هل تكفي الصداقة بين الأم وابنتها لتأسيس علاقة تحكمها الثقة

خيط رفيع يمكن أن يحوّل علاقة الأم بابنتها من صداقة بين الطرفين إلى علاقة عدائية لذلك يجب أن يكون حزمها عقلانيا يخضع إلى المنطق.
الثلاثاء 2020/11/24
مساوئ الصداقة اللامشروطة أكثر من فوائدها

يؤكد علماء النفس أن العلاقة التي تبنى على الصداقة اللامشروطة بين الأم وابنتها لا تفضي دائما إلى ثقة متبادلة بين الطرفين، فشعور الفتاة بأن أمها متفهمة ومنفتحة يمكن أن يدفعها خطأ إلى الحياد عن السلوك القويم. وينصح علماء النفس بألا تنسى الأم حزمها في تعاملها مع ابنتها وأن تغلب العقل على العاطفة في بعض المواقف.

تعتبر الصداقة بين الأمهات والأبناء مقوما من مقومات الأسرة المتماسكة.

وتبقى علاقة الأم بابنتها رهينة التقلبات النفسية التي تمر بها الفتاة حتى تبلغ سن المراهقة. وتميل العديد من الأمهات إلى ربط علاقات صداقة مع بناتهن كي يضمنّ قربهن إليهن قدر المستطاع، وعدم حيادهن عن السلوك، وحتى يكنّ مخبأ أسرارهن على الدوام والمطلعات على ما يدور بأذهانهن.

لكن بعض الفتيات قد لا تفهمن كنه هذا السلوك. ويعتبرن أنهن ضمنّ أمهاتهن في صفوفهن فلا يتوانين عن خداعهن وعقد الصداقات السيئة وإتيان السلوك المشين، مما يبعدهن عن النجاح في الدراسة، ويضع علاقاتهن الاجتماعية ومستقبلهن على المحك.

تقول ميساء العمري ذات الـ45 عاما، موظفة بالقطاع العام وأم لفتاة تبلغ من العمر 14 سنة، إنها تعامل ابنتها باحترام وحب وتسعى دائما لتكون صديقتها، حيث تمكنها من كل ما ترغب فيه حسب ما تسمح به إمكانياتها المادية طبعا.

وتضيف لـ”العرب” أنها لا تريد أن تشعر ابنتها بأنها أقل شأنا من رفيقاتها، لذلك مكنتها من هاتف ذكي من الطراز الرفيع مما سمح لها بالاشتراك بالعديد من المواقع والتطبيقات مثل “يوتيوب” و”تيك توك”، وعقد صداقات مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتشير العمري إلى أن ابنتها أصبحت لا تهتم بدراستها، كما لم تعد محل ثقة والديها بعد أن تفطنا إلى أنها تخالف مواعيد الدروس وتقضي معظم الوقت مع رفيقاتها اللاتي بدورهن يسلكن نفس السلوك، مما اضطرها إلى أن تغير طريقة تعاملها معها، فباتت أشد حذرا وأكثر حزما معها وأصبحت تراقبها وتراقب تصرفاتها داخل المنزل وخارجه.

وتقول العمري في هذا السياق “أول سلوك أتيته مع ابنتي هو احتفاظي بهاتفها الجوال الذي لم أعد أسلمه إليها إلا إذا كانت ستشارك بدرس الفرنسية مع معلمتها افتراضيا” مما قلل علاقاتها وجعلها تتجنب إهدار الوقت.

علاقة الأم بابنتها رهينة التقلبات النفسية التي تمر بها الفتاة
علاقة الأم بابنتها رهينة التقلبات النفسية التي تمر بها الفتاة

بدورها، تشير سلمى الطرابلسي، أم لثلاث بنات يدرسن بمستويات مختلفة، إلى أن صداقتها مع بناتها لا تعني عدم حزمها معهن وانفلات الأمور وتركها الحبل على الغارب.

وتقول الطرابلسي إنها تعطف على بناتها وتحنو عليهن وتسمعهن عبارات الحب من حين لآخر. لكنها لا تتوانى عن معاقبتهن إذا لزم الأمر، فضلا عن أنها تراقب علاقاتهن مع صديقاتهن وتتدخل نوعا ما في خصوصياتهن تجنبا لانفلات الأمور من بين يديها، على حد تعبيرها.

وتؤكد الطرابلسي لـ”العرب”، أن فتيات اليوم يتميزن بانفتاحهن على العالم الخارجي بفضل العولمة والتطور التكنولوجي الذي صعّب مهمة التحكم في اختياراتهن، لذلك على الأمهات أن يكنّ حذرات في التعامل مع بناتهن وخصوصا المراهقات منهن. وتضيف أنه لا يجب الخلط بين الصداقة والعطف اللامشروط الذي يجعل بعض الأمهات في موقع ضعف يمكن لبناتهن استغلاله.

ويؤكد علماء النفس أن خيطا رفيعا يمكن أن يحوّل علاقة الأم بابنتها من صداقة بين الطرفين إلى علاقة عدائية، لذلك يجب أن يكون حزمها عقلانيا يخضع إلى المنطق. ويشيرون إلى أن علاقة الأم بابنتها يمكن أن تتأرجح يميناً ويساراً، ويكون عليها أن تدرك إحدى حالتين، إمّا أن تُبنى على صداقة مثلى تجمع بينهما، أو تتحول إلى عداوة تفرقهما من يوم إلى آخر، أي أنه ليس هناك من حل وسط، فإما التصاق تام أو ابتعاد كلّي.

ويؤكد أحمد الأبيض المختص في علم النفس، أن الأصل في علاقة الأم بابنتها هو التماهي، ذلك أن البنت ترى في أمها المرأة المثالية والمستقبلية التي يجب أن تكون مثلها. وقال الأبيض لـ”العرب”، إن الصداقة بين الأم وابنتها تكون ناجعة بقدر ما تعمل الأم على جعلها ممكنة وذلك من خلال الحب الصريح والعلني، مؤكدا على ضرورة أن تشعر الأم الفتاة بحبها واهتمامها بها بطريقة متكررة.

وأضاف، لا يطلب من الأم أن تكون أميرة حكيمة بقدر ما يطلب منها أن تكون محاورة مقنعة، ذلك أنه عليها غرس القيم والمبادئ التي يجب على ابنتها التقيد بها والمطالب والمهام الموكلة إليها هي كأم.

تميل العديد من الأمهات إلى ربط علاقات صداقة مع بناتهن كي يضمنّ قربهن إليهن قدر المستطاع، وعدم حيادهن عن السلوك، وحتى يكنّ مخبأ أسرارهن على الدوام

وأشار إلى أن العلاقة بين الأم وابنتها تزداد متانة كلما بيّنت الأم أن مقاصدها من عقلنة تصرفاتها تجاهها وهو ما سيساعد البنت على العمل على دعم العلاقة وجعلها أكثر نضجا.

ويدعو علماء النفس الآباء إلى التدخل في بعض المواقف التي تعجز الأمهات في حلها، ويشجعونهم على ربط علاقات صداقة مع بناتهم تكون معاضدة لتلك التي تربطها الأمهات.

وينصحون بعض الآباء بألّا يقتصر دورهم التربوي لبناتهم على توفير الملبس والمأكل والمال وفي وضع المحاذير ومعاقبتهن إن خالفن الأوامر أو وقعن في محظور وإلقاء تبعات التربية على عاتق الأم وحدها.

وفضلا عن قيمة دور الأم التربوي في حياة بناتها، فإنهن يحتجن في مرحلة ما من أعمارهن إلى آبائهن ليقوموا بدورهم التربوي الذي لا تستطيع الأم مهما فعلت أن تقوم به، حيث أن تربية البنات عملية مشتركة بين الأب والأم لا يغني أحدهما عن الآخر.

21