هل تمهد حملة الحكومة المصرية على المعارضة لقرارات صعبة

معركة تكسير العظام بين النظام المصري والشباب والمعارضة عموما، تحمل أبعادا تبدو مرتبطة بحديث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن خطورة "العدو الداخلي".
الاثنين 2018/10/15
الرئيس لم يصغ بعد إلى مطالب الشباب
 

تكشف خطوات التضييق على الحريات في مصر عن مساعي النظام تكميم الأفواه المعارضة مقابل تمرير قوانين سياسية واقتصادية قاسية تراه الحكومة ضرورة للنهوض بالاقتصاد المتردي، وتوقع مراقبون أن تذهب الحكومة نحو إقرار تعديلات دستورية تمدد ولاية الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، في حين قد تسهم المعركة على السلطة في اتساع الفجوة بين النظام والشباب الذي هُمّش منذ ثورة يناير 2011.

القاهرة- تخشى بعض الدوائر السياسية في مصر، أن تكون خطوات تضييق الحريات على قوى المعارضة، تتجاوز الحدود التي تعلنها الحكومة من وقت لآخر، لتبلغ درجة التحقيق معهم ومعاقبتهم وفقا للقانون، على جرائم وأفعال ارتكبت تخلُّ بالنظام العام.

وخلقت عمليات التحقيق والاعتقال التدريجية التي جرت خلال الفترة الماضية لقوى معارضة انطباعات تشي بأن ما تقوم به الحكومة حاليا، بعد تماديها في التضييق، يرمي إلى تمرير قرارات سياسية واقتصادية، دون صخب سياسي يمكن استثماره لتأجيج غضب الشارع المصري.

وذهبت بعض التقديرات إلى أن هناك استعدادات تجري حاليا لتعديل الدستور، بما يضمن تمديد مدة ولاية الرئيس لأكثر من أربعة أعوام، فضلا عن تعديل بنود أخرى، وهو ما يجعل الحكومة تسرف في حصار المعارضة، لضمان تمرير هذه الخطوة بعد ضمان إحكام السيطرة على البرلمان.

وتبقى خطوة ضمان عدم التعرّض لانتقادات خارجية- دولية لتغيير الدستور، وهو ما تسعى الحكومة المصرية إلى العمل عليه، حتى لا يحدث هذا التصرف انتقادا سياسيا يزعج القاهرة، التي التقطت إشارات توحي بعدم الممانعة، طالما جرى تمرير ذلك بصورة قانونية وبقبول ورضاء من الشارع المصري.

ويشبه البعض ما يجري الآن تدريجيا، بالخطوة المفاجئة التي اتخذها الرئيس الأسبق أنور السادات مع معارضيه، عندما اعتقل المئات منهم ووضعهم بالسجن في سبتمبر 1981، وشملت الاعتقالات، صحافيون وكتّاب ورجال دين، وسياسيون من شتى الأطياف، بعد أن ضاق ذرعا بانتقاداتهم لاتفاقية السلام مع إسرائيل، والتحفظ على توجهاته السياسية وخطواته الاقتصادية، ما أدى في النهاية إلى التخلص من السادات.

ويعي النظام الحاكم جميع التجارب والخبرات السابقة، ويتعمد البعض من رموزه الإشارة دوما إلى صعوبة تكرار ما حدث من قبل في أي وقت، من خلال اتخاذ مجموعة كبيرة من الخطوات الاحترازية بدرجة مبالغ فيها. وحاولت “العرب” التواصل مع ثلاثة من المثقفين الكبار، وجميعهم رفضوا أو اعتذروا عن الإدلاء بتصريحات حول التصورات والتصرفات التي تقوم بها الحكومة، بذريعة عدم الدخول في مشكلات مع الحكومة لا قبل لهم بها.

وتوحي مساعي الحكومة المصرية إلى تقليم أظافر ما تبقى من شباب ثورة 25 يناير 2011، أنها تضع الخصوم السياسيين لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، في قالب واحد، فلا فارق بين إخوان ومعارضة ومن قادوا الحراك الثوري ضد نظام حسني مبارك، باعتبار أنهم أكثر الأطراف التي قد تتصدى لأي تعديلات مستقبلية تتعلق بنظام الحكم.

استهداف المعارضة

ثورة يناير كانت علاجا خاطئا لتشخيص خاطئ
ثورة يناير كانت علاجا خاطئا لتشخيص خاطئ

يرتبط هذا الشعور بإعادة الحكومة فتح ملفات وقضايا قديمة لبعض شباب الثورة ومعارضين بارزين ومناصرين للإخوان، وجميعها تتداخل مع تنظيم الجماعة أو تتلامس معها، للحيلولة دون وجود تعاطف شعبي معهم، والإيحاء بأن أهداف كل هذه الأطراف كانت وما تزال مشتركة، بشكل يمنح الحكومة فرصة التخلص التدريجي منهم.

واعتقلت أجهزة الأمن، السبت، مصطفى النجار، البرلماني السابق وأحد أبرز شباب ثورة يناير، لتنفيذ الحكم القضائي الصادر ضده بالحبس 3 سنوات في قضية إهانة القضاء، وهي ذات القضية التي يحاكم فيها الرئيس الأسبق محمد مرسي و18 آخرين أكثرهم من كوادر الإخوان.

ويضاف النجار، إلى قائمة من الشباب الذين يحاكمون بتهم مختلفة، تتعلق بخرق قانون التظاهر، والقيام بأحداث حرق لمنشآت إبان أحداث الثورة، وتشويه صورة المؤسسة العسكرية، وبينهم شادي الغزالي حرب الذي اعتقل منذ شهور بتهمة نشر أخبار كاذبة على “فيسبوك” و”تويتر”.

وتمثّل إدانات الإخوان المتكررة لاستهداف الشخصيات المعارضة، بعد كل واقعة اعتقال، فرصة ثمينة للنظام لتسويق نفسه أمام الرأي العام، والظهور بصورة المحارب لكل من يفكر في عقد صفقات مع الجماعة الإرهابية التي تحاول العودة إلى المشهد مجددا، بعدما سبق وساعدتهم ثورة يناير في الخروج من جحورهم، وهي الفاتورة التي ما زال يدفعها شباب الثورة.

وتحمل معركة تكسير العظام بين النظام والشباب والمعارضة عموما، أبعادا تبدو مرتبطة بحديث السيسي عن خطورة “العدو الداخلي”، حيث قال الخميس في الندوة التثقيفية التي عقدتها الشؤون المعنوية بالجيش المصري “العدو الحقيقي موجود في الداخل”، وذكر بعدها أن “ثورة يناير كانت علاجا خاطئا لتشخيص خاطئ”.

ويقول البعض من المعارضين، إن تلميحات السيسي عن عدو الداخل قد تفتح الباب على مصراعيه لمزيد من الاعتقالات لرموز سياسية تشكل، من وجهة نظر الحكومة خطرا على الدولة المصرية، وهي عبارة مطاطة.

ويرى هؤلاء، أنه من الواضح أن الفئة المقصودة، ليسوا الإرهابيين الذين يحملون السلاح، بل الذين يتناغمون في الفكر والأهداف المعارضة وآلية مواجهة النظام، لا سيما وأن خطابه (أي السيسي) عن الإرهاب خلال الآونة الأخيرة، بدأ يأخذ منحى التهميش، لشعوره بأن التعاطف الشعبي مع الحكومة في هذا الملف تراجع إلى حدّ بعيد.

وتدرك الدائرة المحيطة بالرئيس المصري، أن إحكام قبضة النظام على زمام الأمور تتطلّب التخلّص من عناصر دائرة التوتر التي تتشكل من شباب الثورة والمعارضة والشخصيات التي تريد أن تنافسه على الحكم مستقبلا.

وقالت أميرة العادلي، وهي من بين شباب ثورة يناير لـ”العرب”، “إذا كانت الثورة على مبارك علاجا خاطئا، فإن ثورة الجيش عام 1952 ضد النظام الملكي كانت أيضا كذلك”.

وتابعت “استمرار القطيعة بين النظام والشباب والمعارضة هو بمثابة الخطر.. فالطرفان لا يتحدثان مع بعضهما، والمسافات بينهما شاسعة، نحن نريد سماع وجهات نظرنا، ولا أحد من شباب الثورة يريد إسقاط النظام مرة أخرى”.

وأضافت العادلي التي كانت تحضر جلسات المجلس العسكري مع شباب الثورة “لا يمكن التعامل مع كل الشباب باعتبارهم داعمين للمعارضة والإخوان، فهناك من يتعاطف مع الجماعة بالفعل، وهؤلاء مرفوض التصالح معهم، وآخرون لهم مطالب قاصرة على فتح المجال العام وإتاحة الفرصة أمام الأحزاب للقيام بدورها حتى لا يلجأ الشباب إلى تنظيمات سريعة تستغلها التيارات الإسلامية المتشدّدة”.

وربما يرتبط العداء بين دائرة السيسي وشباب الثورة والمعارضة بأن أكثر العناصر في الحكومة ذات خلفيات عسكرية، التي لا تقبل بفكرة إعادة الماضي أو ظهور أشخاص مدنيين يمارسون أدوارا أو يدعمون من كوادر مطروحة ضمن ترتيبات مستقبلية تتعلق بالحكم.

تصفية حسابات

مواقف سياسية هدامة
مواقف سياسية هدامة

يرى مراقبون، أن استمرار فتح الملفات القديمة مع شباب الثورة قد يكون مرتبطا بشقين، الأول أن هناك ثأرا قديما للمؤسسة العسكرية معهم، حينما كانت تدير البلاد عقب تنحّي مبارك، وعمد بعضهم تشويه صورة الجيش والتحريض ضده ومحاولة كسر هيبته بهتاف “يسقط حكم العسكر”، واتهامه بقتل متظاهرين.

وكان السيسي آنذاك، رئيسا للمخابرات الحربية وعضوا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة التي أدارت البلاد، والتقى شباب الثورة مرارا، ما يعني أنه اقترب من أفكارهم وانتماءاتهم السياسية وأهدافهم ومدى تلاحمهم مع التيارات الإسلامية، للضغط على المؤسسة العسكرية للانسحاب من المشهد في أقرب وقت.

ويعزز فكرة الثأر، أن أكثر شباب الثورة الذين يحاكمون، أو أدينوا بأحكام نهائية، لم تشملهم قرارات العفو الرئاسي، أو يدرجون ضمن الأسماء التي توافق عليها الجهات الأمنية قبل إرسالها للسيسي للتصديق على خروجهم من السجون، وكثيرا ما يقول أعضاء لجنة العفو، إن الشروط لا تنطبق عليهم.

وقالت العادلي، وهي عضو اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب، إن “أكثر الشباب لا يكنّون العداء للنظام، ولا يسعون إلى هدم مؤسسات الدولة، لكن يجب على دوائر الحكم أن تتعامل مع الإفراج عن المحبوسين البعيدين عن الإخوان، باعتبارهم خطوة مهمة لإعادة العلاقة مع النظام بشكل متوازن، وغير مقبول أن يتم التعامل مع كل الشباب باعتبار أنهم ضد الدولة”.

ويرتبط الشق الآخر، بأن السيسي نفسه، يعتبر ثورة يناير مؤامرة على الدولة المصرية، فهو الذي قال أمام المؤتمر الوطني للشباب في أبريل 2017، إنها (أي الثورة) كانت تهدف إلى إعلان شيء ما (لم يسمه)، وكادت تؤدي إلى أن يكون مستقبل مصر أسوأ من بعض الدول المحيطة، ويتصارع المصريون مع بعضهم ويتقاتلون لأكثر من 50 سنة مقبلة.

وأمام إخفاق النظام في مهمة استمالة الشباب، أو على الأقل تحجيم دورهم، لجأ لإعادة فتح الملفات القديمة كأحد الحلول الاستراتيجية للتخلص منها، لتخلو الساحة من دعاة التغيير السياسي بالاحتجاج الشعبي.

وقالت العادلي “يجب أولا غلق الملفات القديمة لشباب الثورة قبل الحديث عن استمالتهم، ويجب أن تفهم دوائر الحكم أنهم من أسقطوا نظام مبارك ثم وقفوا ضد الإخوان ودعموا السيسي، أي أن مواقفهم السياسية بناءة وليست هدامة، ولا يجب أن يُحاسبوا على وصول الإسلاميين للحكم.. استقرار مصر السياسي ومواجهة العدو الداخلي يتطلب التفرقة بين المصلح السياسي وعدو الدولة، وليس وضع الطرفين في خانة واحدة”.

7