هل تلهم الكآبة شعراءنا؟

الاثنين 2013/09/16

المعروف أن كتابا كبارا كان يعانون من أمراض مزمنة أو قاتلة، فبودلير كان مصابا بالسفلس، ودستويفسكي بالصرع، وتوماس مان بالسل، وألتوسير بالجنون، وبروست بالرّبو… ما جعل النقاد يتساءلون عن نوع العلاقة التي كان أولئك الكتاب يقيمونها مع أدوائهم، وعن علاقة العبقرية بالمرض، والنص بالجسد.

فالأمور تجري وكأن الأدب يواسي أولئك المرضى، والكلمات تخفف عنهم آلامهم، بإقامة حاجز منيع ضد ما كان كافكا يدعوه بـ "الدابة" فيما كان نيتشه يسميه "كلبه".

وقد تحدث النقاد والدارسون عن "أمراض الأدب القاتلة" دون أن يحسموا أصل تلك العلاقة لمعرفة ما إذا كان الأدب يسبب المرض أم أن المرض يلهم المبدعين.

وهذا ناقد آخر هو السويسري من أصل فرنسي جان ستاروبنسكي، المحاضر بالكوليج دو فرانس، الذي سبق أن وضع مؤلفات عن مونتاني وديدرو وروسو، يتناول المسألة من زاوية أخرى، زاوية التحليل النفسي، حول موضوع سبق أن طرحه في رسالته الجامعية "تاريخ علاج المالنخوليا"، ودرس أعراضها أثناء عمله بمصحة لوزانا للأمراض النفسية، في كتاب جديد بعنوان "حبر المالنخوليا"، (وهي كآبة مبهمة، سماها العرب بالسوداء أو السويداء، وعزوها إلى المرة السوداء مثلما كان شائعا عن نظرية الأخلاط الأربعة).

تناول فيه تلك الحالة النفسية التي تنتاب المرء ودورها في الإبداع الشعري. وقال إن الكلاسيكيــة كانــت تطمــح لإيجاد توازن بين مختلف مكونات طبيعــة الإنسان، ولكــن مــع ظهــور الرومانسيــة برزت فكــرة مفادهــا أن السعــادة العاجلــة مخــدِّرة، نتيجــة انزعاج الجمالية الرومانسية أمــام عالــم بــدأت تظهر فيــه هيمنــة التقنيــة على عنــاصـر الطبيعــة.

فالشاعر الرومانسي – حسب رأيه – لم يعد يثق في انسجام الكون، وأحس بنوع من التهميش إزاء حقائق المعرفة العلمية، مما ولّد لديه حاجــة إلى كلمة فاعلة مبدعة تقدّم ما هو غيـر موجـود، وتـواسي النفس الفزعــة.

استكشف الباحث في المالنخوليا وجهها المظلم وأعراضها المرضية، كالبطء والشعور بالذنب أو العجز، والإحساس بالفراغ، والانطواء، والقلق، وتدني الزاد اللغوي والتعبير، ولكن تمكن – بتتبع حركة الأفكار - من الوقوف على علاقة المالنخوليا بالعبقرية، وأنها مصدر أسمى مظاهر التعبير الفني والمسرحي وفنون القول عامة.

واستخلص أنه إذا كان الفن هو العلاج، فالمالنخوليا مرض لا يمكن للبشرية أن تستغني عنه.

هي مرض – نسميــه اليوم الانهيار العصبي – نريد علاجــه، وطاقة فكرية ينبغي على الشاعر أن يحتفي بهـا ويغذيهــا.

وليس من الصدفة – يضيف ستاروبنسكي – أن يختار بودلير عبارة "سبلين" الإنكليزية التي تشمل كل أوصاف تلك الحالة النفسية عنوانا لأحد دواوينه. فلا شعر في رأيه بغير ميلنخوليا، لأنها مصدر الخلق.

إذا سلمنا بهذا الرأي، فكيف نفسر تراجع الشعر في عموم الوطن العربي، والحال أننا – في هذا الظرف بالذات – أكثر شعوب الأرض قاطبة عرضة للمالنخوليا ؟

14