هل تكون الدراسة المنزلية حلا لأزمة التعليم في مصر

التعليم المنزلي يمتاز بقدرته على تحديد وإبراز مواطن التميّز والتفوّق عند الطلاب كما يوفر قدرة على تحديد المناهج الدراسية وهذا أمر يتمناه الكثير من أولياء الأمور في مصر.
الثلاثاء 2018/09/18
عودة متثاقلة لمقاعد الدراسة

القاهرة- صعّدت الأزمة الكبيرة الناجمة عن ضعف المنظومة التعليمية وارتفاع تكلفة المدارس الخاصة في العام الجديد الذي انطلق في منتصف سبتمبر الجاري، مطالب المصريين بالترويج لفكرة السماح بالتعليم المنزلي بأن يكون بديلا قد يغني عن التحاق الطلاب بالمدارس الرسمية.

ودعت بعض الصفحات على مواقع التواصل مؤخرا إلى التوسع في التعليم المنزلي، وأخذ الترويج للفكرة يتسرب إلى أولياء الأمور. وطالب أعضاء في تلك الصفحات بإضفاء الصبغة القانونية على الفكرة بكتابة بيان إلى وزير التربية والتعليم طارق شوقي، مطالبين إياه بالسماح لأبنائهم بالتعلّم في المنزل بشكل قانوني.

وبعد أن تلقى البرلماني كريم سالم وبعض أعضاء مجلس النواب المصري عددا هائلا من الشكاوى بخصوص ارتفاع مصروفات المدارس الخاصة، قدموا طلبا إلى وزير التربية والتعليم طالبوا فيه بفرض رقابة على الحسابات المالية للمدارس الخاصة.

ورصد النواب 280 مخالفة من قبل مدارس غيّرت التعريفة المنصوص عليها من قبل وزارة التعليم لمصاريف العام الحالي. وعكست التحركات السريعة حجم الأزمة التي يعيشها أولياء أمور الطلاب مع أزمة تعليم الأبناء حاليا. وتتمثل المعضلة في البحث عن أفضل وسيلة للتعلم بتكلفة يستطيع أولياء الأمور تحملها مع الدروس الخصوصية التي باتت جزءا من منظومة التعليم في مصر.

وبعيدا عن الزيادات الجنونية في أسعار التعليم بمراحله المختلفة فإن هناك عددا وافرا من الأسباب التي تجعل من رحلة التعليم النظامي عسيرة، خاصة أن الرحلة ربما لا تثمر عن تعليم حقيقي ونافع.

التعليم المنزلي يضطر إلى تجرع معاناة تبرير الفكرة للأهل والأصدقاء والمجتمع، لأن إقلاع الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة أمر ليس بالمألوف

وقالت أمنية صالح، وهي أمّ مصرية تبلغ من العمر 27 عاما، “التعليم في بلادنا أصبح في حالة يُرثى لها، واتفقت وزوجي على تعليم أبنائنا منزليا، نظرا لفقدان الثقة في التعليم المدرسي والذي أصبح باهظ الثمن”. وأوضحت لـ”العرب” هناك الكثير من الموارد التعليمية على الإنترنت، والعديد من التجارب لأسر تقوم بتعليم أطفالها منزليا.

ويخشى الكثير من الآباء السؤال عمّا إذا كان الأبناء قد تعلموا بالفعل، وإذا كان ما يتلقونه في تلك المدارس، باهظة الثمن، يطور تفكيرهم وسلوكهم، وما إذا كانت تلك المدارس التي تبالغ في رفع رسومها سنويا تكترث بأخلاقيات الطلاب وتكوينهم النفسي.  وفي هذا السياق لا يسارع الآباء للتحقق بأنفسهم من جودة تربية وتعليم الأبناء، بل على تجميع أكبر قدر من الأموال للدراسة.

ويأخذ التعليم المنزلي في مصر شكلين، الأول يتوقف الطالب عن الذهاب إلى المدرسة نهائيا طيلة مراحل تعليمه إلى أن يؤدي امتحانا يعادل الثانوية العامة قبل دخول الجامعة، وهنا يتعذر على الطالب بموجب قانون التعليم دخول الجامعات الحكومية ليبقى أمامه خيار الالتحاق بإحدى الجامعات الأجنبية المنتشرة في مصر.

أما الثاني فهو أن يلتحق الطالب بإحدى المدارس التي يمكن التحايل على الحضور فيها، ليذهب فقط لأداء الامتحانات في نهاية كل عام، وهو ما تفعله أغلب الأسر المصرية التي تتخذ من التعليم المنزلي سبيلا.

وإذا كنت من الذين يعتقدون أن التعليم لا تقتصر أهميته على الحصول على شهادة فحسب، فإن ثمة العديد من المزايا التي تجعل التعليم المنزلي خيارا جذابا.  إحدى أهم المزايا، العناية التي يتلقاها الطالب، لأن فرص الاعتناء بطالب واحد والاهتمام بأسئلته وأفكاره خلال العملية التعليمية أعلى بكثير من فرص الاهتمام بأي طالب، إذا وجد بين 30 أو 40 طالبا وطالبة.

ومهما بلغت كفاءة المعلم أو المعلمة في المدرسة، يعجز عن مساعدة هذا الكم من الطلاب، بينما في التعليم المنزلي يحظى الطالب بقدر كاف من العناية والوقت لاستيعاب الدروس.

ومن أهم السّمات التي تميّز الدراسة المنزلية، التعلّم من أجل المعرفة لا من أجل الحصول على الدرجات وتعود إلى أن الهدف الأسمى من الرحلة الدراسية هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الدرجات لارتياد ما يطلق عليه كليات القمة.

وما يعاني منه الطلاب اليوم في المدارس هو الرغبة في النجاح فقط، ما يتجلى في ظاهرة نسيان ما درسوه فور خروجهم من الامتحان، أما في حالة التعليم المنزلي فيستطيع الأب أن يركز على تعليم ابنه تعليما حقيقيا للمعرفة والثقافة.

كلفة المدارس الخاصة تشعل خيار التوجه نحو التعليم المنزلي
كلفة المدارس الخاصة تشعل خيار التوجه نحو التعليم المنزلي

وقد يجنب التعليم المنزلي العديد من أولياء الأمور مشقة التنقل اليومي لإيصال أبنائهم، ويمكّن الوالدين من التحكم في الجدول الدراسي للابن أو الابنة، وكذلك في نظام يومه، ما يؤدي إلى حياة أكثر هدوءا واستقرارا واسترخاء.

كما يوفر التعليم المنزلي قدرة على تحديد المناهج الدراسية، وهذا أمر يتمناه الكثير من أولياء الأمور في مصر، ويمكّن التعليم المنزلي أيضا من تعليم الأطفال ما تظن أنت أنه مهم بحق. ويتحكم أيضا في الكم الذي يتعلمه الأبناء في نقاط معينة، فقد يهمل المنهج المدرسي بعض النقاط المهمة أو التي بحاجة إلى المزيد من التعمّق.

الوقت أيضا أحد أهم الأشياء التي تُفقد في التعليم النظامي، فالاستعداد للمدرسة وتجهيز الملابس وتحضير الحقائب والرحلة ذهابا وإيابا وانتظار حافلة النقل، كلها أشياء تهدر الكثير من الوقت يوميا. أما الطالب الذي يتلقى تعليما منزليا فهو يوفر كل هذا الوقت.

ما يفكر فيه الكثير ممن يفضلون التعليم المنزلي هو الارتباط العاطفي والنفسي والتعليمي بأبنائهم، وهذا من الفوائد الثمينة. ويتيح أيضا لولي الأمر والطالب فرصة التعرّف على بعضهما بشكل عميق. وذلك الترابط ليس بمعزل عن التعليم.

ويمتاز التعليم المنزلي بقدرته على تحديد وإبراز مواطن التميّز والتفوّق عند الطلاب، وإذا كان طالب المدرسة يتعرّض للكثير من الموضوعات على نحو سطحي، فإن الأول يساعد على التركيز على نقاط تميّز الطالب ومواهبه وتنميتها، وهو ما يساهم في اكتشاف ذاته.

ولا تخلو هذه المنظومة من عيوب، تتمثّل في فقدان الهيكل التنظيمي في ما يخص التخطيط للمناهج الدراسية، ووجود عدد محدود من الموضوعات دون التطرق إلى أخرى مهمة، فقد يكون الآباء والأمهات ليسوا على قدر عال من الخبرة في مجال التعليم.

ولا يترك هذا النوع من التعليم مساحة للآباء ليهتموا بالقدر الكافي بأشغالهم، فالأمر يتطلب الكثير من الوقت لتعليم الابن يوميا، كما أن التعليم المنزلي يضطر إلى تجرع معاناة تبرير الفكرة للأهل والأصدقاء والمجتمع، لأن إقلاع الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة أمر ليس بالمألوف.

17