هل تمثل داعش صورة الإسلام الحقيقي

الجمعة 2014/08/29

كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن أن “داعش” تمثل صورة الإسلام الحقيقي، وتم الترويج لهذه الفكرة ليس من قبل بسطاء الناس، وإنما أيضا من قبل بعض المثقفين، وكادت أن تصبح حقيقة غير قابلة للنقاش والجدل والمسّ بها. وإذا شئنا أن نطلق اسما على هذه القوة العدمية الخرافية لا نجد إلا مصطلح “الثورة المضادة”، كونها تمددت وانتشرت بسرعة قياسية، هذه “الداعش” التي تعتمد على “المتخيل الجماعي”- وفق تعبير المفكر محمد أركون- الذي يتغذى من التصورات الأسطورية والخرافية الموروثة من الماضي من أجل تجنيد شباب ملقى على قارعة الطريق ومهمل من قبل الأنظمة، قراءتها للنص الديني لا تعدو كونها قراءة أيديولوجية جامدة تنتزع بعض الآيات من سياقها التاريخي، دون أن تعي ظروف شكل وتبلور هذا النص، ولا يعنيها ذلك لأن الهدف من هذا الاقتباس هو توظيف المقدس والديني لغايات سلطوية محضة.

وبالتالي فإن ظروف انتشارها تفسره ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية، أكثر من كونها ظروفا نابعة من صورة الإسلام المتزمت الذي اعتبره بعض المثقفين المسؤول الأول عن المشاكل، وبذلك تكون قد تطابقت هذه الفكرة مع النظرة الثقافوية، التي طالما اعتبرت الإسلام خصمها الأول، فيما المسؤول الأول عن هذه الرؤية النمطية قوتان متمثلتان في الغرب وأنظمة الاستبداد.

ومن غير المعقول ولا المنطقي اعتبار أن تمدد “داعش” حصل خلال الفترة الزمنية التي تلت اندلاع الثورات الشعبية، بينما يعود جذر المسألة إلى الفترة التاريخية التي أعقبت انهيار الثنائية القطبية وتفرد الولايات المتحدة الأميركية وتحكّمها في العالم، ثم أتت أحداث 11 سبتمبر 2001 التي أنتجت شعار الحرب على الإرهاب لتفاقم الوضع، ولتكون ذريعة للتدخل في شؤون البلاد ولنشر جيوشها في العالم، وبطبيعة الحال كان لابد من خطاب فكري ثقافي تسويغي تضليلي يرافق استراتيجية الهيمنة، ويضفي شرعية على توسع القوة الإمبراطورية، ومن بين أهم النظريات التي راجت هي صراع الحضارات لصامويل هنتنغتون، وكان الهدف منها إلقاء المسؤولية على قوى الشر المتمثلة في ما سمّي آنذاك “الإسلام المتخلف الإرهابي”.

وفي الحقيقة لم تكن هذه النظرية سوى ملهاة لتحويل الأنظار عن القضايا الوضعية، وللتعمية عن التناقضات الأساسية التي تحرك التاريخ، لتنقل الصراع من أرضية الصراع السياسي إلى الأرضية الثقافية، وكأن الصراع هو صراع ثقافات وأديان. وكان من الطبيعي، أن يثير هكذا خطاب ردود فعل تنطلق من مواجهتها للهيمنة من موقع النظرة الثقافوية ذاتها، وبذلك يتطابق الخطابان الاستعماري والثقافوي ليغذيا أوهام الخصوصية والانغلاق.

أما أنظمة الاستبداد فإن مسؤوليتها لا تقل عن مسؤولية الخارج ودوره، هذه الأنظمة دعمت الأصوليات ونشرت الفكر المتشدد لتحاصر الشيوعيين سابقا، فضلا عن سياساتها التفقيرية والقمعية التي انتهجتها، الأمر الذي أفضى إلى استثارة ردود فعل ونقمة ذات طابع ديني.

من يسعى إلى ردّ أسباب انتشار الإسلام السياسي للشريعة والقرآن يكون مخطئا، ويلتف عن ذكر الأسباب الحقيقية وهي بالأساس دنيوية وليست دينية، مثل الاحتلال والاستيطان في فلسطين، والتهميش الاجتماعي العميق، والتوزيع غير العادل للثروات، إضافة إلى انهيار المشاريع الماركسية والقومية والليبرالية التي خلقت فراغا ملأه الإسلام السياسي.

هذا هو السياق التاريخي الذي سهّل انتشار الإسلام السياسي، وداعش هي ابنة شرعية لهذا المسار. مسار الحركات السلفية الظلامية التكفيرية الذي كان من أبرز منظريه سيد قطب، الذي لعب دورا بارزا في التعبئة “النيوسلفية”، وكان من المؤسسين لسلفية جديدة تميزت عن سابقاتها بمنزع جهادي، في الوقت الذي جرى فيه تهميش الإسلام المتنور الذي فتح باب الاجتهاد، واعتمد على المنهج التاريخي العقلاني في قراءته للنص الديني، وخير مثال على ذلك كل مفكري ومثقفي عصر النهضة التنويريين، أمثال محمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي، وصولا إلى علي عبدالرازق الذي كان لكتابه المفتاحي والهام “الإسلام وأصول الحكم” صدى واسع، فضلا عن كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين الذي اعتبر أن المشكلة ليست في الدين ذاته، وإنما في الدين حين يصبح أداة من أدوات السلطة.

كما جرى دعم الإسلام السياسي سابقا، يجري دعم “داعش” حاليا، لتعيق تقدم الثورات واستمرارها، ومع ذلك تبقى داعش مجرد ظاهرة عابرة وطارئة يعتبر تمددها مرحلة طبيعية ضمن مسار صيرورة ثورية وعملية تاريخية من شأنها فتح الطريق أمام التصور الحديث لزمن مفتوح غير مقيد، يشبه إلى حد كبير مسار كل ثورات العالم التي عانت من ويلات الحروب الدينية المديدة، ومن إرهاب محاكم التفتيش التي ارتكبت الفظائع باسم الدين، بيد أنها كانت بمثابة مقدمة لإصلاح ديني ولعصر الأنوار اللذين مهدا لاندلاع الثورة الفرنسية.

يفرض تحدي داعش علينا المصالحة مع المشروع النهضوي، وبناء وعي قادر على مجابهة الواقع الراهن، وصياغة بديل تقدمي عقلاني ديمقراطي، يكون بمثابة كتلة تاريخية تضع نصب أعينها مشروع النضال على أرضية رهانات حقيقية، بدل نقل الصراع إلى سماء الأوهام الثقافوية، التي لا تخدم إلا مصالح الغرب وأنظمة الاستبداد.


كاتبة سورية

8