هل تنجح تونس في إنقاذ تجربة اللامركزية

القصور التشريعي وضعف الميزانيات يحولان دون تحقيق البلديات لأهداف الحكم المحلي.
الجمعة 2021/04/09
تجربة لم تنقل البرامج التنموية من أطر المركزية المعتمدة

تتعرّض تجربة اللامركزية التي اعتمدتها تونس منذ العام 2014 إلى الكثير من الانتقادات نظرا لتراجع المنوال التنموي الذي كان على التجربة النهوض به. فدخول البلديات والجماعات المحلية في تجاذبات سياسية إضافة إلى ضعف الميزانيات والنقائص التي تشوب الإطار التشريعي مثّلا عائقا يحول دون تحقيق أهداف الحكم المحلي.

تونس - يثير الأداء الضعيف للبلديات في تونس تساؤلات عن الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة خاصة أن تجربة اللامركزية التي كانت ترمي إلى وضع حد لهيمنة السلطة المركزية كان يُعول عليها في تحقيق تنمية حقيقية في المناطق الداخلية التي عانت لعقود من ويلات غياب التنمية والتهميش ما أفضى إلى تفجر الأوضاع في 2011.

وبالرغم من رصد أموال طائلة لانتخابات عام 2018 البلدية وغيرها من الاستحقاقات المتعلقة بالحكم المحلي غير أن الواقع التنموي ظل على حاله في تونس ما يضع تجربة اللامركزية تحت مجهر المختصين اليوم لرصد الإخلالات التي عرفتها هذه التجربة وإمكانية استمراريتها من عدمها.

ولا يضع أغلب الفاعلين السياسيين تقييم هذه التجربة في سلم أولوياتهم نظرا للصراعات الأخرى التي تعرفها تونس لاسيما بعد تفجر خلافات بين الرئاسات الثلاث (رئيس الجمهورية قيس سعيد، رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي) على خلفية التعديل الوزاري المثير للجدل الذي أجراه المشيشي.

ومنذ فترة توالت المؤتمرات والفعاليات بشأن تجربة اللامركزية في تونس، وارتفعت الأصوات المنادية بتقديم المزيد من الدعم للبلديات وذلك بعد سنتين من إجراء أول انتخابات بلدية بعد انتفاضة 14 يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي والتي أثارت مطالب اجتماعية جعلت وقتها إرساء لامركزية تمنح المسؤولين المحليين المزيد من الصلاحيات من أبرز المطالبات بهدف خلق برامج تنموية جديدة.

قصور تشريعي

البلديات غير مهتمة بمطالب التونسيين
البلديات غير مهتمة بمطالب التونسيين

سرعت العديد من الأطراف المعنية بتجربة اللامركزية في تونس من وتيرة تحركاتها مؤخرا لدفع الدولة إلى المزيد من تعبئة خزينة البلديات والجماعات المحلية لتحسين مردودها خاصة في ظل الانتقادات اللاذعة التي يوجهها فاعلون آخرون لهم.

وفي سياق هذه التحركات دعا رئيس الكنفدرالية التونسية لرؤساء البلديات فيصل الدريدي في وقت سابق إلى الترفيع في الميزانية المخصّصة للجماعات المحلية حتى تتمكن من تنفيذ المشاريع والخدمات الموجهة للمواطنين.

ومن جهتها، وقعت الهيئة العليا للمالية العمومية في تونس مع المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية نهاية الأسبوع الماضي اتفاقا من أجل وضع المنظمة خبراتها القانونية والاستشارية وغيرها على ذمة البلديات لاسيما في ما يتعلق بمشاريع القوانين والإصلاحات المتعلقة بالمالية المحلية ودعم اللامركزية وتحقيق الحوكمة.

وجاء ذلك في ختام ورشة نظمتها الهيئة العليا للمالية المحلية بالتعاون مع المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية والجامعة الوطنية للبلديات التونسية تحت شعار “من أجل تطوير وحوكمة وتعصير المالية المحلية” حيث تم التطرق خلال هذه الورشة إلى الصعوبات التي تعيق عمل البلديات.

حاتم المليكي: استكمال الإطار القانوني التحدي الأبرز للامركزية في تونس

وبالرغم من الحديث عن قلة وشح الموارد لتلك الجماعات والبلديات إلا أن مراقبين وأوساط سياسية يعتبرون أن العقبة الأولى التي تعترض عمل هذه الأجسام هي قصور التشريعات حيث لم تعتمد الدولة سوى مجلة الجماعات المحلية التي أقرها البرلمان في أبريل 2018.

واعتبر فيصل الدريدي أن “الإطار التشريعي مازال يشكو العديد من النقائص، مطالبا بضرورة تنقيح مجلة الجماعات المحلية، خصوصا بعد أن كشف تطبيقها عن العديد من النقائص بما تسبب في حل عديد المجالس البلدية وتعطيل عملها”.

وتساير العديد من الأوساط السياسية الدريدي في رأيه حيث تشدد على أن هناك الكثير من المسارات التشريعية التي لم تمض فيها بعد المؤسسات الرسمية في تونس على غرار البرلمان المنقسم على نفسه منذ انتخابات 2019 العامة ما يصعب حتى في الوضع الراهن من عملية استكمال تلك الاستحقاقات التشريعية.

ورأى النائب البرلماني حاتم المليكي أن اللامركزية تبقى خيارا تنمويا بمعزل عن إقرارها دستوريا قائلا “البلدية كوحدة ترابية تكون أفضل للمواطنين من أجل تكريس قيم المواطنة والتنمية وغيرها”.

وأضاف المليكي في تصريح لـ”العرب” أن “استكمال الإطار القانوني والتشريعي يبقى التحدي الأبرز الذي تواجهه اللامركزية في تونس، لأنه لا توجد مجلة الجماعات المحلية فقط، هناك مجلة التهيئة الترابية ومجلة الوظيفة العمومية ومجلة المحاسبة العمومية، إذا لم يتم اعتماد هاته المجلات الثلاث فإنه من الصعب على البلديات والمجالس المحلية أن تترجم مجلة الجماعات المحلية على أرض الواقع”.

وتمت المصادقة على قانون الجماعات المحلية، الذي يتضمن 392 بندا في العام 2018، وهو يمثل إطارا قانونيا للانتخابات المحلية ويحدد صلاحيات واختصاص السلطات المحلية، وكيفية تكوين مجالسها، وغيرها من المهام.

محمد صالح العبيدي: الأشخاص الخطأ من أبرز المعوقات في المجالس البلدية والبرلمان

والهدف الرئيسي من هذا القانون هو تكريس خيار الاقتصاد التضامني الاجتماعي، كما سيعمل على الحد من التفاوت بين المناطق، وضمان مشاركة أوسع للمواطن في عملية صناعة القرار.

ولكن، لم تحقق هذه المجلة والمجالس البلدية التي تم انتخابها في 2018 الأهداف المرجوة منها لاسيما أن تونس تعيش تحت وطأة هزات اجتماعية تكشف عن فشل الفاعلين السياسيين في الإيفاء بتعهداتهم المتمثلة بالأساس في وضع برامج وخطط تنموية تُنهي حالة التهميش التي تعاني منها بعض المناطق الداخلية.

وكانت تونس تعتمد على السلطة المركزية أساسا في وضع تلك المخططات والبرامج منذ حصولها على استقلالها في العام 1956 وهو ما كانت له نتائج ملموسة لاسيما على مستوى الصحة والتعليم، لكن الأمور تدهورت في العقود الأخيرة ما أفضى إلى انتفاضة 14 يناير التي أطاحت بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

واعتمدت تونس تجربتين تنمويتين إثر حصولها على استقلالها، قاد الأولى وهي تجربة اشتراكية أحمد بن صالح منذ بداية الستينات وحتى أواخرها، وقامت بالأساس على ضرورة اعتماد المجتمعات التعاونية أو التعاضدية لوسائل الإنتاج وهي وسائل تُشرف عليها الدولة مباشرة لتقوم في مرحلة ثانية بتوزيع ثمارها على المتعاضدين حسب مساهمتهم.

أما الثانية وهي تجربة ليبرالية قادها رئيس الحكومة آنذاك الهادي نويرة (1970-1980) وهي تجربة متفتحة اقتصاديا. وبالرغم من أن كلا التجربتين لم تفضيا إلى نهضة اقتصادية لافتة ربما نظرا للسياقات الحافة بهما حيث خرجت تونس لتوها من الاستعمار إلا أنهما يبقيان من أبرز التجارب التنموية التي عرفتهما البلاد قبل أن تتدهور الأمور بعد ذلك إلى أن تفجرت الأوضاع في 2011 ما حتم إعادة النظر في نظام الحكم المعتمد في تونس.

تشتت في الصلاحيات

Thumbnail

تدفع الإخفاقات المسجلة في تجربة اللامركزية حيث يلحظ العديد من التونسيين أن هذه التجربة لم تغير من واقعهم ومناطقهم شيئا تقريبا نحو تأويلات مختلفة، ففيما يحمل العديد من المراقبين الفاعلين السياسيين بمن فيهم رؤساء وأعضاء الجماعات المحلية والبلديات المسؤولية يذهب آخرون إلى ماهو أعمق من خلال التطرق إلى الهاجس الذي يؤرق السلطة المركزية من أن تؤدي هذه التجربة إلى تفكك الدولة ما يحيل مباشرة على ظاهرة تشتت الصلاحيات التي تهيمن على المشهد التونسي عموما.

وفسر المحلل السياسي عبدالعزيز القطي ضعف الأداء البلدي بوجود ما وصفه بـ”‘الخطيئة الكبرى’ المتمثلة في القانون الانتخابي الذي يعطي تشتتا كبيرا داخل المجالس البلدية مثل المشهد البرلماني، حيث ظهر للعيان جليا أن البلديات أيضا تعيش أزمة شرعية وأداء وأزمة قيمية واجتماعية”.

عبدالعزيز القطي: القانون الانتخابي خطيئة كبرى أفرزت تشتتا كبيرا داخل المجالس البلدية

وأضاف القطي في تصريح لـ”العرب”، أن “البلديات تعيش تشتتا وإعاقة على مستوى العمل وأزمات سياسية، وإذا كانت الدولة تعيش أزمة اقتصادية وعلى مستوى المالية العمومية، فإنها غير قادرة على تمتين الترابط الجهوي والبلدي، بالإضافة إلى الشلل على مستوى الأداء وتعبئة الموارد”.

وتابع “هناك بلديات كبرى لها موارد على غرار الكرم وسكرة ومنوبة وبن عروس، وهذا مرتبط بطرق التصرف في الموارد ممن تم انتخابهم، في المقابل هناك بلديات تفتقر إلى القدرة على التسيير والكفاءة والنزاهة وممارسة النشاط البلدي وإدارة المالية العمومية وهذه ستكون لها أخطاء وتبعات”.

وتعتبر أوساط سياسية أخرى أن تونس لم تنجح بعد في ضبط نظام حكم واضح؛ برلماني أو رئاسي، مركزي أو لامركزي مرجعة معضلة ضعف أداء البلديات لهذا الإخفاق. فالسلطة المركزية تضعف يوميا تحت وطأة التجاذبات السياسية، والمجالس المحلية عاجزة عن الإيفاء بتعهداتها بل على العكس باتت من أكثر الهيئات التي تلجأ إلى التداين من مؤسسات عمومية حسب ما تظهره تقارير محلية وتصريحات لمسؤولين.

وأكد مدير الموارد و حوكمة المالية المحلية في وزارة الشؤون المحلية فيصل القزاز في وقت سابق أن الديون المتخلدة في ذمة البلديات لدى المؤسسات العمومية قد بلغت 118 مليون دينار في العام 2020.

الإمعان في الشعبوية

رغم ما سبق ذكره حول أسباب ضعف أداء البلديات والجماعات المحلية إلا أن هناك معضلة أخرى تكمن في أداء أعضاء وقياديي تلك المؤسسات لمنتخبين حيث هناك العديد من البلديات التي تفككت مجالسها بسرعة، وأخرى لا تزال تهتم بمشاكل وصراعات جانبية لا تمت بصلة لما تم التخطيط له من أدوار لهذه الجماعات.

وتعيد تحركات العديد من رؤساء تلك البلديات إلى الواجهة بروز الخطاب الشعبوي في تونس في السنوات الأخيرة بعد عقد كامل من الفشل في تحقيق مطالب ثورة 14 يناير.

ولعل أبرز مثال على ذلك رئيس بلدية الكرم إحدى ضواحي العاصمة تونس فتحي العيوني القريب من حركة النهضة الإسلامية والذي قاد سلسلة تحركات أثارت جدلا واسعا بدءا من تركيز صندوق للزكاة وهو ما أعاد تقسيم التونسيين بين علمانيين ومحافظين وليس انتهاء بتصريحاته الاستفزازية التي طالت حتى رموز الدولة في مقدمتهم الرئيس قيس سعيد.

السلطة المركزية تضعف يوميا تحت وطأة التجاذبات السياسية والمجالس المحلية عاجزة عن الإيفاء بتعهداتها

وقال المحلل السياسي محمد صالح العبيدي إن “المتابع للشأن المحلي يدرك أن أبرز معوقات المجالس المحلية والبلدية المنتخبة هي وجود العديد من الأشخاص الخطأ في تلك المؤسسات وهذا ما نلحظه أيضا في بقية المؤسسات المنتخبة مثل البرلمان أو غيره”.

وشدد العبيدي في تصريح لـ”العرب” على أن “تونس لا تزال تعيش في طور الانتقال الديمقراطي، لكن هذا لا ينفي أن مكونات المشهد السياسي فشلت في صناعة نخبة قادرة على الحكم وتحمل المسؤولية سواء على المستوى المحلي والجهوي أو على المستوى المركزي”.

واستنتج أن “الأزمة أعمق من غياب تشريعات قادرة على تحرير طاقات المجالس البلدية أو رصد ميزانيات تمكن تلك المجالس من إطلاق مشاريع كبرى، المشكل أن الكل يطلق وعودا بالتنمية وغيرها ثم ينكث تلك الوعود وينصرف إلى المشاكل الجانبية، كم من مجلس بلدي تفكك منذ انتخابات 2018؟ كم من رئيس بلدية في تونس أصبحت تحركاته محل جدل عقيم على غرار العيوني أو غيره من رؤساء البلديات الأخرى؟ أعتقد أن تجربة اللامركزية يجب أن تقيّم تقييما جديا دون التغافل عن غياب فاعلين سياسيين قادرين على الحكم وتحمل مسؤولية ذلك”.

6