هل تنجح الحملات النسائية في تغيير المعايير التقليدية للجمال

تتعرض الفتاة البدينة في جميع المجتمعات تقريبا إلى نظرة دونية تأثرا بالنماذج المثالية للرشاقة والجمال التي رسختها صناعات الموضة والجمال وفرضها الإعلام، إلا أنه من حين إلى آخر تحاول أعداد قليلة من الفتيات مواجهة هذه النظرة السلبية والتمرد عليها من خلال حملة إلكترونية لاقت رواجا كبيرا.
السبت 2016/12/31
أنت جميلة فلا تخجلي بسبب زيادة وزنك

لندن – في تحد للتهميش والنظرة السلبية التي تنظر بها المجتمعات إلى المرأة البدينة أطلقت أعداد من النساء حملة على مواقع التواصل الاجتماعي في رسالة تقول إن الإنسان جميل، حتى ولو لم يتطابق مظهره مع معايير الجمال المتداولة، حيث نجحت سيلفانا دينكر في تشجيع العديد من النساء في شتى أنحاء العالم على الشعور أكثر بالثقة في أنفسهن من خلال حملة “بودي لاف” (#Bodylove) “أحبي جسدك” التي انتشرت على موقع إنستغرام للتواصل الاجتماعي بسرعة كبيرة، ونشرت تقارير في الصين واليابان والفلبين وكوسفو وكندا وأميركا الجنوبية حولها، ولم تتوان مجلة الموضة الفرنسية عن نشر تقارير حول هذه الحملة.

سيلفانا دينكر تتمتع اليوم بشهرة كبيرة في مجال عروض الأزياء لمقاسات البدينات، وبالإضافة إلى ذلك تعمل كمصورة، وأطلقت حملة “بودي لاف” بمشاركة 8 نساء نصف عاريات، هدفها من وراء هذه الحملة محاربة التمييز بسبب المظهر وألاّ يخجل أحد بعد اليوم بسبب زيادة وزنه.

شاركت نساء من كل مكان في حملة “أحبي جسدك” وكانت رسالتهن: نحن جميلات، حتى لو لم تنطبق علينا معايير الجمال التي تفرضها صناعة الموضة..

بدأت الحملة صغيرة في مدينة زيغن بولاية شمال الراين، فيستفاليا، الألمانية، ثم تحولت إلى نجاح عالمي. فبعد حملات مماثلة في مدينتي هامبورغ وبرلين، نشرت مجلات ذات انتشار عالمي على غرار مجلة بيبل وكوسموبوليتن تقارير مطولة حول حملة “أحبي جسدك”.

قالت سيلفانا (31 سنة) “أعرف ذلك الشعور عندما يتعرض الفرد للتهكم من آخرين بسبب مظهره الخارجي”، تعاني دينكر منذ سن السابعة عشرة من اضطرابات في نظام الأكل، حيث تقول “أحيانا أتغلب عليها، وأحيانا تغلبني”، مضيفة، وكلها ثقة في النفس، “في العام الماضي وخلال ستة أشهر فقط زاد وزني بمقدار 40 كيلوغراما”.

تعرف دينكر ذلك الشعور بعدم الرضا عن جسدها إلى درجة كرهه أحيانا. ولكنها أصبحت في الأثناء ترى الأمر من منظور آخر، قائلة “أنا راضية عن نفسي، بغض النظر إن كنت أزن عشرة كيلوغرامات أكثر أو أقل. الميزان ليس مقياسا ليحدد من أنا كإنسانة”.

وفي المقابل تساءل البعض عن مدى نجاح هذه الحملات على غرار حملة “بودي لاف” في تغيير ما تمليه صناعة الموضة والإشهار منذ عقود طويلة من معايير جمالية؟

وفي تعليقها على مدى نجاح هذه الحملات أوضحت الخبيرة في علوم التواصل والاتصال كريستينا هولتس-باشا أن تغيير الأفكار المسبقة أمر يتطلب وقتا طويلا، مشيرة إلى أن توجهات السوق تتبع المعايير الجمالية التي أتت بها العقود الأخيرة والتي تتبعها البنات الصغيرات أيضا، مضيفة أن الحملات السابقة التي تهدف إلى الكفاح ضد الصور التي تتعلق بالمظهر الخارجي للمرأة لم يكن لها تأثير طويل المدى.

وترى باشا أن عرض شخص لجسد فيه “عيوب” في مواقع التواصل الاجتماعي فذلك يحمل في طياته أيضا خطرا كبيرا، فإلى جانب ردود الفعل الإيجابية والتهليل والترحيب من قبل نساء في وضعيات مماثلة، هناك أيضا جانب آخر وهو أن تسخر نساء أخريات من اللواتي تشجعن وكشفن عن عيوب أجسادهن، رافضة فكرة أن نظرة الرجل إلى المرأة هي التي تتسبب في معاناتها بسبب قلة جمالها، مؤكدة أن النساء يمكن أن يكن أكثر قسوة من الرجال إزاء بنات جنسهن.

سيلفانا دينكر: إذا ما أصبح الأشخاص الذين شاركوا في حملة (بودي لوف)، أكثر ثقة في النفس، فإن هذا الأمر يسعدني للغاية

كما قالت ستيفي شميدل، المديرة التنفيذية للمنظمة الاحتجاجية “بنكستينكس” التي تكافح ضد التفرقة الجنسية وضد استخدام المرأة بشكل جنسي إيحائي في الإشهار، إن مثل هذه الحملات قصيرة المدى ودون مفعول يذكر، طالما أن لدينا صناعة موضة لا تشارك في مثل هذه الحملات.

وأضافت موضحة “عندما لا يرى الفرد نفسه في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلانات الخارجية، عندها يشعر بأنه غير مرئي”. وبينت أنه “عندما ترى المرأة الشابة هذا الجمال المقنن الذي لا يمكن أن تصل إليه، فإن ذلك لا يؤثر عليها فقط وإنما على المجتمع بأسره وبالتالي فقد يؤدي ذلك إلى الإصابة باضطرابات نفسية على غرار الإصابة بالاكتئاب أواضطرابات الأكل”.

وتساءلت شميدل “لم يتعين على المرأة أن تكون طويلة ونحيفة حتى تكون جميلة؟ أليس الجمال في عين من يريد رؤيته؟

ونبهت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي من شأنها أن تلعب دورا سلبيا في هذا الإطار، ذلك أن الأجيال الناشئة والصاعدة كثيرا ما تستخدمها في البحث عن الذات وصقلها، فمثلا فيسبوك وتويتر وإنستغرام أو سناب شات تقدم الفرصة لمستخدميها بعرض أنفسهم واستعراض أجسادهم بشكل علني.

وأضافت شميدل أن النظر إلى النساء على أنهن كائنات جميلات وجذابات لا يزال إلى يومنا هذا هدفا أكثر أهمية للنساء من الرجال، ولكن النظر أيضا إلى الرجال وإلى أجسادهم أصبح أمرا يزداد أهمية يوما بعد يوم. واضطرابات الأكل أصبحت أيضا مشكلات صحية تطال 20 بالمئة من الذكور، “في الجيل الذي ينشأ على صور جديدة، فإن الضغوط من أجل التحلي بالجمال والجاذبية أمور واقعية”.

ومن جانبها قالت الباحثة في علوم الجندر باولا-إيرينا فيلا بيد إن توصيف النساء بالجميلات وإدراكهن كذلك هو وليد التاريخ وهو أمر مهم جدا بالنسبة إلى النساء، موضحة أن المرأة كانت لفترة طويلة مجرد إكسسوار وكان يتحتم عليها أن تكون جميلة، لأن الزواج كان بالنسبة إليها أهم شيء على الإطلاق حتى تبرر وجودها.

سيلفانا لا تعير اهتماما بالتعليقات السلبية التي وجهت لحملتها، فهي تدرك أنه لا يمكنها تغيير العالم، قائلة “دفعت البعض إلى التفكير. فإذا ما توقفوا عن توجيه الثلب والسباب لآخرين، فقط بسبب مظهرهم الخارجي، عندها سأكون حققت الكثير من الأمور، إذا ما أصبح الأشخاص، الذين شاركوا في حملة #بودي لوف وعددهم 250، أكثر ثقة في النفس، فإن هذا الأمر يسعدني للغاية. ففي نيويورك مثلا قالت لي امرأة: لقد غيرت حياتي. وهذا إطراء لا يحصل عليه الفرد كثيرا في الحياة”.

21