هل تنتهي عضوية تركيا في حلف الناتو

ساعدت التطورات السياسية، الإقليمية والداخلية في تركيا، على تكريس خلافات أنقرة مع الغرب وتعزيز علاقاتها مع روسيا.
السبت 2019/07/20
تركيا والغرب: زواج فاشل

ليست الخلافات التركية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالجديدة. ولكن العلاقة بين الجانبين تدهورت بشكل مستمر ومتسارع منذ عدة أعوام ويبدو أنها بلغت منعطفاً خطيراً، قد يدفع بها إلى طريق اللاعودة.

في غضون يومين، تلقت تركيا صفعتين من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ردّاً على تنقيب تركيا عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخاصة بقبرص، أعلن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أنقرة تتضمن فرض قيود على شركات وأفراد على صلة بأعمال التنقيب وتعليق الاتصالات رفيعة المستوى وخصوصا المتعلقة بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، واتفاقيات النقل الجوي وتجميد المساعدات المالية، ومراجعة القروض التي منحها بنك الاستثمار الأوروبي لتركيا عام 2018 بقيمة 434 مليون دولار.

بعد ذلك بيوم واحد فقط، قررت الولايات المتحدة استبعاد تركيا من برنامج الطائرات الحربية “أف-35″، وذلك بعد تسلم أنقرة الأجزاء الأولى من برنامج الدفاع الروسي أس-400. تعرف تركيا أن إتمام الصفقة مع روسيا سوف يتسبب بإلغاء طلبية الطائرات الأميركية وبرنامج تدريب الطيارين الأتراك، بسبب الخشية من قدرة منظومة الدفاع الروسية على جمع معلومات حساسة حول عمل تلك الطائرات وقدراتها. بل إن الرد الأميركي حتى الآن لا يزال معتدلا، إذ يجبر قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة، والذي يعرف بـ”كاستا”، الرئيس الأميركي على معاقبة الدول التي تشتري السلاح وتتعاون عسكرياً مع كل من موسكو وطهران وكوريا الشمالية.

وعلى الرئيس الأميركي فرض 5 عقوبات من أصل 12 منصوص عليها ضمن القانون. رغم كل تلك التهديدات مضت تركيا في تنفيذ الصفقة ودخلت أزمة خطيرة مع الولايات المتحدة.

ولكن الأزمة الحالية لم تأت بصورة مفاجئة لتعكر صفو العلاقات الأميركية- التركية، بل هي نتاج سنوات من توتر العلاقات بينهما. فعلى خلفية دعم البلدين لتيارات متعارضة ومتحاربة في سوريا، تعمقت أزمة الثقة وتحوّلت العلاقات المتينة بين الدولتين إلى علاقات هشة، وصولاً إلى توتر كبير وصل إلى إمكانية التصادم المباشر في شمال سوريا عندما هددت تركيا بتنفيذ عمل عسكري في مناطق تواجد القوات الأميركية وهددت الأخيرة برد قاس.

كذلك الأمر مع الاتحاد الأوروبي حيث توترت العلاقات بين الجانبين على خلفية أزمة اللاجئين السوريين واستخدام أنقرة للملف كورقة ابتزاز لتحصل على التنازلات السياسية والدعم المالي من قبل الاتحاد الأوروبي. ويهدد الأخير أنقرة بأن عقوباته الحالية ما هي إلا البداية، وبأن العواقب ستكون أشد في حال واصلت أنقرة التنقيب عن الغاز.

تركيا بدورها لا تبدو بصدد اتخاذ خطوات للتهدئة، بل دفعت للتصعيد مرسلة المزيد من سفن التنقيب عن الغاز والنفط إلى جمهورية شمال قبرص غير المعترف بها دولياً. تشير تلك التصرفات التركية إلى تضاؤل أهمية العضوية بحلف الناتو بالنسبة لأنقرة.

في الحقيقة ليست تركيا فقط من ترى أنّ عضويتها في حلف الناتو بمثابة زواج فاشل يتجه نحو النهاية، بل الغرب أيضاً. ويمكن ملاحظة أن أحد أسباب اتجاه تركيا نحو روسيا والصين بعيداً عن الغرب هو الشروط الأوروبية والأميركية التي تم وضعها أمام زيادة التعاون مع أنقرة على المستويين الاقتصادي والدفاعي. إذ يماطل الاتحاد الأوروبي بشأن عضوية تركيا منذ سنوات من خلال مفاوضات ماراتونية.

كما سحبت الولايات المتحدة بطاريات صواريخ باتريوت من تركيا عام 2015 ورفضت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بيعها بطاريات صواريخ خاصة بها. وقد قام الطرفين، الأوروبي والأميركي، بتلك الخطوات كنوع من الضغوط على أنقرة بسبب سياساتها الخارجية التي باتت متعارضة مع سياسات الناتو من جهة، وسياساتها الداخلية التي خنقت الحريات العامة وأضعفت حكم القانون من جهة أخرى.

ساعدت التطورات السياسية، الإقليمية والداخلية في تركيا، على تكريس خلافات أنقرة مع الغرب وتعزيز علاقاتها مع روسيا. إذ ليس من المنتظر أن يتراجع هوس الزعامة لدى أردوغان، الذي يحوّل الدولة التركية بصورة تدريجية لحكم عائلي وهو ما يثير انتقادات الدول الغربية. كما أن دولة الأمر الواقع في شمال سوريا بدعم أميركي قد أنهت إمكانية تحسن العلاقات بين أميركا وتركيا، وقربت الأخيرة من موسكو التي تشاركها ذات الهواجس.

وأخيرا يبدو أن شراكة تركيا مع روسيا خلال السنوات الماضية قد خلقت نوعاً من التبعية على مستويات الاقتصاد، ويضاف لها اليوم المستوى العسكري.

9