هل تنجح حرية التعبير في مواجهة تهديدات كيم جونغ أون

الأحد 2014/12/28
سوني والسينما والوريث الكبير

"سوني بيكتشرز" تنتج فيلم "المقابلة" (the interview)، وكوريا الشمالية تقرصن مواقع الشركة، أما أوباما فيتوعد بالرد، واليابان تعتبر الحادثة مهددة للأمن القومي، ودوامة من التصريحات والنفي ونفي النفي تعيشها اليوم أوساط السياسة الأميركية والكورية الشمالية وأوساط السينما بعد تردد سوني في عرض الفيلم الذي كان من المقرر إطلاقه مع أعياد الميلاد ورأس السنة.

لا يختلف الواقع عن السينما على ما يبدو، فلو نظرنا إلى المسألة من وجهة النظر الكوميدية لرأينا تصرفات الدكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون وخارجيته أقرب للهزل، وكذلك ردود فعل الولايات المتحدة متمثلة بأوباما وإدارته، في حين تبدو المسألة مبالغا فيها من قبل الشركة التي صرح رئيسها التنفيذي رداً على انتقاد أوباما الذي اعتبر تصرف سوني “خطأ عندما سحبت الفيلم وانصاعت للتهديد”، فقال رئيس سوني مايكل لينتون “إنه يأمل أن يتمكن الجمهور من مشاهدة الفيلم، لكن لم تبدِ جهات تملك وسائط للعرض اهتماماً”.

تلك التصريحات والردود التي نقلتها كبريات وكالات الأنباء تتحدث أيضا عن إلغاء سوني لعرض الفيلم الذي تدور أحداثه الهزلية حول قصة افتراضية عن اغتيال الزعيم الكوري الشمالي بعدما رفضت دور كبيرة للعرض السينمائي عرضه عقب تلقيها تهديدات لصالاتها والجمهور، وهنا تأخذ الحكاية منحاها الدرامي بل والتراجيدي حيث تبدأ التهديدات التي نفذت على شكل إلكتروني بضرب مواقع لشركة سوني المرخص لها على أراضي الولايات المتحدة الأميركية، تأخذ منحا مغايراً يشكل خطرا على حياة المشاهدين، فينتقل الخطر من الحيز الإلكتروني إلى الحيز الإرهابي الإجرامي.

لكن الشركة المنتجة تظهر ما يكفي من الشجاعة بالبحث عن خطط عرض بديلة للفيلم الذي بلغت تكلفة إنتاجه 44 مليون دولار أميركي، وهو من بطولة سيث روجن وجيمس فرانكو، ولكن إلى اليوم من الواضح أنه لا توجد جهة مستعدة لعرض الفيلم الذي أغضب كوريا الشمالية وزعيمها الذي يظهر بحسب قصة الفيلم بشخصية مرحة بل ومسلية إلى حد كبير، لكن هذا الكوميدي المرح الذي يستمتع بالموسيقى وألعاب الحرب يبدو خطرا من خلال جيشه الإلكتروني الذي حمل اسم المكتب 121، والذي استهدف مواقع الشركة في هجوم هو الأول من نوعه على الولايات المتحدة الأميركية، فكشف الهجوم معلومات سرية عن 47 ألف شخص، بينهم شخصيات مهمة، كما شملت القرصنة بحسب الأنباء المتناقلة سرقة أسماء وعناوين وأرقام الضمان الاجتماعي وتواريخ الميلاد، وهي تفاصيل تسمح باستغلال هوية أي من هؤولاء الأشخاص.

الحادثة أخذت منحى غريبا بعد تصريحات الرئيس أوباما فبدأ البحث عن سبل الرد على الجيش الإلكتروني للزعيم الكوري الشمالي، وهنا طرح الخبراء الخيارات أمام أوباما للرد فتضمنت هجوما إلكترونيا مضادا وعقوبات مالية وتوجيه اتهامات جنائية


من هو "الزعيم"


شخصية غامضة كما كل شيء في كوريا الشمالية. المؤكد أنه أصغر أبناء الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم جونغ إيل، وتختلف من بعدها الروايات عدا أنه تسلم الحكم بعد وفاة والده في 19 ديسمبر 2011، ويومها وصفته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية بـ”الوريث الكبير”، وأشادت به باعتباره الزعيم البارز للحزب والجيش والشعب، ولا يعرف تحديدا تاريخ ولادته لكن بعض الروايات تقول إنه ولد عام 1983 أو السنة التي بعدها.

وتعمل وكالات الاستخبارات على استقصاء المعلومات حول الرئيس الغامض، فتؤكد مخابرات كوريا الجنوبية بأنه ابن كيم جونغ إيل من زوجته الثالثة وهي راقصة يابانية الأصل تدعى كو يونغ يعتقد أنها ماتت بسبب سرطان الثدي عام 2004. ويستمر الغموض حوله، لكن يعتقد أنه درس في المدرسة الدولية بسويسرا حتى عام 1998 تحت اسم مستعار، ثم بعد عودته إلى بيونغ يانغ دخل جامعة كيم إيل سونغ العسكرية وتخرج منها عام 2007.

وتسلم قبل خلافة والده عام 2010 منصبا في لجنة الدفاع الوطني الكورية الشمالية يعادل رتبة جنرال يحمل أربع نجوم، ومن ثم انتخبه الجيش الكوري الشمالي مندوبا لمؤتمر حزب العمال الشيوعي الحاكم في نفس السنة، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدا لعضويته في اللجنة المركزية للحزب التي تتولى وضع سياسات البلاد.

ولم تظهر صور كيم جونغ أون في وسائل الإعلام إلا في سبتمبر 2010، حيث ظهر للمرة الأولى وهو يقف إلى جانب والده مع عدد من الشخصيات البارزة في النظام الكوري الشمالي، ويشاع عنه بأنه صورة طبق الأصل عن والده من حيث الشخصية وطريقة التفكير.

اغتيال الزعيم

تجند وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية منتجاً تلفزيونيا لاغتيال كيم جونغ أون، ويرافق هذا المنتج زوجان يعملان كمقدمي برامج ذهبا إلى كوريا الشمالية لإجراء مقابلة مع الزعيم، هذا مختصر الفيلم الفكاهي الذي انتجته سوني وأخرجه إيفان غولدبيرغ، فدفع وزارة الخارجية الكورية الشمالية لكتابة رسالة إلى البيت الأبيض تشجب الفيلم وتصفه بالإرهاب وأنه يمثل “عملاً حربياً”، ومن ثم صعدت التهمة لتستحيل شكوى قدمت إلى الأمم المتحدة أواخر شهر يونيو الماضي بعد إطلاق الشركة المنتجة للفيديو الترويجي.

ردة الفعل على فيلم" المقابلة " ربما تكون تعبيراً عن الخوف من قبل سلطات كوريا الشمالية، التي تعتقد أنه كلما زاد تسرب التأثير الخارجي إلى البلاد كلما اهتزت صورة الدولة المثالية كثيراً

ومن ثم صرح وزير خارجية كوريا الشمالية بأنه “إذا رعت الولايات المتحدة عرض الفيلم فعليها تحمل النتائج. هؤلاء المجرمون الذين أساؤوا لشخصية قائدنا واقترفوا جرائم معادية ضد شعبنا سيعاقبون طبقاً للقانون حيثما كانوا على سطح الأرض”، تلك المشادات الكلامية جعلت منه قبل أن يعرض فيلم شباك التذاكر الأول دون منازع، ولكن هل ستكمل سوني المشوار في اغتيال الزعيم سينمائيا وخاصة بعد تعرض خدماتها الالكترونية في نهاية نوفمبر للقرصنة؟

لكن السؤال الذي يطرحه معظم المتابعين للقضية هو لماذا كل هذا الضجيج على فيلم “المقابلة”؟، رغم أنه ليس الفيلم الأول الذي تستخدم فيه هوليوود دولة شيوعية كموضوع تدور حوله أحداث فيلم كوميدي أو غامض، ففي السنوات الثلاث الماضية صور فيلم يظهر الكوريين الشماليين وهم يسيطرون على البيت الأبيض في هجوم إرهابي، حمل اسم “سقوط أوليمبوس”، وأنتج عام 2013، ثم في فيلم آخر أنتج عام 2012 بعنوان “الفجر الأحمر” سيطروا فيه على الولايات المتحدة بالكامل.

المفارقة التي نقلتها إحدى مقالات BBC أن والد الزعيم الحالي لكوريا الشمالية الزعيم الراحل كيم جونغ إيل وقبل وفاته عام 2011، جمع أكبر مجموعة شخصية من الأفلام في العالم.

وكان أيضاً منتجاً للأفلام وحاول في شبابه أن يدفع صناعة السينما في كوريا الشمالية إلى مستويات جديدة لإثارة إعجاب والده الحاكم آنذاك كيم إيل سونغ.

ولتحقيق ذلك كتب كيم جونغ إيل كتاباً عن فن السينما، وأرسل فنيين إلى بلدان صديقة لتعلم مهارات صناعة السينما، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث اختطف مخرج أفلام شهير من كوريا الجنوبية وإرغامه على إخراج أفلام في كوريا الشمالية.

وهنا يرى كاتب المقال بأن ردة الفعل على فيلم “المقابلة” ربما تكون تعبيراً عن الخوف من قبل سلطات كوريا الشمالية، التي تعتقد أنه كلما زاد تسرب التأثير الخارجي إلى البلاد من خلال أجهزة الهواتف النقالة وموجات البث الإذاعية، و اسطوانات الدي في دي، كلما اهتزت صورة الدولة المثالية كثيراً.

أثير لغط كبير إثر إلغاء سوني لعرض الفيلم الذي تدور أحداثه الهزلية حول قصة افتراضية عن اغتيال الزعيم الكوري الشمالي بعدما رفضت دور كبيرة للعرض السينمائي عرضه عقب تلقيها تهديدات لصالاتها

ربما تصب كل تلك التحليلات في الحقيقة وربما تجانبها، ولكن الحادثة أخذت منحى غريبا بعد تصريحات الرئيس أوباما،فبدأ البحث عن سبل الرد على الجيش الإلكتروني للزعيم الكوري الشمالي، وهنا طرح الخبراء الخيارات أمام أوباما للرد فتضمنت هجوماً إلكترونياً مضاداً وعقوبات مالية وتوجيه اتهامات جنائية لأشخاص يشتبه بتورطهم في الهجوم على سوني، كما قد تتضمن الخيارات أيضا زيادة الدعم العسكري لكوريا الجنوبية.

وتأتي تلك الخيارات عقب تأكيد مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي (أف بي آي) أن كوريا الشمالية مسؤولة عن عملية القرصنة المعلوماتية الضخمة ضد الأستوديوهات السينمائية لسوني في نهاية نوفمبر الماضي، وذلك باستخدام الهجوم لبرمجيات خبيثة عُرف عن قراصنة كوريين شماليين استخدامها في السابق، وأن البنية الأساسية التي استخدمت في الهجوم تداخلت مع نشاط إلكتروني متصل بكوريا الشمالية.


سوني المشاكسة


هل كانت سوني تعلم أن فيلمها الساخر سيكون فرصة لتبادل التهديدات والتهم بين أميركا وكوريا الشمالية؟ وهل ستكمل ما بدأته وتجد سبيلا لعرض الفيلم على الجماهير متحدية الزعيم الغامض؟ وهل ستنفذ كوريا الشمالية تهديداتها وتشن هجوما على دور السينما التي قد تعرض هذا الفيلم الساخر؟ وكم سيكون حجم الإقبال على الفيلم بعد كل ما قيل عنه؟ وقبل هذا كله من هي “سوني بكتشيرز”؟

سوني بيكتشرز انترتينمنت هي شركة حديثة قياسا بعمر الشركة اليابانية الأم، فقد تأسست عام 1987 باعتبارها شركة ترفيهية، تعرف اختصارا بـSPE وهي شركة لإنتاج الأعمال التلفزيونية والسينمائية وتوزيعها، تتبع لشركة التكنولوجيا اليابانية العملاقة سوني، التي تأسست عام 1946 على يد الياباني “أكيو موريتا”، وكانت تحمل اسم “شركة طوكيو التقنية للاتصالات عن بعد”، واستبدل الاسم إلى سوني عام 1958، وأخذ اسم الشركة من الكلمة اللاتينية “سوناس” وتعني الصوت لتدمج بالكلمة الأميركية العامية “سونني” والتي تعني “الشاب المشرق” فأصبحت سوني التي تشرق اليوم في مواجهة المكتب 121 في كوريا الشمالية بعد محاولتها اغتيال الزعيم الكوري سينمائياً.

10