هل تكفي التحركات القانونية لقطع جذور الإخوان في المجتمع المصري

الجماعة تتبع أساليب ملتوية لاستمرار تمددها المجتمعي، والحكومة تكتفي بوضع يدها على البنى المادية للتنظيم.
الجمعة 2018/09/14
التطهير لا يتم فقط بحكم قضائي

القاهرة – أصدرت لجنة التحفظ والحصر والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية في مصر، الثلاثاء الماضي، قرارا بالتحفظ على أموال (1598) عنصرا منتميا وداعما لتنظيم جماعة الإخوان، بالإضافة إلى (118) شركة متنوعة النشاط، و(1133) جمعية أهلية، و(104) مدارس، و(69) مستشفى، و(33) موقعا إلكترونيا وقناة فضائية، وضمها للخزانة العامة التابعة للدولة، وهي خطوة كبيرة، كان يجري الإعداد لها تدريجيا. وهذه هي المرة الأولى التي تُقدم الحكومة على خطوة كبيرة من هذا النوع.

تعد هذه القرارات الأكثر تأثيرا على الجماعة منذ تأسيسها عام 1928، لأنها شملت تجفيف منابع غالبية المنافذ، الظاهرة والخفية، والتي كانت بمثابة متنفس للتنظيم، استطاعت من خلالها تأسيس كيانات اقتصادية موازية لنشاط الدولة، مكنتها من الوصول إلى فئات عدة دعمتها لتصبح على رأس السلطة الحاكمة في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.

حسب القانون المصري تصبح القرارات نافذة حال صدور حكم قضائي نهائي بتأييدها، لأنه يحق للمتضرر التظلم من القرار في مدة أقصاها ثمانية أيام، على أن تصدر محكمة الأمور المستعجلة (مختصة في نظر القضايا المستعجلة) حكما بتأييد القرارات أو وقف تنفيذها أو إلغائها، على أن يكون هناك استئناف آخر عبر المحكمة ذاتها، خلال ثلاثين يوما إلى أن تصدر حكمها في الشأن نهائيا ويكون غير قابل للطعن فيه.

مع أن الشق القضائي أحد العوامل التي تساهم في قطع جذور الجماعة، غير أنه لا يكفي للتعامل مع التنظيم على المستوى المجتمعي، ويرجع ذلك إلى أكثر من عامل، أهمها يرتبط بالأساليب الملتوية التي درج التنظيم اللجوء إليها، منذ رحيله عن الحكم في 3 يوليو 2013، حيث قام بنقل ملكية غالبية المنشآت الاقتصادية التابعة لقياداته إلى أفراد منتمين للجماعة وغير معروفين، ونجح في تصفية جزء منها وتهريب جانب من الأموال خارج البلاد أو توظيفها في مشروعات مستترة.

كانت سيطرة الحكومة على الشركات والجمعيات والمدارس والمستشفيات من قبلُ إدارية فقط، بمعنى أن الأشخاص العاملين بها يستمرون في مناصبهم من دون تغيير، ما ساعدهم على تشكيل خلايا فكرية نائمة تخترق المجتمع، وتمسك أغلبهم بالمبادئ التي تشبعوا بها من خلال تعاملاتهم مع عناصر التنظيم، دون أن تكون هناك خطة فكرية رسمية للتعامل مع هؤلاء.

تنظيم الإخوان قام بنقل ملكية غالبية المنشآت الاقتصادية التابعة لقياداته إلى أفراد منتمين للجماعة وغير معروفين

قال سامح عيد، العضو السابق بتنظيم الإخوان، إن أخطر ما يدعم استمرار أفكار التنظيم داخل المجتمع يرتبط بعدم إعادة تأهيل المعلمين الذين يعملون داخل المئات من المدارس التابعة للجماعة، وإن وضع وزارة التعليم يدها على المدارس عام 2014 اقتصر على الجانب الإداري والمالي، ولم يتطرق للجوانب الفكرية وتأثيراتها المجتمعية، وهي مسألة من الصعوبة السيطرة عليها دون وضع رؤية محددة تراعي عمق التغلغل الذي قام به التنظيم.

وأضاف لـ”العرب”، أن الأمر ذاته يرتبط بالجمعيات الأهلية التي يشرف عليها أشخاص في حقيقتهم ينتمون للإخوان، ما صب في صالح تسلل الكثير من الأموال إلى عناصر التنظيم وأسرهم فقط، والاستفادة من شبكة العلاقات الاجتماعية التي كونها هؤلاء على مدار سنوات.

ذهب البعض من المراقبين للتأكيد على أن تدفق الأموال لعناصر التنظيم داخل مصر لم يتوقف تماما، وتم توجيه جزء من المال لتمويل عمليات إرهابية تورطت فيها خلايا تابعة له، وظهرت ملامح ذلك عبر دفع مصروفات المحامين الذين يتولون الدفاع عن قيادات وعناصر الجماعة.

ودفع استمرار تسرب بعض الأموال عبر قنوات خلفية، الحكومة المصرية إلى الذهاب بعيدا، وإصدار قانون يسمى “مصادرة أموال الجماعة” قبل خمسة أشهر ليقر بشكل قانوني تشكيل لجنة قضائية مكونة من سبعة قضاة، بدلا من الجهة الإدارية التي جرى تأسيسها من قبل، وترتب على ذلك إلغاء عدد كبير من قرارات المصادرة لعدم اختصاص الجهة الإدارية بهذا الأمر، والذي يشير الدستور إلى أنه حق للجهات القضائية.

ساهم نجاح جماعة الإخوان في الاعتماد على أشخاص من ذوي الخبرة في المجال العقاري في التركيز على استثمار الثروة في هذا الفضاء، وشراء نسبة كبيرة من الأراضي والمباني ذات القيمة المادية العالية، والتي يمكن أن تزيد قيمتها بمضي الأيام.

كما أن تمكين أشخاص عاديين في المجتمع، بالإيجار أو البيع الصوري، وضع الحكومة وأجهزة الأمن في مأزق منعها من الإقدام على مصادرة جزء كبير لمنع إثارة قطاع ليس هينا في المجتمع المصري ضدها.

عملية محو صعبة
عملية محو صعبة

تنوعت الشركات التي أعلنت اللجنة القضائية التحفظ عليها بين الاستثمار العقاري بمختلف أنشطته، وشركات التصدير والاستيراد وتستخدم أحيانا في جرائم غسيل الأموال وتهريب العملة إلى الخارج، والشركات الإلكترونية وتكنولوجيا الاتصالات، وعدد من شركات السياحة.

وقال ثروت الخرباوي، القيادي الإخواني المنشق عن التنظيم، ما زالت الجماعة داخل مصر فعليا لديها أموال ضخمة تتحرك مجتمعيا من خلالها حتى بعد انتهاء أثرها السياسي، بل تراكمت بعد ترك الحكم من خلال إتباع طرق ملتوية عديدة، وساهمت الخبرات الطويلة في توظيف الأموال في إطار غير شرعي على إخفائها وصعوبة التوصل إليها.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن التنظيم وظف جزءا من أمواله في السنوات الماضية في شركات الإلكترونيات لنقل المعلومات واستقبالها بصورة سرية من الأطراف الداعمة له في الخارج، ناهيك عن دخول مجال التصنيع الكيماوي لما توفره المواد التي تدخل في بعض الصناعات المدنية من قدرة على المساهمة في صناعة متفجرات محلية الصنع.

وأشار إلى أن العديد من العناصر الإخوانية الذين أفرجت عنهم قوات الأمن، بسبب انقضاء فترة عقوبتهم أو لعدم ثبات التهم الموجهة إليهم، التحقوا بالعمل في مشروعات تابعة للجماعة أصلا، لذلك فاقتصار الأمن على السيطرة الإدارية من دون مخاطبة العقول يفتح الطريق لمواصلة توغل الفكر القطبي (نسبة إلى سيد قطب) بشكل أكثر تطرفا بين الأجيال الصاعدة.

يشير استمرار البيئة الحاضنة للأفكار المتطرفة إلى أن الأمر بحاجة إلى إنتاج خطاب فكري بديل لمنهج سيد قطب المترسخ في عقول وأذهان الشباب المنتمي للتنظيم، ولا يكون عبر مؤسسات دينية تقليدية، إنما عبر نماذج مقنعة بالنسبة للشباب، ويوازي ذلك التغيير في البيئة الاجتماعية والسياسية الحالية وتهيئتها لاستقبال التجديد.

وتوقع الخرباوي أن تأتي قرارات القضاء بعد الفصل النهائي بنتائج إيجابية على مستوى تقليص الدعم المقدم إلى العناصر المنتمية للتنظيم، وقد تشكل عنصرا مجتمعيا ضاغطا على الجماعة التي من المرجح أن تفشل في الالتزام بتعهداتها للأشخاص المنتمين إليها.

13