هل تكون جائزة مان بوكر العالمية من نصيب قلم عربي هذا العام

الخميس 2015/03/26
هدى بركات اسم نسائي عتيد في الأدب العربي

أعلنت أمس في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا قائمة ترشيحات جائزة مان بوكر العالمية لعام 2015، كاشفة النقاب عن عشرة كتّاب خلال مؤتمر صحفي عقد بجامعة كيب تاون. تمنح هذه الجائزة، وقدرها 60 ألف جنيه إسترليني، كل عامين لمؤلف على قيد الحياة احتفاء بمجمل إنجازاته الأدبية على الصعيد العالمي. ويشترط أن تصدر للمؤلف كتب باللغة الأنكليزية أو كتب مترجمة إلى الأنكليزية.

عن طبيعة الترشيحات لجائزة مان بوكر العالمية لعام 2015، التي أعلنت قائمتها، علّقت رئيسة لجنة التحكيم البروفيسورة مارينا ورنر، “لقد خاض الحكام تجربة غاية في النشوة وهم يطالعون الكتب من أجل هذه الجائزة، تجولنا عبر أنحاء العالم ودلفنا إلى خيال كتاب يطرحون تنوعا استثنائيا من الخبرات. بوسع الأدب جعل العالم أرحب لنا جميعا، وتعزيز فهمنا وتعاطفنا مع الآخرين.تتخذ الرواية اليوم شكلا ممتازا: فهي حقل للتساؤلات، محكمة للتاريخ، خريطة للقلب، مسبار للنفس، وحافز للفكر، وينبوع للمتعة ومعمل للغة. نشعر في الحقيقة أننا أقرب إلى شجرة المعرفة”.

وهكذا تردد ورنر صدى كلمات ويليام فينيس رئيس لجنة تحكيم جائزة فوليو هذا العام حين أشاد بقدرة الرواية المعاصرة على إنعاش نفسها، مؤكدا أنها تتوسع في هياكل واستراتيجيات غير معهودة، ولا تزال تكتشف حتى اليوم ما قد تصيره، وما قد تصنعه.

أسماء مرشحة

يرافق ورنر في لجنة التحكيم أعضاء من ثقافات وأعراق متباينة، وهم: الروائي الباكستاني نديم إسلام وأستاذة الأدب العالمي بجامعة أكسفورد إلكه بومر، وأستاذة اللغة العربية والأدب المقارن وين-شين أويانج، والبريطاني إدوين فرانك مدير تحرير كلاسيكيات نيويورك ريفيو. لو فاز بالجائزة كاتب صاحب أعمال مترجمة إلى الأنكليزية، سوف يختار أحد مترجمي أعماله للفوز بمبلغ 15000 جنيه إسترليني.

الكاتب الليبي إبراهيم الكوني يكاد يكون الإسم المرشح الأقوى لنيل الجائزة

تحوي القائمة القصيرة سيزار أيرا، وينظر إليه النقاد باعتباره واحدا من رواد المغامرة التجريبية في دنيا الرواية الأرجنتينية. يتوخى الإيجاز في أعماله، وإن كانت تتسم بالغزارة، إذ ينشر أربع روايات تقريبا كل عام، مفسرا هذا الإنتاج المتدفق بأنه ينسج من تفاصيل حياته اليومية المعقدة، وينهل من تاريخه الشخصي البائس.

ومعه يترشح سفير البرتغالية ميا كوتو من موزمبيق، المستعمرة البرتغالية السابقة. نال كوتو جوائز ربما لا يسعه إحصاؤها، هو كاتب آخر أبيض العرق يتحدث بلسان أفريقيا السمراء. ويعد خير ممثل للواقعية السحرية بالبرتغالية وإن يصر على رفض هذه التسمية، متمسكا بشعريته المفرطة وهو يخلط التاريخ الشفوي الموزمبيقي بالإرث البرتغالي. كان قد شارك في كتابة النشيد الوطني الموزمبيقي في منتصف السبعينات، وله ديوان “جذر الندى” ورواية “أرض مسرنمة” و”طيران الفلامنكو الأخير”.

ومن الهند يترشح المخضرم أميتاف جوش الذي صدرت له روايتان بالعربية. أولاهما رواية أدب الرحلات “في البلاد العتيقة”، ويرنو فيها إلى قرية مصرية بمحافظة البحيرة في نهاية السبعينات، حين زحفت آثار الانفتاح على الثقافة المصرية وغلب التطاحن الاجتماعي وأفل نجم الجالية اليهودية في مصر إلى الأبد. كان قد أقام في القرية أثناء إعداد رسالة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والملاحظ أن الكتاب مشبع بروح التسامح، ويعدّ منبرا لحضارتين تتخاطبان دون أن تشوبه الأحكام المطلقة التي تعيب في الغالب النظرات الاستعمارية وآداب المستشرقين.

أمّا روايته الملحمية “القصر الزجاجي” فترتحل من القرن التاسع عشر إلى العشرين، وفيها يهيم الأبطال على وجوههم في الهند ومنطقة جنوب شرق آسيا الزاخرة بثراء عرقي ولغوي هائل. تعاين الرواية تقاليد الشعوب بنبرة محبة وإن كانت لا تخلو من الانتقاد، تلك التقاليد الحامية لهم تارة والخانقة لهم تارة. كما تحلل ما حاق بهم من تبدل عبر عقود من الزمن، وتمس كفاح الهند، السلمي وغير السلمي، ضد بريطانيا في سبيلها إلى الاستقلال.

المجري لازلو كراسناهوركاي يترشح للمرة الأولى

تضم الترشيحات أيضا الشاعرة الأميركية المخضرمة فاني هاوي، في حين فشل الياباني هاروكي موراكامي والنرويجي كارل أوف كناوسجورد في بلوغ القائمة القصيرة. كان أحد النقاد البريطانيين قد لمح أن لجان التحكيم الغربية ضجرت على ما يبدو من إقحام الاسمين في كل قائمة، “وكأن لا وجود لكتاب غيرهما”، وتود أن تمد آفاق الأدب إلى ما هو أرحب.

وهكذا نلتقي بستة أسماء جديدة تترشح للجائزة للمرة الأولى، من بينها لازلو كراسناهوركاي من المجر وملكة الفرونكفونية والكلاسيكيات ماريز كونديه من جزر غوادلوب. وكونديه هي الكاتبة العالمية المثالية، ولدت في جزيرة كاريبية نائية يصعب العثور عليها في الخريطة، وقد تعلمت في السوربون حيث نالت رسالة الدكتوراه في الأدب المقارن، مستخرجة نماذج من الأنماط المقولبة السوداء في الأدب الكاريبي. عاشت 12 عاما في غينيا وغانا والسنغال قبل أن تعود لتدرس الأدب الفرونكفوني بفرنسا، ومنها ارتحلت لتستقر في أميركا إلى حدّ اليوم.

شكلت القارة الأفريقية قاعدة الإلهام لعدد من كتاباتها، كرواية “هيريماكونون” التي استلهمتها من حياتها في غرب أفريقيا، ورواية “موسم في ريهاتا” وهي تنفض في نهاية القرن العشرين على أرض أفريقية سحرية. أمّا رواية “سيجو” فقد رسخت قدميها كواحدة من أبرع كاتبات جزر الكاريبي، وتسرد فيها الأثر العنيف المكلل بالقسوة لتجارة العبيد، كما تتطرق إلى الإسلام والمسيحية واستعمار “الرجل الأبيض” من خلال عائلة ملكية من عام 1797 إلى عام 1860.

حضور عربي

لا تخلو القائمة من ممثلين عن الكوميديا، وهما الأفريكانية مارلين فان نيكيرك من جنوب أفريقيا، وألان مابانكو من جمهورية الكونغو، وهذا الأخير يكتب هجاء “لعوبا ومتوحشا” بلغة فرنسية يتلاعب بمفرداتها، مضيفا إليها كلمات أفريقية تناهت إليه طفلا صغيرا. تتراوح مواضيع مابانكو بين أزمة هوية يتعرض لها الأفريقي في بلاد النور إلى أبله نصب عليه أحدهم وباع له بدلة واسعة.

للعرب نصيب محترم في القائمة الحالية حيث تحوي اسما نسائيا عتيدا في الأدب العربي، اللبنانية هدى بركات المقيمة بباريس وصاحبة كتب “حجر الضحك” وأهل الهوى” وملكوت هذه الأرض”.

الفرونكفونية ماريز كونديه تترشح للجائزة لأول مرة

كما تتألق القائمة باسم الليبي إبراهيم الكوني الممثل لرمزية الصحراء العربية. الكوني طارقي كتب ما يربو على سبعين كتابا. تستلهم رواياته ثقافة الصحراء، مضيفة آفـاق إنـسانـية وشعرية إلى سرد البرية، ومدمجة إليها شبكة من الخبرات الأنثروبولوجية والفلسفية. وفي إطار تقنيات سردية متشابكة تسبر نصوصه ما في جعبة الصحراء من خير وشر، بندرتها الغذائية وقسوة أرضها، وأحيانا أهلها، وترنو بعين حكيمة إلى محاسن الرمال الصفراء المترامية من اتساع الروح وانفتاح على الوجود، هذا الأفق الفسيح، الحر وإنما المخيف. وأكثر ما يتحكم في أبطاله هو علاقتهم الحتمية بطبيعة الأرض التي تحملهم، أدواتها، قهرها، وحكمها الإلهي وإيمانها بالقضاء والقدر.

سوف يعلن اسم الفائز النهائي بلندن في التاسع عشر من مايو المقبل. ويذكر أن الكندية أليس مونرو فازت بالجائزة نفسها عام 2009، كما فاز بدورتها الثانية عام 2007 الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي، والكاتب الألباني إسماعيل قادري عام 2005 والأميركي فيليب روث عام 2011، وإن كان فوز الأخير محل جدل وخلاف بعد استقالة الناقدة الأسترالية كارمين كاليل اعتراضا على قرار اللجنة بمنحه الجائزة.

ومع كل هذه الأسماء الشهيرة التي حازت الجائزة من قبل صار من الواضح وجود اتجاه “للتوسع” وفقا لتعبير لجنة التحكيم من أجل الوقوع على كنوز أدبية من بقاع قصية من العالم. يعترف إدوين فرانك أنهم سيكونون مدّعين لو قالوا إنهم أرادوا سبر العالم بأسره، ولكنهم رغبوا في الانتباه إلى عالم الأدب الأوسع، “لقد وقفت على أشياء كثيرة عن كتاب لم أقرأ لهم قط، ولا سيما الكتاب العرب، وهم للأسف لم يترجموا بالقدر الكافي إلى الأنكليزية”.

15