هل تنجح الوجوه الجديدة في تحقيق رهان العاهل الأردني على الإصلاح السياسي المنشود

العاهل الأردني يراهن على ضخ دماء جديدة والاستعانة بشخصيات غير تقليدية لتجاوز المشهد السياسي الراهن وإحداث إصلاحات حقيقية.
الأربعاء 2021/06/23
الشارع يلتف وراء إصلاحات العاهل الأردني

عمان - مرّ الأردن خلال الأشهر القليلة الماضية بحالة سياسية فريدة لم تشهدها الدولة منذ تأسيسها قبل مئة عام، ما وضع المملكة أمام اختبارات صعبة، تتطلب من صانعي القرار إعادة النظر في إيجاد الحلول المناسبة.

وكانت عمّان تمكنت من الحفاظ على استقرارها طوال السنوات الماضية في إقليم يعدّ الأكثر التهابًا على مستوى العالم، وذلك وفق رؤى ملكية ناجعة ألقت بظلالها إيجابا على سياستها الخارجية وموقع المملكة في محيطها الإقليمي والدولي.

وفيما استطاع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أن يضع بلاده على خارطة العالم السياسية كلاعب أساسي ووازن، خاصة في الأحداث التي تشهدها المنطقة، على الرغم من محدودية الموارد والإمكانات والظروف الاقتصادية الصعبة، إلا أن أصحاب الدور من سياسيين واقتصاديين حكوميين، لم يلتقفوا الرسائل الملكية الإيجابية، ولم يتعاملوا معها بطريقة سليمة قويمة في الداخل.

وكان القصور في إتمام الأدوار من قبل النخبة السياسية والضعف في إنجاح المسار، وفق الرؤى الملكية، من بين السمات الأبرز للمشكلات التي سرعان ما تحولت إلى أزمات.

وبين أكتوبر 2016 وأبريل 2017، أصدر الملك ما تُعرف بـ”الأوراق النقاشية”، وعددها 7، وهي تمثل رؤيته لتحقيق الإصلاح الشامل.

ومؤخرا، طالب الملك عبدالله الثاني بتنفيذ عملية الإصلاح في المملكة بأسلوب يلمسه المواطنون، مع الأخذ بآرائهم والاستفادة من أصحاب الخبرات، خلال اجتماعه بشخصيات سياسية.

وأوضح الملك أن “عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري لا تحتاج إلى شعارات، بل تتطلب دراسة وتقسيم أدوار للوصول إلى نتائج ملموسة”. وأكد ضرورة التواصل مع المواطنين، والاستماع إلى ملاحظاتهم وآرائهم بشأن الإصلاح، والاستفادة من أصحاب الخبرات.

 

 

ويشير متابعون إلى أن العاهل الأردني يراهن على ضخ دماء جديدة والاستعانة بشخصيات غير تقليدية لتجاوز المشهد السياسي الراهن وإحداث إصلاحات حقيقية.

واختار الملك عبدالله الثاني في الآونة الأخيرة شخصية توافقية هي سمير زيد الرفاعي لرئاسة اللجنة المكلفة بتحديث المنظومة السياسية. وضمت اللجنة مجموعة من الشخصيات من خلفيات سياسية متنوعة للخروج بإصلاحات تمكّن الأردن من تجاوز الأزمة العميقة التي يمر بها والتي في أساسها التدهور الاقتصادي.

واعتبر الكاتب الأردني موسى حوامدة أن “تركيبة اللجنة تؤكد على التنوع السياسي والمجتمعي الواسع، لكن التجارب السياسية السابقة علمتنا أن اللجان لا تشكل أهمية إذا لم تخرج بنتائج فعالة”.

وأوضح حوامدة، في تصريح سابق لـ”العرب”، أن “اللجنة فيها عدد من الأسماء التي تمثل عدة تيارات سياسية واجتماعية بما فيها الأمين العام للحزب الشيوعي، إضافة إلى أعضاء يتبنون توجهات وطنية جيدة، لكن فيها أيضا التركيبة العشائرية الواسعة والكبيرة”.

وتأتي الدعوات للإصلاح والتغيير في النهج انطلاقا من أزمات عاشتها المملكة مؤخرا، والتي عكست فشل الأحزاب في إدارتها والاستجابة لتطلعات الأردنيين الذين تعصف بهم أزمة اقتصادية حادة.

ورأى الكاتبان غيث العمري وروبرت ساتلوف في تقرير لهما نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن الثقة في المؤسسات العامة مع استثناء النظام الملكي والقطاع العسكري والأمني الذي يحظى بدعم شعبي قوي وثقة كبيرة، فهي متدنية جدا بسبب التصورات المنتشرة حول عدم الكفاءة والفساد.

ولاحظا أن هذه النظرة تفاقمت بسبب سلسلة حوادث مأساوية تعزى إلى تقصير في أداء الواجب العام خلال السنوات الأخيرة خاصة بعد وفاة العديد من مرضى الوباء في مستشفى حكومي مؤخرا بسبب عدم توفر الأكسجين.

وفي حين لم تحظ دعوات التظاهر بمشاركة واسعة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الإجراءات الأمنية والوقائية، إلا أنه في تقدير العمري وساتلوف تثير المخاوف من تأجج الاستياء الشعبي تحت السطح.

وكانت أزمات العام الحالي قد بدأت في مستشفى السلط الحكومي، بعدما توفي 7 مرضى إثر انقطاع الأكسجين عنهم، ما دفع عاهل البلاد إلى التدخل شخصيا، وزار المكان وطلب من المدير الاستقالة الفورية، وأقيل وزير الصحة نذير عبيدات، وحوّل الملف إلى القضاء.

وأدت الحادثة إلى رفع حالة الاحتقان الشعبي، إذ اندلعت احتجاجات مطالبة بتغيير النهج المتبع في إدارة شؤون الدولة، ونادت بإسقاط الحكومة والبرلمان.

ومساء الثالث من أبريل الماضي، حبس الأردنيون أنفاسهم، وعاشوا ليلة عصيبة، بعدما أُعلن عن اعتقال رئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله، وأحد الأشراف ويدعى حسن بن زيد، منتظرين بيان الأسباب التي تأخرت.

واتهمت الحكومة الأردنية في الرابع من أبريل ولي العهد السابق الأمير حمزة (41 عاما) وأشخاصا آخرين بالضلوع في “مخططات آثمة” هدفها “زعزعة أمن الأردن واستقراره”، وأوقفت نحو 20 شخصا.

كان هذا المشهد دخيلا على الأردنيين، إذ لم يعهدوا طوال عمر الدولة أن مروا بموقف مماثل، إلا أن الحادثة رافقها تشكيك في حيثياتها، خاصة مع غموض البيان الحكومي، الذي أوضح أن جهات خارجية تقف وراء المخطط، من دون أن تحددها.

حل الخلاف بين الملك عبدالله وأخيه الأمير حمزة في إطار الأسرة الهاشمية، بعد تدخل عمهم الحسن بن طلال، وتم الإفراج عن المتورطين الـ16 بتوجيه ملكي، مع الإبقاء على المتهمين الأساسيين باسم عوض الله، وحسن بن زيد.

Thumbnail

وأسدل الستار سياسيا على القضية، مع استمرار الإجراءات القانونية بحق المتهمين الرئيسين، عوض الله وبن زيد.

وما إن وقع وأد الفتنة وانتهى الخلاف العائلي، على الرغم من أن تفاصيل المؤامرة التي تحدثت عنها السلطات الأردنية بقيت مكتومة، حتى أطلت على الأردن أزمة أخرى، تمثلت بمداخلة النائب المفصول أسامة العجارمة حول انقطاع الكهرباء عن عموم المملكة، في 21 مايو الماضي.

ولم تكن هذه الأزمة بالحسبان، فعلى الرغم مما اعتبره مجلس البرلمان بأنه إساءة إليه، فإنه لم يسلم من انتقاد شعبي، بسبب ضعف أدائه تجاه القضايا التي تمر بها المملكة، خصوصًا بشأن القضية الفلسطينية، والتعدي الإسرائيلي على دور بلادهم.

ولم يختلف الأردنيون في نظرتهم إلى سوء إدارة المجلس للأزمة، وتأييدهم للنائب العجارمة، وتشكيكهم في تأثيرات خارجية عليهم لاتخاذ قرارهم، إلا أنهم اجتمعوا على موقف واحد، وهو ضرورة تحقيق الإصلاحات الشاملة التي يطالب بها العاهل الأردني، بمختلف جوانبها، بما يتيح لهم حياة معيشية كريمة.

وانطلاقا من ذلك، يرى الأردنيون أنه يمكن تحقيق الإصلاحات التي ينادي بها الملك عبدالله الثاني لو تم توكيل الأمور إلى شخصيات غير تقليدية، مقبولة شعبيا، بعيدا عمن يسعون إلى توريث مناصبهم لأبنائهم وأقربائهم من دون الالتفات إلى مصلحة الدولة العليا.

كما يعتبرون أن رؤية الملك الإصلاحية، والتي أشار إليها في أوراقه النقاشية المعروفة، ستحقق لهم الرفاه السياسي والاقتصادي والإداري، إذا تم تبنيها من ذوي الخبرة والمعرفة، والحريصين على تطبيق مضامينها.

ومن المرجح أن يجري العاهل الأردني، قريبا، تغييرات جذرية في مناصب الدولة العليا، خاصة مع قصر الفترة بين الأزمات آنفة الذكر.

ويبقى إحداث تغيير في المشهد العام بالأردن مرهونا بقدرات الأسماء القادمة، واعتمادها على نهج جديد في إدارة شؤون الدولة، بحيث يكون مطابقا لرؤى الملك الإصلاحية، ويجنّب البلاد حدوث أي أزمات قد تؤثر بالتالي على استقرار طالما حافظت عليه.

6