هل تكون إدلب "هانوي" الثورة السورية

الجمعة 2015/04/03

تغيرت الأوضاع في سوريا كثيرا منذ خرجت قوات النظام الأسدي من الرقة. زادت الأمور تعقيدا إلى درجة بات معها الوضع السوري لا يجلب للناشطين الذين نجوا من التنكيل الأسدي والداعشي إلا الإحباط. ورغم ذلك كانت الأمور تسير عكس ما يشتهيه نظام سوريا ومن معه.

لم تنفعه حملات الجنوب ولا حملات الشمال. فقد تلقى الهزيمة تلو الهزيمة. ورغم الحملات الإعلامية الواسعة التي مهد بها إعلام النظام، وبالأخص إعلام حزب الله والنظام الإيراني، لحملات الجنوب في القنيطرة ودرعا، والشمال في حلب، ورغم تواجد الحرس الثوري وقائد فيلق القدس وارتفاع منسوب الدعم البشري الذي استجلبه قاسم سليماني، من لبنان وصولا حتى أفغانستان، إلى سوريا للانخراط في مواجهة الجيش الحر، فقد خسر النظام مدينتين هامتين: بصرى الشام في الجنوب، وإدلب في الشمال.

غير أن كثيرا من معارضي النظام وبالأخص من ناشطي الثورة لم يهللوا لتحرير مدينة إدلب ولم يحتفلوا بالانتصار كما يفترض ويتوقع، بل ساد الحذر والترقب وحفلت المواقع الاجتماعية بالتخوف من أن تتحول مدينة إدلب إلى “رقة” ثانية، في ظل سيطرة جبهة النصرة وجيش الفتح عليها، وبالأخص بعد أن عمدت مجموعة من الـ“مجاهدين” إلى تدمير نصب القائد السوري الرمز إبراهيم هنانو، ما يذكّر بصنائع تنظيم الدولة الإسلامية داعش في ما يخص التماثيل والآثار والرموز، ما أثار لغطا مدويا بين ناشطي الثورة السورية.

وقد أطلقت دعوات كثيفة لحث الناشطين السوريين إلى القدوم إلى إدلب، وحث الائتلاف السوري للمعارضة وحكومته المؤقتة إلى أن يجعلا من مدينة إدلب مقرا لهما حتى لو استمر النظام باستهدافها بالقصف.

تلى ذلك إعلان الحكومة السورية المؤقتة عن توجيه مديرياتها للعمل داخل مدينة إدلب، لكن، وبعد ساعات قليلة أعلن عبدالله محمد المحيسني رئيس مركز دعاة الجهاد في سوريا، في تغريدة له على تويتر، أنه “لا صحة لدخول الائتلاف، لمدينة إدلب وإدارة مناطقها”.

وأضاف محمد المحيسني الذي يحمل الجنسية السعودية، وكان قد انضم مؤخرا إلى جبهة النصرة “دخل إدلب رجال سالت دماؤهم على ثراها، وسيحكمونها بشرع الله ويديرون أمورها. هكذا عاهدوا الله، ولن ينفرد أحدهم بذلك دون إخوانه بإذن الله، ذاك ظننا بهم”.

وكانت الحكومة المؤقتة، قد أعلنت أن العمل في إدلب، سيكون بالتنسيق مع “الشركاء والفصائل المقاتلة والقوى الفاعلة، لتكون المدينة مقرا لها، لإدارة المناطق المحررة”.

ودعت الحكومة المؤقتة، جميع الفصائل المقاتلة في مدينة إدلب إلى “الحفاظ على المؤسسات الحكومية والمرافق الخدمية وضمان استمرار عملها، إضافة إلى عدم تشتيت جهودها، والتركيز على حسن إدارة المدينة”.

وحذرت الحكومة المؤقتة “أصدقاء الشعب السوري وداعميه من إعادة الكرَّة بإهمال هذا الانتصار الكبير، والتواني في إيصال السوريين إلى مبتغاهم بتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية التعددية” في تذكير لهم بما حدث في الرقة.

غير أن شيئا مما أعلنته الحكومة المؤقتة لم يحدث حتى الآن، خاصة في ظل استمرار قصف طيران النظام لمناطق عديدة في المدينة وتسببه بمجازر بين السكان. ولم تتأكد بعد المعلومات التي قالت إن جيش الفتح طلب من المقاتلين إخلاء المدينة ورفع علم الثورة على سارية المحافظة، وتركها للإدارة المدنية لتسير شؤونها، في حين لم يرشح شيء من هذا القبيل عن جبهة النصرة.

في مقابل كل ذلك يستمر الناشطون السوريون في نشر تخوفاتهم من وقوع مدينة إدلب بين مطرقة القصف العشوائي لطيران الأسد ومدفعيته وصواريخه من جهة، وسندان الاستبداد الجهادي من جهة ثانية.

ولكن هذا التخوف لن يقدم شيئا ما لم يقترن بالمبادرة إلى العمل. ويكون العمل في عودة كل من يستطيع من الناشطين السوريين، وبالأخص المتواجدين منهم في تركيا، وهم كثر، إلى إدلب ونواحيها، وتفعيل نشـاطهم فيها وتنظيمه وتكثيفه، رغم الأهوال التي يعانيها أهالي تلك المدينة وجوارها.

فإذا كان لكل من القوى الإقليمية أجندتها التي تعمل على تنفيذها أو التمهيد لها، وإذا كانت قوى عديدة في الداخل وفي المعارضة الخارجية تعمل على إيقاع تلك الأجندات، فلن يؤدي أحد الدور الذي يطلبه هؤلاء الناشطون ما لم يبادروا بأنفسهم إلى القيام به، إن كانوا يبتغون لهم من دور فعلا.

لقد وجد النظام التركي في جبهة النصرة وأمثالها من القوى، من يمكنه دحر عصابات النظام والإمساك بالأرض ومنع قيام سلطة وطنية حقيقية فاعلة ما يجعلها غير قادرة على الاستمرار في السيطرة حال سقوط الأسد وعصابته، فسارع، في ظل عاصفة الحزم في اليمن من جهة، ومعارك تكريت والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة ثانية، والانشغالات العديدة للنظاميْن الإقليمي والعالمي، بالأخص في ما يتعلق بمفاوضات الملف النووي لإيران، بالتمهيد لأجندته الخاصة.

ففي حين يلوّح بالاستعداد للمشاركة في عملية نينوى في العراق، يقدم الدعم والإسناد للـ“مجاهدين” في جبهة النصرة وجيش الفتح لدحر قوات النظام الأسدي من إدلب، إذ لطالما كانت الأجندة التركية في سوريا مرفوضة من الأميركيين.

من هنا يمكن القول إن إمكانية عودة الناشطين السوريين وبكثافة إلى إدلب سيكون لها مردود جوهري على المديين المتوسط والبعيد في سبيل تحقيق الأهداف الأصلية والأصيلة لثورة الشعب السوري، فهل يبادر هؤلاء إلى ممارسة دورهم الريادي المطلوب؟ وهل تتحول إدلب إلى “هانوي” الثورة السورية؟

كاتب لبناني

8