هل تنجح خطة الحكومة اللبنانية في استئصال مسببات الاحتقان الشعبي

مازالت الاحتجاجات التي شهدتها بيروت تلقي بظلالها على المشهد السياسي اللبناني، في ظلّ ما انجرّ عنها من تداعيات وما أعلنت عنه الحكومة من خطوات عملية للتخفيف من حدّة الحنق الشعبي وإيجاد السبل الكفيلة بإرضاء الشباب الغاضب. لكن على الرغم من هذه الخطوات الحكومية التي تتضمن وضع خطة لحل أزمة النفايات وإطلاق حوار يفضي إلى حلول لسد الفراغ السياسي، مازال المشهد مفتوحا على عديد السيناريوهات، وفق دراسة للباحث ألكس رويل صادرة عن معهد كارنيغي للسلام الدولي.
الاثنين 2015/09/28
السياسيون اللبنانيون لم يعد أمامهم خيار غير تلبية طموحات الأجيال الجديدة

بيروت - دفعت سلسلة التظاهرات الحاشدة التي شهدها لبنان، والتي بدأت في يوليو الماضي في شكل حملة بيئية صغيرة احتجاجاً على أسلوب الحكومة في التعاطي مع ملف النفايات، بعشرات الآلاف من المحتجين إلى النزول إلى الشارع، لتجتاح هذه التحرّكات وسط العاصمة بيروت منذ 19 أغسطس الماضي، عندما أصبحت حركة “طلعت ريحتكم” حركة رسمية.

وسرعان ما بدأت الاحتجاجات تتوسّع في مطالبها التي لم تعد تقتصر على مسألة النفايات، فقد راحت الهتافات واللافتات المبتكرة في معظمها، تنتقد وتسخر من كل شيء بدءاً من غياب البنى التحتية وصولاً إلى الفساد والمحسوبيات لدى الطبقة السياسية، وقوانين تقاسم السلطة على أساس طائفي التي تحكم أجهزة السلطة الثلاثة.

وفي مواجهة هذه الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة، كانت الحكومة واضحة بأنّها لن تلبّي جميع المطالب التي يرفعها المتظاهرون، إلا أنها قامت بخطوتَين لافتتين استجابةً لهذه المطالب؛ أولاً، وافق مجلس الوزراء في التاسع من سبتمبر الجاري على خطة لوضع حلٍّ يُفترَض بأنه مستدام لأزمة النفايات، لكن الخطة التي تقوم على إعادة افتتاح المطامر الحالية بصورة مؤقتة بانتظار إنشاء مطامر جديدة في أماكن أخرى في البلاد، اصطدمت بعراقيل عدّة. وثانياً، أطلقت الحكومة حواراً وطنياً يشارك فيه قادة 16 كتلة برلمانية فضلاً عن رئيس الوزراء بناءً على دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري. ويأتي على رأس جدول الأعمال المطروح على طاولة الحوار الفراغ الرئاسي المستمر منذ 16 شهراً، يليه الشلل في مجلسَي الوزراء والنواب اللذين يقاطعهما فرقاء عدّة في الوقت الحالي.

وقد رفض منظّمو الحراك الاحتجاجي الأساسي المعروف بـ”طلعت ريحتكم”، خطة النفايات المقترحة، مكرّرين اعتراضات سكّان المناطق حيث تتواجد المطامر أو تلك التي اختيرت لإنشاء مطامر فيها. وهم يطالبون بأن تتضمن أي خطة لمعالجة أزمة النفايات أربعة تعديلات تقنية، منها فرض إلزامية فرز النفايات عند المصدر. كما أنهم رفضوا مبادرة الحوار الوطني، وندّدوا بالمشاركين فيها واصفين إياهم بـ”الزعماء الإقطاعيين” و”زعماء المافيات”، وتظاهروا في الخارج خلال جلسات الحوار الثلاث التي عُقِدت حتى الآن. ومن بين الأمور التي يُعيبونها على الحوار محاولته التوصّل إلى إجماع حول انتخاب رئيس للجمهورية.

الحكومة تعتقد أن خطة النفايات فضلا عن انتخاب رئيس جديد للبلاد سوف يؤديان إلى انكفاء حركة "طلعت ريحتكم"

ويعتبرون، على وجه التحديد، أن مجلس النواب الذي سينتخب الرئيس غير شرعي لأنه مدّد لنفسه حتى العام 2017 في خطوة مشكوك في دستوريتها. ولذلك تطالب المجموعة بإجراء انتخابات نيابية قبل الانتخابات الرئاسية.

وبالمقابل يبدو أن الحكومة تعتقد أن خطة النفايات، فضلاً عن انتخاب رئيس جديد للبلاد، سوف يؤدّيان إلى انكفاء حركة “طلعت ريحتكم”. وقد اعتبر نوّاب من الكتل الرئيسة المشارِكة في الحوار أنه من شأن وضع حد للفراغ الرئاسي، الذي يترتّب عنه أيضاً تشكيل حكومة جديدة وتعيينات أخرى، أن يُرضي أكثريةً صامتة من متظاهري “طلعت ريحتكم”.

ويتعرّض فريقا 14 آذار و8 آذار للهجوم بالتساوي من الحراك، ما يعلّل تلهّفهما غير المعهود للجلوس إلى طاولة الحوار التي وافقا على الانضمام إليها في وقت قصير.

وتفيد العديد من التحليلات بأنّ رهان الحكومة قد ينجح؛ فحتى تاريخه، وعلى الرغم من عشرات الاحتجاجات التي نُظِّمت في غضون شهر تقريبا (ومنها إضراب عن الطعام لمدة 14 يوماً) للمطالبة باستقالة وزيرَي البيئة والداخلية، إلا أنّ أياً منهما لم يُقدّم استقالته. وصحيح أنّ التظاهرات مستمرّة، لكنّها لم تنجح في النمو والتوسّع منذ بلوغها الذروة لناحية أعداد المشاركين في 29 أغسطس الماضي. ويمكن أن يُعزى هذا، في جزءٍ منه، إلى المحدوديات الطبيعية التي تعترض أي حراك شعبي مستقل؛ فالحراك المجزّأ بطبيعته، والذي لا يحظى بأي تمويل واضح، يواجه مجمل الطبقة الحاكمة التي تتمتع بثروات مالية ضخمة وتحالفات دولية نافذة، وكذلك، قوة نارية عسكرية وشبه عسكرية تلجأ إليها كملاذ أخير.

وقد بلغ العنف ضد المتظاهرين أحجاماً أكبر وأوضح خلال الأسبوع الماضي، عندما ظهر مناصرو رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو نفسه زعيم ميليشيا سابق يجمعه الآن حلفٌ وثيق بحزب الله، في تظاهرتين منفصلتين واعتدوا على المتظاهرين متّهمين إياهم بالإساءة كلامياً إلى زعيمهم.

ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن الحركة الاحتجاجية بشكل عام لم تنته بعد لا سيما وأن الحوار الوطني مني حتى الآن بالإخفاق

وقد تسبّب شبح العنف المتصاعد بشيء من التراجع في أعداد المشاركين في الاحتجاجات. ويضاف إلى ذلك عامل الإجهاد والانقسامات الشديدة بين مجموعة “طلعت ريحتكم” والعديد من المجموعات المنبثقة عنها وكذلك في صفوف المتظاهرين، مع ذلك، ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن الحركة الاحتجاجية في شكل عام لم تنتهِ بعد، لاسيما وأن الحوار الوطني مُني حتى الآن بالإخفاق. فقد سادت الجلسة الأولى، حسب التقارير، أجواءٌ من الصراخ والمشاجرة، ولم تسفر الجلستان الثانية والثالثة عن نتائج أفضل. ولا يتزحزح فريق 14 آذار ولا فريق 8 آذار عن مواقفهما في ما يخص الرئاسة حتى الآن: فالفريق الأول يطالب بشخصية حيادية لا تنتمي إلى أي من المعسكرَين، في حين أن الفريق الثاني يطالب بانتخاب حليفه ميشال عون رئيساً للبلاد، مع ما يثيره شخص عون من انقسامات. وهكذا فإن التجاذبات المستمرة وغير المجدية بين الفرقاء حول هذه المسائل المعهودة قد تصب في مصلحة الحركات الاحتجاجية.

علاوةً على ذلك، وعلى الرغم من انخفاض أعداد المشاركين، يزداد تواتر الاحتجاجات وتنوّعها، بتشكّل مجموعات جديدة من النشطاء بصورة شبه يومية، تتظاهر دعماً لقضايا متنوّعة مثل استعادة الأملاك العامة التي استحوذ عليها القطاع الخاص، ووقف تسديد رواتب النواب، واستعادة الطابع التاريخي لوسط بيروت الذي كان يعجّ بأبناء الطبقة العاملة، لكنه بات حكراً في الجزء الأكبر منه على الزبائن الأثرياء منذ إعادة إعماره بعد الحرب في مرحلة التسعينات.

ولا يُعرَف بالضبط ما هي النتائج التي يمكن أن تُسفر عنها هذه الأزمة السياسية والاجتماعية في المستقبل القريب. غير أن غالب الظن أنّه سيتم تطبيق نسخة ما من خطة النفايات التي وضعتها الحكومة، ويجري الحديث بين بعض النشطاء عن الانتقال إلى قضايا أخرى، مثل العجز المزمن في السلطة والبنى التحتية المائية. وقد تحصل الانتخابات الرئاسية والنيابية في أقرب وقت.

لكن في المدى الأطول، قد لا تكون الإنجازات الأهم ملموسة بالدرجة نفسها، فغالبية المتظاهرين هم من الشباب الذين يعتبرون أن الانتفاضات المعاصرة في المنطقة تعبّر عن تطلعاتهم أكثر من نضالات انتفاضة الاستقلال في العام 2005 (ناهيك عن الطابع الطائفي للحرب الأهلية بين 1975 و1990). فاهتمامات هؤلاء الطلاب والمهنيين الشباب تتركّز أكثر على مكافحة الفساد، والحصول على وظائف ذات أجور عادلة، ومحاربة اللامساواة بين الرجل والمرأة (تتواجد النساء في الخطوط الأمامية للاحتجاجات منذ انطلاقتها)، وبناء مجتمع مزدهر يحتفظ بالخرّيجين الجامعيين بدلاً من دفعهم نحو بلدان تؤمّن فرصاً أفضل في الخارج. ويوجّه الجيل الجديد رسالة إلى الطبقة السياسية مفادها أن الأسلوب القديم في الحكم وإدارة شؤون الناس لم يعد مُرضياً. وربما يتوقّف مستقبل السياسة اللبنانية في نهاية المطاف على درجة تفاعل قادة الأحزاب المتقدّمين في السن، وعدد كبير منهم كان من المقاتلين في الحرب الأهلية، مع هذه الرسالة.

7