط الضوء عليها بعد وفاته.

ودفع شلش ثمن استقلاليته واستغنائه، وتعرض للسجن لأكثر من عامين في ستينات القرن الماضي بتهمة “التخابر مع دولة أجنبية” بعد حضوره لقاء مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.

بالمثل، تعرّض شاعر العامية أحمد فؤاد نجم، المُعارض السياسي لنظام الرئيس الراحل أنور السادات واتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، للسجن عدة مرات بسبب قصائده المعبرة عن الاحتجاج الجماهيري، خصوصا التي اقترنت بغناء الشيخ إمام.

ومع أنه تم تخفيف القبضة الأمنية عن نجم في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، فإن مؤسسات الدولة لم تجرؤ على تكريمه. وقد توفي في ديسمبر 2013، ونال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى؛ بعد رحيله.

15