هل تمتلك تونس مقوّمات الاستفادة من السلام في ليبيا

استعادة تونس لمسار الدبلوماسية الاقتصادية ستعوض الإخفاقات السياسية.
الأربعاء 2021/02/24
محاولات لرسم شراكات مستقبلية ما بعد انفراج الأزمة الليبية

تعتبر تونس من الدول التي تحملت عبء الأزمة الليبية وكانت الأكثر تضررا من تداعيات الصراع الدائر فيها على مدى عشر سنوات وما نجم عنه من مخاطر إرهابية إضافة إلى تداعياته الوخيمة على اقتصادها بالنظر إلى خسارتها للسوق الليبية التي تعتمد بشكل كبير على العمالة التونسية. وبعد مضي الفرقاء الليبيين في مسار التسوية، يتساءل متابعون عن قدرة تونس، التي لم تكن حاضرة وذات تأثير فعلي زمن الصراع، في أن تكون ضمن صدارة المستفيدين من أيام السلم في ليبيا.

تونس – شكّل لقاء المصالحة بين الليبيين خلال التصويت في جنيف على ممثلي السلطة التنفيذية المؤقتة بارقة أمل للجارة تونس، خاصة لأطراف وقطاعات تعتبر ليبيا مصدر رزق لها بدءا بمنطقة الجنوب الشرقي، وصولا إلى القطاع الفلاحي ومصانع المواد الغذائيّة وقطاع الخدمات والصحة.

وتحقّق في الأشهر الماضية تقدم سياسي “ملموس”، وفق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تمثل بحوار ليبي – ليبي في سويسرا والمغرب وتونس ومصر، أثمر مؤخرا عن اختيار رئيس حكومة ومجلس رئاسي جديد، وترافق مع انتعاش إنتاج قطاع النفط الحيوي للاقتصاد الليبي.

وتتباين الآراء بخصوص قدرة تونس على التقاط فرصة السلام في ليبيا واستثمارها في تحقيق مكاسب اقتصادية خاصة في ظل ما تعانيه من ركود وتراجع مؤشرات النمو.

وفيما ترى أصوات أن التردد التونسي إبان الأزمة وانتهاجها الحياد السلبي أضاع عليها الفرصة لصالح القوى الإقليمية التي تتنافس لتقاسم الثورة الليبية، تذهب أصوات أخرى بالقول إن استفادة تونس قطعية نظرا لطبيعة العلاقات الثنائية القوية بين الجانبين سياسيا وشعبيا.

فرصة ثمينة

مزايا السلام بين البلدين تفوق الجانب الاقتصادي وهي مسالة استراتيجية
مزايا السلام بين البلدين تفوق الجانب الاقتصادي وهي مسالة استراتيجية

يؤكد متابعون أن تونس ستستفيد من ليبيا في زمن السلم أكثر من أيام الحرب، حيث سيخفف الاستقرار الضغط على أجهزة الأمن والجيش التونسيين اللذين يجندان موارد كبيرة لتأمين الحدود البرية والبحرية مع ليبيا. ويمكن لهذه الموارد تصريفها في قطاعات اجتماعية أو بنى تحتية هي أولى بها.

ويرى أحمد ونيس وزير الخارجية السابق في حديثه لـ”العرب”، أن “تونس ستستفيد قطعا من عودة السلام إلى ليبيا”. لافتا إلى أن مزايا السلام تفوق الجانب الاقتصادي وهي مسالة استراتيجية.

ورغم ما تعرضت له الدبلوماسية التونسية من انتقادات بسبب حضورها الضعيف في الملف الليبي الذي اكتفى بدور الوسيط المحايد، إلا أن ونيس يؤكد على المساهمة التونسية الكبيرة في الأزمة.

أحمد ونيس: تونس سوف تستفيد قطعا من عودة السلام إلى ليبيا
أحمد ونيس: تونس سوف تستفيد قطعا من عودة السلام إلى ليبيا

ويقول ونيس إن تونس لم تكن محايدة، بل كانت محايدة بشكل إيجابي، وكانت تنصح الفرقاء الليبيين بعدم الاحتكام للتبعية نحو الدول الأجنبية والالتفاف حول قرار داخلي لتجنب تأثيرات التدخل الخارجي. كما أنها لم تقف متفرجة على الأزمة، بل تحركت واستضافت حوارات ومازالت ستستضيف الليبيين على أرضها في حوارات أخرى.

ويعتقد الدبلوماسي التونسي السابق أن تنشيط العلاقات الاقتصادية من الخيارات الطبيعية بين البلدين، فالاقتصادان التونسي والليبي يكملان بعضهما البعض خاصة في اليد العاملة والمواد الزراعية.

وتتسق وجهة نظر ونيس مع آراء الكثير من خبراء الاقتصاد والمتابعين الذي ينظرون بتفاؤل لمستقبل العلاقات بين البلدين. وحسب هؤلاء يعني استقرار الوضع في ليبيا أن تفتح الحدود البرية مجددا بين البلدين، وأن تنطلق حركة مرور البضائع والبشر في الاتجاهين ما من شأنه أن ينعش الحركة التجارية.

كما لا يخفى على أحد الارتباط الاقتصادي والإنساني الوثيق بين البلدين. فمدن الغرب الليبي تعتمد كثيرا على المنتجات الغذائية التونسية، بعدما أدت الحرب الأهلية إلى إغلاق جل المصانع في طرابلس والزاوية وزوارة ومدن أخرى.

وستتيح إعادة إعمار ليبيا الفرصة أيضا لمصانع الإسمنت ومواد البناء التونسية الأخرى بتصريف منتجاتها، ويعني ذلك أن معدلات البطالة العالية في تونس يمكن أن تنخفض في حال فتحت الحدود أمام العمالة التونسية للعمل في ورشات البناء والصيانة وحتى في المزارع.

بالمقابل فإن استتباب الأمن في الغرب الليبي سيشجع سكان تلك المناطق على زيارة تونس للسياحة أو التسوق، خاصة في مناطق بنقردان ورمادة وتطاوين وجربة. وهذا يعني عودة ازدهار بعض الأعمال، كما أن جمارك تونس في المعبرين الحدوديين رأس جدير والذهيبة/ وازن ستستفيد من الضرائب المفروضة على عبور العربات والبضائع.

تفاؤل حذر

ارتباط الاقتصادي وإنساني وثيق بين تونس وليبيا
ارتباط الاقتصادي وإنساني وثيق بين تونس وليبيا

مع ذلك ورغم ما تبديه هذه الأصوات من تفاؤل، إلا أن حظوظ تونس في الاستفادة من عودة الاستقرار في ليبيا محدودة بالنظر إلى هيمنة القوى الإقليمية التي باتت ذات تأثير في القرار الليبي والتي ستكون لها الكلمة في ملف الإعمار والمبادلات الاقتصادية.

وتحولت ليبيا في سنوات الحرب إلى ساحة صراع للميليشيات المسلحة المتنافسة على السلطة، والتي تقف وراءها أطراف خارجية مثل تركيا التي دخلت على خط الصراع بدعمها حكومة الوفاق بالعتاد والسلاح والمرتزقة، وعملت على التحريض ضد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الذي خاض حربا لتحرير البلاد من الإرهاب والميليشيات المسلحة.

ويلفت متابعون إلى أن الدبلوماسية التونسية كانت مرتكبة إزاء أطراف الصراع الليبي، مشيرين إلى أن عدم انفتاحها على جميع القوى الوازنة بالملف الليبي وحضورها الضعيف يعيقان طموحها الاقتصادي مع الدولة الجارة.

ويشير عزالدين عقيل المحلل السياسي الليبي لـ”العرب” إلى أن الهيمنة الغربية على ليبيا ستترجمها إلى مصالح اقتصادية وقال إن “هيمنة هذه القوى على القرار الليبي واستمرار تعيينها للحكومات هدفهما السيطرة على البلاد لتحقيق طموحاتها الاقتصادية بدرجة أولى”.

عزالدين عقيل: انفتاح تونس على القوى المهيمنة على اقتصاد ليبيا مهم
عزالدين عقيل: انفتاح تونس على القوى المهيمنة على اقتصاد ليبيا مهم

وبرأيه فإن الدول التي يسيطر عليها التحالف الأنجوسكسوني وهي الولايات المتحدة وبريطانيا أو حتى الدول الفرانكفونية مثل فرنسا سيكون لها دور كبير للسيطرة على عملية إعادة الإعمار والاستحواذ على العقود. ولا يستبعد أن تفاوض هذه الدول تركيا والصين في عملية الإعمار، وهو ما من شأنه أن يقلل فرص تونس.

وفيما ستتسابق القوى الإقليمية في تقاسم “كعكة الإعمار”، يتساءل عقيل إلى أي مدى بوسع تونس أن تلبي معايير هذه الدول، وإلى أي مدى أيضا ستكون تونس منفتحة على الدول المهيمنة على ليبيا حتى لا يقع تجاهلها في مشاريع الإعمار؟

ويعتقد عقيل أنه من حق تونس التي تحملت أعباء كبيرة جراء الأزمة الليبية أن تكون شريكا اقتصاديا في هذه المرحلة خاصة أن الليبيين أنفسهم يكنون الامتنان تجاه تونس التي ساندتهم واحتضنتهم في أيام الحرب.

وحسب إحصائيات سابقة للسفارة الليبية في تونس، فإن عدد الليبيين المقيمين في تونس يفوق سبعة آلاف ليبي، حيث توافدوا إلى البلاد مع انطلاق شرارة ثورة فبراير 2011.

واستدرك عقيل “للأسف القرار لن يكون بيد الليبيين لذلك فإن تونس بحاجة إلى الانفتاح على القوى التي ستكون مسيطرة على الاقتصاد الليبي”. معلقا “يجب أن لا تضيع تونس هذه الفرصة”.

وفيما سيكون التعاون بين المناطق الحدودية أمرا مفروغا منه. يلفت عقيل إلى أن إقامة منطقة حرة بين تونس وليبيا سيسمح لها بتوريد ما يلزم لتمويل المشاريع في ليبيا وهو ما سيجعلها نقطة تنافس لعدد كبير من الدول، التي لا تملك هذه الفرصة بتأسيس مناطق ضخمة معفاة من الجمارك لتجميع السلع لليبيا مستفيدة من القرب الجغرافي. ويؤكد أن “كل هذا يحتاج إلى استعداد قوي من الدولة التونسية”.

دبلوماسية قوية

تذهب أوساط سياسية بالاستنتاج أن استفادة تونس من حالة الانتعاش الاقتصادي والسياسي في ليبيا عقب المحادثات السياسية الأخيرة يحتاج إلى دبلوماسية قوية.

ويرى مصطفى عبدالكبير المحلل المختص في شأن الليبي في تصريح لـ”العرب” أن تونس أضاعت البوصلة في الملف الليبي وهي ليست قادرة على تصويبها وإصلاح ما أفسدته سنوات الحرب، ولتجاوز ذلك فهي تحتاج هيئة مختصة موسعة تشرف على الملف الليبي.

مصطفى عبدالكبير: تونس أضاعت بوصلتها بملف ليبيا ويصعب تعديلها
مصطفى عبدالكبير: تونس أضاعت بوصلتها بملف ليبيا ويصعب تعديلها

ويصف اتفاق جنيف الأخير بمثابة نقطة ضوء في العتمة وأن حكومة عبدالحميد الدبيبة لو كتب لها الخروج إلى النور هي حكومة إعادة قطار الاقتصاد الليبي إلى سكته، فهي حكومة إعادة الإعمار وحكومة عودة الروح إلى الدولة الليبية المنهارة والمفككة.

وأبدى عبدالكبير أمله في عودة الحركة الاقتصادية بين البلدين وعودة العمالة التونسية إلى السوق الليبية التي ستشكل تغيرا نوعيا مباشرا وحقنة هامة تبث الحيوية في جسد الاقتصاد التونسي الذي يعاني من الركود.

لكن تحقيق كل ذلك يحتاج إلى دبلوماسية قوية نشيطة وفاعلة تكون مسنودة من الدولة إضافة إلى ربط علاقات واسعة وحسن توظيف كل ما هو مشترك بين البلدين مع وضع خطة استراتيجية واضحة تعمل على المحافظة على مصالحنا مع ليبيا.

ويقول الناشط السياسي التونسي إنه “بالعودة إلى فشل الحكومة التونسية في كسب ثقة الشعب التونسي بعجزها عن إدارة الأزمات الداخلية فإن ذلك من شأنه أن يؤثر على فرض إرادتنا على دول العالم من ذلك في ليبيا”.

وألقت مرحلة الانتقال الديمقراطي الصعبة بضلالها سلبا على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، كما كانت لها تداعيات سلبية على سياساتها الخارجية في ظل غياب الاستقرار الحكومي وهو ما قاد في النهاية إلى ارتباك في التعاطي مع الملف الليبي.

7