هل تكفي النوايا الحسنة للتوصل إلى سلام شامل في ليبيا

المعارك المحتدمة حاليا بين الجيش الوطني الليبي وقوات الوفاق تفرض التدخل سريعا قبل أن تتدهور الأوضاع وتصعب السيطرة عليها، بما يضع العراقيل أمام مؤتمر ألمانيا، ويقلل من دوره في وضع تصور واقعي للتسوية السياسية.
الأحد 2019/09/15
التمسك جيدا بالفرصة

أجهدت متاعب الأزمة الليبية الكثير من المنخرطين فيها وحيرت المراقبين لها، وتكاد بوصلتها تكون كل يوم في شأن. وجميع المؤتمرات التي عقدت والمبادرات التي طرحت لم تفلح في إحراز تقدم إيجابي ملموس، وربما زادت الأمور غموضا، نتيجة محاولات بعض اللاعبين جر الأزمة إلى قنوات تعمل لصالحهم من دون اعتبار لمعاناة الشعب الليبي. وحتى النوايا الحسنة التي توافرت من قبل دول عربية وجمعت أطرافا ليبية متعددة لم تنجح في تحقيق أهدافها، ووجدت من كانوا لها بالمرصاد.

يتجدد الحديث عن الأمل والتفاؤل اليوم بعد الإعلان عن استضافة ألمانيا لمؤتمر دولي خاص بالأزمة الليبية في غضون أسابيع قليلة، وتسعى المستشارة أنجيلا ميركل إلى الإعداد له بصورة جيدة لتتحاشى أخطاء مؤتمري باريس وباليرمو العام الماضي، وتحضره قوى مؤثرة لضمان الحصول على نتيجة قابلة للحياة، وسط تضارب فاضح في الأهداف والمصالح.

يبدو الحذر والتريث والانفتاح الطاغي على توجهات برلين مدخلا مناسبا لعدم الاستعجال ودخول الأطراف المعنية، وهي محملة بأحكام سلبية مسبقة، لكن من الضروري أن تتوافر له رؤى يمكن تطبيقها بشكل عملي، وتقود للتوصل إلى تسوية سياسية تفتح الطريق إلى سلام شامل، عقب فترة من الاقتتال امتدت نحو ثمانية أعوام، تكبدت البلاد خلالها نحو 400 مليار دولار، أنفق أغلبها على جلب السلاح والمرتزقة وتمويل الصفقات.

وضع قرار مجلس الأمن الأربعاء الماضي الخاص بتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، بعد التجديد لرئيسها غسان سلامة، مهمة وقف إطلاق النار ضمن أولوياته الجديدة، وتجاهل الإشارة مباشرة إلى المجلس الرئاسي كجسم في المعادلة السياسية، ما يعني أن الدول التي درجت على تأييد حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، مثل بريطانيا صاحبة مشروع القرار، وإيطاليا التي عولت على الرجل، تخلت عن منحه دعما مفتوحا، وثمة تحولات حقيقية في الموقف الدولي يمكن أن تفضي إلى تغير لافت في التوازنات الراهنة على الأرض.

بصرف النظر عن الدوافع التي قادت ألمانيا إلى التصدي لمهمة استضافة مؤتمر حول ليبيا في هذا التوقيت، وهي كثيرة ومهمة ومتشعبة على المستوى المحلي والأوروبي والمتوسطي، فإن المعارك المحتدمة حاليا بين الجيش الوطني الليبي وقوات الوفاق تفرض التدخل سريعا قبل أن تتدهور الأوضاع وتصعب السيطرة عليها، بما يضع العراقيل أمام مؤتمر ألمانيا، ويقلل من دوره في وضع تصور واقعي للتسوية السياسية.

لكن لا توجد الآلية الإقليمية أو الدولية لوضع حد للتصعيد، وحتى مناقشة هذه المسألة تحتاج لمزيد من الوقت، وسط أزمات لا تقل ضراوة في المنطقة، وانقسام في المواقف السياسية، وغيوم كثيفة تحيط بالأدوات الناجعة التي يمكن أن تؤدي إلى وقف الحرب، وتجبر أطرافها على الرضوخ للتسوية وترك السلاح.

ربما تكون المعارك التي رمت فيها تركيا بثقلها أخيرا من خلال تدفق شحنات جديدة من الطائرات المسيرة دخلت الساحة كمحدد حاسم في بعض الأحيان، وجد فيها البعض ميزة كبيرة تمهد الطريق للمؤتمر الدولي ولا تعرقله، حيث تقود إلى زيادة إنهاك الإرهابيين والمتطرفين.

وبالتالي يخرج كل طرف طاقته العسكرية ويستخدم نيرانه الحربية أملا في الحصول على نصر قد يصحح من أوضاعه الميدانية والسياسية، بعد سلسلة من الضربات القاصمة التي تعرض لها المتطرفون في الفترة الماضية على أيدي الجيش الليبي، وتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها كي لا يكونوا بعيدين عن حسابات سوف تنأى بهم عن أي طاولة جادة للمفاوضات.

منح التأييد الدولي الضمني للعملية العسكرية التي أطلقها الجيش الليبي في 4 أبريل الماضي لتحرير طرابلس، الوقت الكافي للمشير خليفة حفتر ليتمكن من إنهاء أسطورة الميليشيات والجماعات المتطرفة، غير أن الواقع وتقلباته ومستجداته وطقوسه فرضت على الدول الداعمة لحفتر عدم الاندفاع وراء المغريات العسكرية المتاحة، وفرملة دعمها العلني له، انطلاقا من مخاوف أن يكون ذلك “فـخّا” يجرهم إلى دخول ليبيا بسهولة من دون معرفة الوسيلة التي يمكن الخروج بها.

تم نقل هذه الهواجس إلى المشير خليفة حفتر مباشرة، بل وتحذيره من مغبة الانسياق وراء تحقيق نصر سريع في معركة طرابلس المعقدة. لكن التقديرات التي كانت لديه والتطمينات والإغراءات التي تلقاها من بعض القوى الكبرى كانت سباقة في قراره، وبدت المعارك والمواقف الدولية تمضي في صالحه، وظهرت ملامحها في الصمت على عملياته العسكرية، وأحيانا تأييدها وتثمينها بحكم أنها تلعب دورا في مكافحة الإرهاب الذي تسعى قياداته وعناصره للتمركز في الأراضي الليبية.

أخذت التوازنات تختل نسبيا عندما ضاعفت تركيا وقطر، وإيران أحيانا، من دعمها العسكري للتيار الإسلامي، فقد وصلتها الرسالة البعيدة لفتح المجال أمام حفتر بوضوح لإنهاء مهزلة الكتائب المسلحة ووقف انتشار المتطرفين في طرابلس وغيرها، عقب نجاح الجيش في قطع دابرهم في الشرق والجنوب، واستفادت هذه البلاد والمتحالفون معها من عدم تحرك المجتمع الدولي حيال فرملة تدفق السلاح على موانئ ومطارات ليبيا، بل اعتبرته ضوءا أخضر باستمرار المعارك لتحقيق أهداف سياسية عدة، وجني أرباح اقتصادية مغرية من وراء صفقات السلاح السرية.

وصلت العقدة إلى مداها بين الطرفين الآن، حيث اختلطت الأوراق وتشابكت الترتيبات، واحتدمت المعارك بدرجة تصعب السيطرة عليها بسهولة، ولن تفلح معها نداءات ضبط النفس والحرص على أرواح المدنيين وكل مفردات الخطاب الإنساني التقليدي، ودخلت نفقا مظلما وجدت فيه قوى كبرى مناسبة جيدة لتصفية القوة الضاربة لدى بعض الأطراف، حتى تصبح منهكة تماما وغير قادرة على صد أي مبادرات جديدة تتوق إلى تسوية الأزمة بالطريقة التي تريدها وترسم من خلالها المعالم اللازمة للحفاظ على مصالحها.

البحث عن آلية إقليمية أو دولية لوضع حد للتصعيد في ليبيا
البحث عن آلية إقليمية أو دولية لوضع حد للتصعيد في ليبيا

يمكن فهم الانفلات العسكري الحالي في سياق رغبة البعض في هز الأجنحة الرئيسية لجميع المتقاتلين، والتخلص من قدراتهم المسلحة، بما يصب في صالح التحركات الرامية للحل السياسي، وتنطلق من هدم الهياكل القديمة التي تتدثر بالميليشيات، حيث أعاقت الفرص التي أتيحت للتسوية، وتفتح الباب لنخبة جديدة لم تتلوث بالدماء خلال السنوات المنصرمة.

حذّر خبير أمني يعرف دهاليز ليبيا في تصريح لـ”العرب”، من أن عملية تحرير طرابلس بمعرفة الجيش الليبي، كان مقدرا لها لدى بعض الجهات العسكرية ستة أشهر على أقصى تقدير، أي تنتهي في أكتوبر المقبل، لكن محاربة الجيوب الإرهابية الناجمة عنها قد تحتاج لنحو عامين، في ظل التكدس الكبير للأسلحة، وتم توصيل هذه الرسالة للمشير خليفة حفتر في حينه.

قال الرجل هذا الكلام مع بداية “عملية الكرامة”، وقبل يومين أعدت عليه سؤال متى تنتهي والمعارك تزداد حدة؟ قال إنها بحاجة لوقت أكبر، فقد اختلت الرؤية السابقة مع النهم الشديد من قبل الكتائب المسلحة والقوى المتحالفة معها وفي مقدمتها أنقرة، فهي تدرك أن وقف الحرب الآن معناه تسليم سياسي وهزيمة ساحقة لمشروعها.

ولذلك سيتواصل القتال لمدة أكبر، ما لم تتخل القوى الكبرى عن موقفها الذي يرتاح لاستمرار المعارك، ضمن عملية استنزاف متواصلة، وتشرع في حلول سياسية خلاقة، قادرة على تنفيذها بنوايا وإرادة ورغبة حقيقية وليست مزيفة.

يريد مؤتمر ألمانيا عدم الركون إلى المنهج الذي اتبعته فرنسا وإيطاليا الذي استسهل الأزمة وقام بالتعامل مع المسلمات الظاهرة على السطح وعدم محاولة الغوص في التفاصيل، لأن هناك قوى ليبية مؤثرة لم يتم الاعتداد بدورها من قبل.

وتجري حاليا حوارات مع أطياف اجتماعية وألوان سياسية ليبية من مشارب متباينة لضمان تمثيل عادل في المفاوضات المرتقبة، كضمانة لنجاح التحرك الألماني المدعوم من قوى كثيرة، بدأت تمثل لها الحرب في ليبيا مأزقا سياسيا، تسبب في اتهام البعض بالتقاعس والتأقلم مع نواميس اللعبة العسكرية الجارية.

هناك مقترح أن يكون مجلس النواب القناة الشرعية والممثل الفعلي لمكونات الشعب الليبي المختلفة، ويحظى بشرعية دستورية، فقد جرى انتخابه مباشرة، وحظي المقترح بتفهم كثير من القوى المعنية ومتوقع أن يتم اعتماده في مؤتمر ألمانيا، لأن الوقت ضيق ولن يسمح باختيار ممثلين آخرين، ويمكن أن يتسبب طرح بعض الأسماء في مشكلات إضافية ويثير لغطا سياسيا. وهو ما يفرض تكاتف المجتمع الدولي حول رؤية نهائية للمؤتمر، وعدم تحويله إلى منتدى سياسي أو حوار فضفاض، يسعى فيه كل طرف إلى إبراء ذمته من دوامة الاقتتال.

6