هل تنجح إيران حيث فشل النظام السوري

الجمعة 2013/11/15

من يزور لبنان هذه الأيّام، يكتشف أنّ الصيغة اللبنانية أقوى بكثير مما يعتقد. لكنّه يكتشف في الوقت ذاته أنّ المحاولات الهادفة إلى تدمير لبنان والصيغة مستمرّة بشكل يومي. الهدف من تدمير الاثنين، عن طريق السلاح غير الشرعي ونشر البؤس، واضح كلّ الوضوح ويصبّ في الانتهاء من اتفاق الطائف، الذي في أساسه المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بغض النظر عن العدد.

قد يكون التعبير الأوّل عن الرغبة في الانتهاء من اتفاق الطائف يتمثّل في منع الرئيس المكلف تمّام سلام من تشكيل حكومة لبنانية، على الرغم من حصوله على تأييد مئة وأربعة وعشرين نائبا من أصل مئة وثمانية وعشرين في الاستشارات النيابية التي أجراها رئيس الجمهورية في نيسان (أبريل) الماضي. جاءت الاستشارات بعد اضطرار الرئيس نجيب ميقاتي، رئيس حكومة «حزب الله»، إلى تقديم استقالة حكومته.

بتضحيته بحكومة ميقاتي، أكّد الحزب، وهو ميليشيا مذهبية مشكلة من عناصر لبنانية تعتبر لواء في «الحرس الثوري» الإيراني، أنّ هناك ما هو أهم من الحكومة بالنسبة اليه. انّه يريد أيضا الإمساك بكل مفاصل الدولة، خصوصا الأجهزة الأمنية فيها تمهيدا للانقلاب الكبير الذي بدأه النظام السوري والذي يستكمله النظام الإيراني. هل ينجح الإيراني حيث فشل السوري الذي اضطر في نهاية المطاف إلى الانسحاب عسكريا وأمنيا من لبنان، تاركا لإيران ملء الفراغ الذي خلّفه انسحابه؟

كان «حزب الله» على علم تام بأن رئيس الوزراء، وهو سنّي من طرابلس، لا يستطيع تحمّل عدم التمديد لسنّي آخر، من طرابلس أيضا، في موقع المدير العام لقوى الأمن الداخلي. فضّل التضحية بحكومته على بقاء اللواء أشرف ريفي في موقع المدير العام لقوى الأمن الداخلي التي لديها جهاز أمني في غاية الأهمّية استطاع كشف شبكات تجسس اسرائيلية كما استطاع ان يكون العين الساهرة على لبنان. فضلا عن ذلك، استطاع فرع المعلومات الإضاءة على الأهداف الحقيقية لنشاطات «حزب الله» الذي تتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مجموعة من أفراده بالمشاركة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وجرائــــم أخرى طالــت اللبنـــانيين الشرفــاء.

تعتمد إيران في لبنان سياسة تقوم على النفس الطويل. تخلّصت من المدير العام لقوى الأمن الداخلي بسبب انتمائه إلى مؤسسة اسمها الدولة اللبنانية، وراحت تركّز بعد ذلك على منع تشكيل الحكومة، مؤكدة أن هناك قواعد سياسية جديدة في لبنان لا علاقة لها بالأصول الدستورية المعتمدة ومبدأ الفصل بين السلطات. صار مطلوبا بكلّ بساطة أن يكون «حزب الله» شريكا في تشكيل الحكومة اللبنانية، أي حكومة لبنانية.

بكلام أوضح، صار مطلوبا أن تحصل أي حكومة لبنانية على ضوء أخضر من طهران كي تبصر النور. إذا لم يحصل ذلك، فإنّ سلاح «حزب الله» على استعداد للنزول إلى الشارع مجددا بطريقة أو بأخرى كي يبقى الفراغ سيّد الموقف في لبنان.. أي كي يبقى البلد بلا حكومة.

في مثل هذا الشهر، قبل أربعة وعشرين عاما، في يوم عيد الاستقلال في الثاني والعشرين من تشرين الثاني- نوفمبر 1989، اغتيل الرئيس رينيه معوّض. كان رينيه معوّض أول رئيس منتخب للجمهورية اللبنانية بعد اتفاق الطائف. لكنّ تمرّد الجنرال ميشال عون على الدولة ومؤسساتها، خدمة للنظام السوري أوّلا وأخيرا، منعه من دخول القصر الرئاسي في بعبدا.

كان الرجل، الذي فُجّر موكبه في منطقة يسيطر عليها الأمن السوري سيطرة كاملة، خير رمز لما يمكن أن يكون عليه لبنان المزدهر الساعي إلى استعادة عافيته بعد سنوات طويلة من الحروب الداخلية والاقتتال بين الطوائف بمشاركة سورية وفلسطينية في كلّ حين. الأهمّ من ذلك كلّه، أن رينيه معوّض كان يحظى بدعم دولي وعربي. لم يكن أداة سورية. ولذلك كان قتله بمثابة ضربة أولى يسددها النظام في دمشق لاتفاق الطائف الذي أراد تنفيذه على طريقته. كان يريد الطائف طائفا سوريا ولا شيء غير ذلك.

كان النظام السوري يرفض الطائف في العمق. لكنه لم يعلن ذلك صراحة. كان رفيق الحريري يدرك ذلك. كان يمرّر عبارة «اتفاق الطائف» بحذر في البيانات الوزارية لحكوماته. اعتمد في هذا المجال طريقة لبقة تفاديا لاستفزاز النظام السوري الذي لم يدرك ولن يدرك يوما أن الصيغة اللبنانية هي في الأصل أكثر صلابة من الصيغة التي تحكّمت بسوريا منذ قيام النظام الحالي فيها.

تأتي إيران حاليا لتعلن عن طريق بعض الناطقين باسمها وباسم أداتها المسماة «حزب الله» أنّ ثمة موازين جديدة للقوى في لبنان. هذه الموازين مختلفة كلّيا عن تلك التي كانت سائدة لدى التوصّل إلى اتفاق الطائف. وهذا يعني في طبيعة الحال أن هناك حاجة إلى صيغة جديدة للبنان. عبّر عن هذه الحاجة إلى تغيير النظام، أي إلى إلغاء الطائف، الأمين العام لـ»حزب الله» عندما طرح فكرة «المؤتمر التأسيسي».

مرّة أخرى. هل تنجح إيران، كنظام يستخدم الغرائز المذهبية لفرض سياساته في المنطقة، حيث فشل النظام السوري؟

ذلك هو السؤال الذي يطرح نفسه في وقت ليس ما يشير إلى وجود بارقة أمل في تشكيل حكومة لبنانية وفي وقت يسعى «حزب الله» إلى وضع يده على كلّ مؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصا المؤسسات الأمنية وإبعاد كلّ لبناني يؤمن بالمؤسسات والسيادة عن هذه المؤسسات.. ونشر البؤس في البلد عن طريق افقار اللبنانيين.

يصعب أن تنجح إيران حيث فشل النظام السوري. سبب ذلك، أن اللبنانيين يقاومون. إنّهم يقاومون فرض «حزب الله» حكومات عليهم. ويقاومون عملية مصادرة القرار السياسي والأمني للبلد تحت شعارات من نوع «الشعب والجيش والمقاومة» والتورط عسكريا في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق مذهبي بحت.

أيعرف اللبنانيون أنّ ليس في استطاعة أي طائفة الانتصار على طائفة أخرى، وأن المزايدات لا تبني بلدا وأن المثالثة السنّية- الشيعية- المسيحية ليست حلا بمقدار ما أنها صيغة لإلغاء لبنان ووضعه تحت الوصاية الإيرانية.

من لديه أدنى شكّ في أن لبنان سينتصر يستطيع أن يسأل نفسه: هل هناك من تخيّل يوما أن القوات السورية ستخرج يوما من الأراضي اللبنانية بالطريقة التي خرجت بها؟


إعلامي لبناني

8