هل تمنع الصور الصحفية الحرب في لبنان

الأربعاء 2013/09/25
الزوار تأثروا بشدة من هول الخراب الذي التقطته عدسات المصورين

بيروت- أتاح معرض فني لستة مصورين صحفيين لبنانيين أن ينفضوا الغبار عن صورهم التي تعود إلى حقبة الثمانينات، عندما أرّخوا بكاميراتهم وقائع الحرب التي شهدها لبنان، فرافقوا المحاربين في معاركهم واستراحاتهم، ورصدوا الخراب والموت، وسجلوا المآسي، كما أوقات الفرح والحياة المناقضة للمشهد الذي كان سائداً.

لقطاتهم تحمل حنينا مهنياً لفترة من الحرب اللبنانية شهدت أشد المعارك وأعنفها، لكنها تنطوي على رفض «لتكرار هذه التجربة» السوداء التي عاناها لبنان.

وأقيم جناح «جيل الحرب» ضمن معرض «سوق بيروت للفن» في مجمع «بيال» في وسط العاصمة اللبنانية، وعرضت فيه صور من الأرشيف الخاص لكل من المصورين الستة باتريك باز وروجيه مكرزل وجاك دبغيان وجورج عازار وسامر معضاد والين مانوكيان، التقطوها خلال مهامهم الصحفية.

وقالت الفنانة اللبنانية كاتيا طرابلسي، صاحبة المبادرة في إقامة المعرض، إن أصحاب هذه اللقطات «مصورون جريئون التقطوا لحظات مدهشة عندما كانوا في العشرينات من أعمارهم».

وأضافت «كانت الكاميرا سلاحهم الوحيد. الصور الصحفية قصة حياة شكلتها مجموعة من القصص الصغيرة، هي قصتهم، هي قصتنا نحن، قصة الذين عايشوا الحرب ومن ثمة نجد أنفسنا معنيين بهذه الصور. هي صور صحفية باتت قطعا فنية وعاطفية».

ولاحظت أن هذه الصور تمثل «لحظات واقعية وإنسانية»، وعرضها مفيد «لكي لا تتكرر التجربة ويرتكب الجيل الجديد أخطاء من سبقوه».

وشددت على «أن المعرض تحية لهؤلاء المصورين الذين أعطونا جزءا من التاريخ بفضل مخاطرتهم بحياتهم».

وعن اختيار صور المعرض قالت طرابلسي «لم أشأ أن تظهر فيها جثث وقتلى ودماء، بل أردت أن أظهر الحياة خلال الحرب (…) إنها صور ناعمة وشاعرية وجميلة وفنية، بإطارها وبإضاءتها وبموضوعها، وفي الوقت عينه هي عنيفة وذاتية».

أما عرابة المعرض الصحفية الفرنسية مارين جاكمان، التي غطت الحرب اللبنانية لحساب محطة «تي اف 1» الفرنسية، فقالت «فريقي تقطع أمام عيني بسبب قذيفة دبابة، وكنت شاهدة على انفجار شاحنة مفخخة في الجنوب، لكن هؤلاء المصورين الذين كانت الحرب خبزهم اليومي، علموني الكثير بفضل جرأتهم وروحهم المرحة».

وقالت «أردت أن أغطي الحروب في العالم كله لأني اكتشفت شحنة إنسانية كبيرة في الحرب اللبنانية. لم أعش مشاعر قوية من الحب والصداقة، من الفرح والخوف كما عشت في لبنان. هنا لديكم طريقتكم الخاصة للتعاطي مع الموت الذي يهددكم باستمرار».

وتحت عنوان «البقاء على قيد الحياة»، عرضت سبع صور لرئيس قسم التصوير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وكالة فرانس برس باتريك باز. طائرة محطمة في مطار بيروت قبل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982، وخمسة عازفين من فرقة فرنسية يعزفون قرب متاريس المقاتلين لتصوير فيديو كليب، وشبيه لبناني لشخصية رامبو السينمائية الأميركية، يحمل مدفعاً رشاشاً، ومقاتل يحرس منحدرات التزلج، وصورة رومانسية لثنائي يجتاز ساحة الشهداء بين أشلاء الأبنية. واعتبر باز أن «تصوير الحرب مدمر بالنسبة إلى المصور الصحفي، ولكن في إمكانه أن يلتقط صوراً لكل ما يحيط به، وليس بالضرورة أن يحصر نفسه في الصور الحربية».

وأضاف «لقد نشأت في الحرب وهي في عروقي. وعلى مدى 30 عاما غطيت الحروب والنزاعات في بلدان مختلفة».

وقال باز «عملنا ذاتي لا موضوعية فيه. القصة التي يختارها المصور مقترنة بخلفيته وثقافته، واللحظة التي يختارها مرتبطة باللحظة التي يعيشها. أما أن تكون محايدا فهذا أمر آخر. عندما تغطي صراعا تكون محايدا ولكن لا مجال لأن تكون موضوعيا».

وانتشرت صور الين مانوكيان الثماني مقابل صور باز، وأبرزها صورة لعائلة منزلها مهدم، وأخرى عن امرأة تمشي أمام ملصق لفيلم سينمائي في العام 1988 في شارع الحمرا، حيث كانت الأفلام الإباحية والبوليسية هي الرائجة، وصورة أخرى لمقاتلين في طرابلس وأخرى عن استراحة لمقاتلين أحدهم يحمل قطة بيضاء.

"عندما تغطي صراعا تكون محايدا ولكن لا مجال لأن تكون موضوعيا"

وألين مانوكيان التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها، كانت تعمل لحساب صحيفة «ديلي ستار» اللبنانية في العام 1983.

وقالت «كان من الصعب علي أن أعود إلى صور هذه الفترة. فأنا أحاول أن أنسى وأن أعيش بطريقة عادية قدر الإمكان. كنت شابة ثائرة ككل المراهقين. كنت أريد أن أحارب العنف على طريقتي وأن أقف ضد الحرب، فجدت ذلك في التصوير».

وأضافت «خلال الحرب لم يكن لدي أي انتماء سياسي وفي نظري أن الضحية ضحية، وكل من حمل بندقية هو عدوي لأنه يسبب العنف». أما جاك دبغيان الذي اعتزل العمل الصحفي في العام 2006 بعدما كان مراسلا لوكالة أجنبية، فقدم تسع صور بالأبيض والأسود منها صورة لبيروت من خلال فجوة صغيرة في الجدار كأنها نظرة قناص، وأخرى لسيارة مسرعة تحمل تابوتا أبيض في صندوقها.

وفوجئ دبغيان برد فعل زوار المعرض حيال الصور، إذ لاحظ أنهم «يدخلون مبتسمين وفجاة تتغير ملامحهم، ونرى أصابع تتوجه إلى هذه الصورة أو تلك، ونشاهد أهلاً يشرحون لأولادهم لقطة أخرى يجدون أنفسهم فيها».

وعرضت ثماني صور لجورج عازار، المصور اللبناني الأميركي الذي ولد في فيلادلفيا وعمل في وكالات إعلامية عدة. وتنقل صور عازار أجواء المخيمات الفلسطينية في الثمانينات، وبينها صور تمثل أطفالا يحملون السلاح. وقال عازار: «كنت أتابع الحرب من مكان إقامتي في الولايات المتحدة وكنت أجدها غير واضحة، فحزمت حقائبي وأردت أن أرى الحرب عن كثب». وروى «كنت أمشي في الشارع وألتقط صور المحاربين والناس في الأزقة. مهمتي كانت أن أنقل الجانب الإنساني وقصة الإنسان في ظل ظروف صعبة ومزعجة».

ولسامر معضاد، عشرات الصور من المرحلة إياها، بالأبيض والأسود. وقال معضاد «صورت واقع المدينة، والوجه الآخر للحرب، أي الحياة الطبيعية».

وتناول تجربته ككاتب ومصور واعتبر أن الصور المشاركة في المعرض «لها قيمة فنية ووثائقية». ورأى أن الفوضى التي تخلقها الحرب الأهلية «فيها جمالية».

18