هل تنقذنا القصص من حماقاتنا البشرية

الإيمان بالحكاية ينبع من موقف إنساني عميق بأنها الشكل الأول للتعبير البشري، وقدرتها على اختزال التجربة البشرية واختزان معارفها، ففي البدء كانت الكلمة، ثم أتت اللغة بصيغتها التواصليّة ثم الشعريّة، لتؤسس هذه اللغة نفسها كمؤسسة عبر حكايات وسرديات تشكل ماهية الوجود البشري، هذه الحكايات هي خلاصة تفكيرنا بأنفسنا كبشر وفهمنا لطبيعة العالم من حولنا، هي محط الصراعات، والمنتصر هو صاحب الحكاية التي تسود.
الاثنين 2016/11/14
من لا حكاية له في الذاكرة لا وجود له في الأرض (لوحة للفنان محسن شعلان)

من يفرض كلماته وتعريفاته هو من يرسخ وجوده، فمن لا حكاية له، غير موجود، سيغرق في دوامة النسيان، وتهيمن حكايات المنتصرين على صورته عن ذاته، في هذا السياق يتنزل كتاب “مدينة الكلمات”، للكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل.

والكتاب، الصادر هذا العام عن دار “الساقي للنشر والتوزيع”، ببيروت، ومن ترجمة يزن الحاج، عبارة عن خمس محاضرات ألقاها مانغويل في كندا عام 2007 حين تم اختياره ضمن فعاليات “محاضرات ماسي” السنوية، وفيها يقارب مانغويل الحكاية بوصفها أداة لتفسير العالم وعلاقاته، لتكون وسيلة سياسية واجتماعية وثقافية لفهم الإنسان وعلاقته بالكون، وبوصفها أداة تفسيريّة تختزن الخبرة التاريخية، وصراع الهويات، وغيرها من التساؤلات الفكرية المرتبطة بالوجود البشريّ.

تتناول المحاضرات موضوعا واحدا، وهو الحكاية وتفسيراتها، لا بالمعنى التقليدي لاستخدامها، بل بالمعنى النقدي، إذ يقرأ مانغويل الحكاية كوسيلة لفهم العالم. ففي المحاضرة الأولى بعنوان “صوت كاساندر” يبدأ بمنشئ الحكاية، سواء تلك الشعريّة أو التنبئية، ويشير إلى مصير السارد المرتبط بالنفي والرفض، بوصفه يؤسس لحقيقة مغايرة لتلك الحقيقة السياسية.

ويرى أن موقف أفلاطون الرافض للشعراء في مدينته الفاضلة نابع من كونهم رواة لحكايات لا تنتمي إلى منطق المدينة، أو تختزن قدرة تنبئية، ليشير بعدها إلى تجربة المنفى والكتابة، وحياة الشاعر المطرود خارج بلاده، ودور الحكاية كوسيلة لخلاصه الشخصي، بوصفها تعيد تعريف الانتماء السياسي، مستخدماً العديد من الأمثلة للحكاية، باعتبارها انفلاتا سردياً من سطوة السياسة، فالمنفى حرية لكن قيد في الوقت ذاته، بوصف الراوي حينها ينتمي إلى عوالم لا يعرف حكاياتها، ولعنة هذا المبدع هي وهمه بأن الآخرين قد يصدقون ما يقوله، علماً أن التاريخ والحكاية نفسها يؤكدان أن أحداً لن يصدق.

المدينة والوحوش

يستند مانغويل في المحاضرة الثانية إلى ملحمة جلجامش، ليعيد تفسير العلاقة بين الأنا والآخر، والدلالات المجازية للملحمة عن العلاقة بين المدينة والطبيعة الوحشية خارجها، وتحديد ملامح الآخر الدخيل الذي يمثل الصورة المعاكسة للأنا.

في حديثه عن بابل يبحث مانغويل في مفاهيم اللغة ويستعيد الأساطير والقصص المرتبطة بها وخصوصاً تلك الدينية منها

وينتقل المؤلف إلى الحكايات التاريخيّة لتحديد طبيعة العلاقة بين الغريب الإيكزوتيكي وبين الأنا الذي يدّعي الكمال، لتبرز تساؤلات الهوية وما ينشأ عنها من إقصاء وتسامح، ودور هذا القرين المسخ في خلخلة العالم وصورته المثالية، ضارباً أمثلة من التاريخ الإسلامي واليهودي والمسيحي، لرصد هذا “الآخر” المتوحش الذي تتبدل هيئته مع كل عصر، ليعود إلى الحكاية نفسها، بوصفها اختزالا للموقف السياسي والاجتماعي، سواء كانت ملحمة جلجامش، أو ما هو أحدث كـ”دكتور جايكل ومستر هايد” أو “صورة دوريان غراي”، باعتبارها حكايات تقدم صورة مختلفة للعلاقة بين الأنا والآخر، وكأن الشعراء أنفسهم الذين طردوا مرة من ملكوت المدينة بكل معانيها، هم الأقدر على تصور علاقتها بالآخر، حيث تتحول ذواتهم إلى آخرين غرباء في حالة النفي.

في حديثه عن بابل يبحث مانغويل في مفاهيم اللغة، ويستعيد الأساطير والقصص المرتبطة بها وخصوصاً تلك الدينيّة منها، المرتبطة ببابل ودور اختلاف اللغة في زرع الفتنة، فاختلاف اللغة يعني اختلاف الحكاية، وافتراض أن الآخر الذي لا يفهم حكايتي هو عدوي، لتغدو الحكاية وترجمتها حركة في الزمان والمكان، توقاً للوصول إلى السماء عبر بابل، فهو انعكاس للسعي نحو الوصول، لا الوصول نفسه.

"مدينة الكلمات" كتاب يبحث في الهويات وتساؤلات الوجود

ينتقل بعدها إلى دون كيخوته، والتأسيس للحكاية وإعادة بعثها، ودور الرواية في صناعة الهوية واستعادتها وما تختزنه من عوامل سياسية واجتماعية، لا بوصفها سرداً متخيلاً، بل تقنية لتفكيك مفهوم الهوية عبر مرجعيات دون كيخوته نفسها وعلاقتها بأسبانيا واليهود والعرب، وطبيعة الفرضية التي اتبعها سيرفانتس في بناء الحكاية بوصفها مترجمة عن العربية، اللغة المحرمة في تلك الفترة، وكأن الصراع بين الحكايات المبتدعة وتلك الحقيقية، هو صراع على الهوية، ليصبح مفهوم التاريخ مرتبطاً بالقدرة على إثبات صحة الحكاية ومنطقيتها، بغض النظر عما إذا كانت أحداثها حقيقية أم لا، فالسرد هو سبيل إلى خلق الإدراك التاريخي وتدعيم الهوية.

الصناعة الحكائية

من الصعب الإحاطة بكل الأفكار والفرضيات التي يناقشها مانغويل في محاضراته، إذ تتنوع مجالاتها وأمثلتها، لكن ما يثير الاهتمام في المحاضرة الأخيرة هو مقاربته للحكاية من وجهة النظر الحالية والمرتبطة بـ”الصناعة الثقافية” بوصفها فعلا مؤسساتيا استهلاكيا، لا يخضع إلا لضوابط السوق والعرض والطلب و”صناعة الكتب”. وينعكس ذلك على الحكايات التي أصبح الكثير منها سخيفاً ومعلبا، هدفها البلاهة الخالية من العمق.

ويشير إلى أهم أعراض هذه الصناعة، ألا هو التحرير، إذ يطرح تساؤل “لم الكاتب هو الفنان الوحيد الذي يحتاج إلى محرر؟ “، وكأن المحرر متقن للمهنة، يعرف ضوابط السوق والمؤسسة وقنوات الاستهلاك، إلى جانب ترسيخ فكرة وجود صيغة مثالية عن “الحكاية / النص”، والمحرر هو من يتقن هذا النموذج. كما يشير إلى نظام الشراكات بين دور النشر والصحف ودورها في تصنيع الثقافة و”تسهيلها” للقارئ، وكأنه غبي، ويجب تبسيط “الحكايات” له، فنحن في ظل دوغما مؤسساتية ذات صيغة دكتاتوريّة، أساسها السوق والاستهلاك لا الذائقة الجمالية.

14