هل تنجح مثاليات مجموعة السبع في مواجهة أزمة النظام الدولي

قمة مشحونة في بياريتس الفرنسية مع قادة تختلف آراؤهم حول الملفات العالمية الكبرى.
السبت 2019/08/24
سياسة إشعال الحرائق

يتطلع المتابعون لأجواء قمة مجموعة السبع التي تستضيفها مدينة بياريتس جنوب فرنسا إلى مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما سيخرج به هذه المرة من تصريحات وقرارات واستفزازات وهو الذي يحضر لعملية إعادة انتخابه لرئاسة الولايات المتحدة ضمن خطوة يتطلع إليها النظام الدولي برمته بعد أن وصل ذورة الاختلال في توازنه بوصول ترامب إلى البيت الأبيض. وتدفع هذه التغيرات التي شهدها العالم إلى التساؤل عن مستقبل مجموعة السبع الصناعية وأي دور يمكن أن تلعبه في هذا النظام المتغير الذي يشهد قوى وتكتلات جديدة بينما تعاني قواه التقليدية، على غرار الاتحاد الأوروبي من الانقسامات والضعف، فيما تدفع سياسة ترامب إلى عزلة الولايات المتحدة.

باريس – يتوقع أن تكون أجواء قمة مجموعة السبع التي تبدأ أعمالها السبت في بياريتس بجنوب فرنسا، مشحونة مع قادة تختلف آراؤهم تماما حول الملفات الكبرى العالمية وقوات أمن في حالة تأهب قصوى لمواجهة المعارضين والمحتجين. لمدة ثلاثة أيام سيبقى قادة العالم في قصر بعيد عن المجتمع المدني يبحثون في رهانات شائكة وأسئلة حارقة بخصوص الوضع الحالي للنظام العالمي وإلى أين هو سائر.

يرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن النظام الحالي يعاني صعوبات كثيرة من الداخل، وهو ما يمكن أن يكون أداة لتقويض النظام الليبرالي الغربي، بخاصة بعد صعود تيارات اليمين القومي والشعبوي، وبعدما أصبح ميزان القوى الذي قام عليه النظام الدولي لسنوات طويلة غير متوازن، كما تبدو مصداقية مؤسسات هذا اليوم موضع تساؤل، خاصة مع تراجع دور مجلس الأمن وغيره من المنظمات التابعة للأمم المتحدة في معظم الصراعات حول العالم.

ويزداد الوضع تعقيدا مع عدم قدرة المؤسسات النقدية والمالية الكبرى على معالجة مديونية الدول النامية، علاوة على أن الاتحاد الأوروبي الذي كان يشكل أكثر المجموعات الإقليمية نجاحا في السابق، أصبحت أفقه مسدودة مع الخروج البريطاني، والنزاعات حول الهجرة والسيادة الوطنية مستمرة بين دوله.

وانعدمت قدرة منظمة التجارة العالمية على التعامل مع التحديات الأكثر إلحاحا بعد تغير مراكز القوة الدولية، وتوسع الولايات المتحدة في سياسة فرض العقوبات، والتخلي عن محاولة إدماج الصين وروسيا في المؤسسات الإقليمية والعالمية في النظام الدولي الليبرالي، وعدم العمل على توسيعه ليشمل جميع دول العالم، بالإضافة إلى التعثر الذي يصاحب مكافحة الاحتباس الحراري والتلوث البيئي.

كل ما سبق يرسم ملامح مشهد النظام الدولي في الوقت الراهن، وما يمر به من تحولات كبيرة لن تنحصر تداعياته بين القوى السبع، ولكن ستمتد لتشمل قوى أخرى حول العالم.

جينيالوجيا الاختيارات الكبرى

لعقود طويلة، حافظت مجموعة السبع الصناعية الكبرى، منذ تأسيسها على استمرارية لقاءاتها. وكانت تخصّص نقاشاتها لتناول القضايا الكبرى والإمكانيات المتاحة لمعالجتها. وأسّست فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة والمملكة المتحدة هذه المنظومة لغاية ضمان حوكمة جيدة للعالم.

وشهدت القمة الأولى في رامبويي في فرنسا عام 1975 اجتماع الدول الست المؤسسة لغاية الدفاع عن القيم الليبرالية والديمقراطية الغربية ومعالجة القضايا الدولية الكبرى، والتأثير البنّاء في المؤسسات الدولية الكبرى. وانضمت كندا إلى المجموعة في قمة بورتو ريكو عام 1976.

من الأسئلة المطروحة أمام مجموعة السبع هي هل أن التحالفات والقواعد الدولية التي أسهمت في تأسيسها يمكن الحفاظ عليها أم أنها إلى زوال

 وبعد عدة مشاركات لروسيا في القمم اللاحقة بمستويات مختلفة، انضمت إليها رسميا في قمة بريمنغهام في عام 1998، وأصبحت عضوا كامل العضوية. واحتضنت قمة سنة 2006 في مدينة القديس بطرسبرغ. وكانت روسيا تستعد لاستقبال قمة ثانية في 2014، إلا أن ضم جزيرة القرم حال دون تنظيم القمة في سوتشي، وتحولت الوجهة إلى بروكسل التي احتضنت القمة وأفضى الاجتماع حينها إلى إقصاء روسيا.

مما يحسب من نجاحات في قمم مجموعة السبع الكبار (1975-2019) أنها كانت تعتمد في قراراتها على التوافق بين أعضائها لفرض مواقفها كرجل واحد كما اتضح من كيفية معالجة الدين السيادي في عام 2008-2009، وتحقيق نجاحات أخرى في تاريخ قممها، بخاصة تأسيس مجموعة العمل المالية في عام 1989، وإنشاء صندوق غلاف وقائي لمحطة تشيرنوبيل النووية عام 1997 ما يزال يعمل إلى حد الساعة.

ويضاف إلى القائمة الصندوق العالمي لمكافحة مرض الإيدز ومرض السل والملاريا في عام 2001، والإعلان عن الشراكة العالمية من أجل التربية، وخطة العمل من أجل أفريقيا، والشراكة العالمية لمنع انتشار أسلحة التدمير الشامل في عام 2002، ثم مبادرة أكيلا من أجل الأمن الغذائي العالمي في 2009، والتي التزمت بأداء 22 مليار دولار لمعالجة أزمة الأمن الغذائي التي رافقت بداية الألفية الثانية، ومبادرة ميسكوكا لأمن الأمهات وحديثي الولادة والرضع في 2010، ثم دعم سيادة أوكرانيا في 2014.

والتزمت المجموعة بدعم مؤتمر المناخ في باريس 2015، وآليات تمويل مكافحة الأوبئة في 2016 بعد التداعيات الكارثية التي خلفها وباء إيبولا في عام 2016 في أفريقيا الغربية، ثم ما تم الإعلان عنه في القمة الأخيرة في مدينة شارلوفوا الكندية من إطلاق خطة العمل من أجل الحفاظ على نظافة البحار والمحيطات والمجتمعات الساحلية، ثم مستقبل العمل، وبلورة رؤية مشتركة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

أولويات قمة بياريتس

أثناء قمة 2018 سعت الرئاسة الكندية إلى اختيار سبع اتفاقيات للتفاوض حولها والوصول إلى توافقات بشأنها، وذلك لتفادي إصدار بيان نهائي فضفاض. وتمحورت الإعلانات السبعة حول فرص المساواة في التنمية الاقتصادية، والتمويل الخلاق للتنمية، ومستقبل الذكاء الاصطناعي، والرفع من مستوى التربية لدى الفتيات والنساء في البلدان النامية، ثم محاربة العنف بين الجنسين، وقضايا الجندر، والإساءة والمضايقة والتحرش الرقمي، والدفاع عن الديمقراطية أمام الأخطار الخارجية، ثم برنامج سلامة البحار والمحيطات والجماعات التي تعيش على الشواطئ.

لم تتغير الصورة كثيرا اليوم، بل ازدادت الرهانات صعوبة. ويجتمع في جنوب فرنسا أكثر من 34 فريقا تحت إشراف الرئاسة الفرنسية لضمان نجاح قمة 2019، التي تنعقد بالتزامن مع قمم مضادة ينظمها مناهضو العولمة.

 ويشارك في المفاوضات مسؤولون وخبراء مختصون في قضايا العلاقات الخارجية والمالية والاستثمارات الأجنبية والعقوبات ومجموعة ليون-روما من أجل مكافحة الجريمة والإرهاب ومجموعة العمل حول الأمن الغذائي، ومجموعة الخبراء حول قضايا الصحة.

كما نظّمت وزارة الخارجية الفرنسية عدة لقاءات وزارية في سانت- مالو، واجتماعات بين وزراء الداخلية في باريس، ثم عقد فريق المجلس الاستشاري الخاص بالمساواة بين الجنسين عدة لقاءات.

ماكرون مصمم على طرح نفسه كوسيط في المشهد العالمي المتقلب
ماكرون مصمم على طرح نفسه كوسيط في المشهد العالمي المتقلب

وتوجت هذه اللقاءات بإصدار عدة بيانات منها إعلان دينار- سانت مالو الخاص بوزراء الخارجية حول دعم حقوق المرأة، والسلام والأمن وصولا إلى إعلان دينار- سانت مالو حول الشراكة من أجل استراتيجية العمل العامة لمكافحة التهريب في دول الساحل، علاوة على الإعلان الهام حول معايير الأمن السبراني، واحترام القانون الدولي، بخاصة تعزيز دور منظمة الأمم المتحدة. وأعدّ وزراء الداخلية وثائق حول مكافحة الهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر، ومحاربة التطرف الرقمي، ثم كيفية معالجة عودة أسر المتورطين في أعمال إرهابية، ومكافحة الجريمة البيئية.

سياسيا، بدأت إجابات البلد المضيف في هذه الملفات المتشابكة بخطوة لافتة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المصمم على طرح نفسه كوسيط في المشهد العالمي المتقلب، وذلك باستقباله للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أحد المنتجعات الرئاسية الفرنسية البارزة.

جاءت هذه الخطوة للتأكيد على الدور الروسي في نادي الكبار. وطرحت على طاولة لقاء ماكرون وبوتين ملفات ما يجري في الشرق الأوسط من تقويض لأسس النظام الدولي من بعض حلفاء روسيا، وكيفية إحياء النظام الراهن لمعالجة مشكلات العولمة، والمشكلات العالمية الجديدة. كما يتوقع أن تكون عودة روسيا التي استبعدت منذ ضمها شبه جزيرة القرم في 2014 موضع نقاش خلال القمة.

قطبية أحادية أم قطبية تعددية

يتم اتخاذ القرارات في مجموعة السبع وفق آليات التوافق التي وضعت منذ تأسيس المجموعة، لكن منهجية العمل التوافقية لا تغيب عنها في بعض الأحيان صعوبات وآثار سلبية، خاصة إذا رفض عضو من المجموعة قرارات باقي الأعضاء كما فعلت الولايات المتحدة في قمة 2018 حول التغير المناخي، وما يتعلق بالحمائية والتنمية المستدامة، ورفضها الانخراط في تقديم الدعم للنظام الدولي القائم على احترام القانون الدولي.

وظهر هذا الاختلاف واضحا في بيان وزراء المالية أثناء انعقاد اجتماع مجموعة الست+ الاتحاد الأوروبي وإدانتها الولايات المتحدة عند اعتمادها تعريفة بخصوص حديد وألمونيوم مجموعة بلدان السبع الكبار. وما يدل على هذا التنافر الذي لحق مجموعة السبع تحول العلاقات الصينية-اليابانية من التنافس الشرس والعداء إلى التعاون، بحيث وقع رئيس وزراء اليابان شينزو أبي في أكتوبر 2018 أكثر من 50 اتفاقية للتعاون الاقتصادي.

إن الأسئلة المطروحة اليوم أمام مجموعة السبع هي هل أن التحالفات والقواعد الدولية التي أسهمت في تأسيسها ورعايتها واشنطن يمكن الحفاظ عليها أم أنها إلى زوال نهائي؟ وهل يمكن إحياء النظام الراهن بالرغم من بعض السياسات التي أدت إلى تنفير حلفائه وتشجيع خصومه، البديل الذي ستكشف عنه الأيام القادمة، أم أن كل الجهود لإعادة إحياء النظام الدولي أو إنعاشه ستكون بلا فائدة؟ وعوض المنافسة على الأسواق والمزايا التكنولوجية وتحسين آليات الاستثمار وتطبيق القانون الدولي سيتجه العالم إلى صياغة تكتلات عسكرية واقتصادية جديدة غايتها السعي نحو الهيمنة.

بعد أربعين عاما تواجه الدول الصناعية الكبرى السبع تراجعا في التعددية وبروز قوى جديدة مثل الصين ونزعة قومية في قلب الديمقراطيات الغربية. وبالنظر إلى التغيرات الحالية وصعود قوى منافسة حول العديد من المصالح المتضاربة، من الواضح أن روسيا والصين ودول البريكس ورابطة الدول المستقلة ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي لا تنظر بعين الرضى إلى الدور المركزي الذي تلعبه مجموعة السبع في تناول القضايا الدولية.

ويبدو أن العديد من الدول تفضل مجموعة العشرين على مجموعة السبع، حيث تلعب دول أخرى صاعدة دورا كبيرا، وترى أن آليات العمل المشتركة أكثر تشاركية وإنصافا، أضف إلى ذلك أن إدارة ترامب وفّرت الكثير من الحجج للخصوم والأعداء في قمة تاورمينا في إيطاليا في 2017، وفي مالباي في كندا 2018، التي تؤكد عدم احترامها لقرارات وتوجهات مجموعة السبع ذاتها، وأنها أرادت من قممها أن تكون مجرد آلية لفرض عالم أحادي القطبية ولّى زمنه.

اقرأ أيضا:

قمم مضادة وأجواء من التوتر ترافق قمة مجموعة السبع

6