هل تنقذ خطة استفتاء اللحظة الأخيرة تيريزا ماي

رئيسة الوزراء البريطانية تواجه الأوروبيين بسيناريو خسارتها كحليف وتلوّح للبريطانيين بورقة الخروج بلا اتفاق.
الأربعاء 2018/12/12
حتى الحلفاء لم تعجبهم خطة ماي

لندن - تعيش بريطانيا منذ حملة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، المقرر في مارس 2019، في فوضى شاملة بسبب هذه القضية، التي دخلت مراحلها الأخيرة، دون أن تتبدد حيرة البريطانيين بشأن البريكست ومستقبل ما بعد خسارة العضوية في الاتحاد الأوروبي، كما تصاعدت الأزمة السياسية، نتيجة خطة البريكست الذي أطاح في 2016 بحكومة ديفيد كامرون، لتخلفه تيريزا ماي التي لا تبدو اليوم في حال أفضل من سلفها.

تواجه تيريزا ماي تحديات في الداخل والخارج. فوضعها السياسي هش إلى درجة أنها تواجه تحديا قياديا من زملائها نواب حزب المحافظين، الذين قد يحاولون استبدالها برئيس وزراء آخر. وثمة تهديد كامن آخر هو حزب العمال، حزب المعارضة الرئيسي، الذي يمكنه تقديم مذكرة انعدام ثقة في الحكومة، فيما يصر الاتحاد الأوروبي على “الانتقام” من قرار الانسحاب بالتشدد على أنه لن يعيد التفاوض على البريكست.

قبل يونيو 2016، عملت بروكسل وباريس وبرلين جاهدة من أجل منع أي محاولة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن الموجة الشعوبية التي سادت العالم بصعود اليمين المتطرف خلال العامين الماضيين، أثرت بشكل كبير على نتائج استفتاء الخروج إلى درجة أنها لم تسمح بمراجعة دقيقة وموضوعية لإيجابيات وسلبيات كل حالة، سواء البقاء أو الانفصال وأيهما أفضل، وانتهى الاستفتاء بنتيجة صادمة، وهي التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

اليوم، وبعد أن هدأت موجة المدافعين عن الخروج، وبدأت تتضح عواقب البريكست وتعقيداته، تحولت بروكسيل وباريس وبرلين، إلى موقع قوة انعكس في إصراره على عدم تقديم أي تنازلات إضافية والتمسك بالاتفاق الذي توصلوا إليه في نهاية نوفمبر بعد 17 شهرا من المحادثات الصعبة والتقنية بين لندن وبروكسل.

وفي 10 ديسمبر، وقبل يوم واحد فقط من التصويت المصيري في مجلس العموم على اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن، بعدما بات شبه مؤكد أن الاتفاق سيُرفض أمام البرلمان، اختارت ماي أقل الهزائم ضررا، وقررت المغامرة بالإعلان عن تأجيل التصويت على صفقة البريكست، إلى العام القادم (قبل 21 يناير)، في محاولة لكسب الوقت، بعد أن تحولت المفاوضات التي سبقت تصويت الـ11 من ديسمبر، إلى “محاكمة” لها واختبار قد ينتهي بخسارتها.

تيريزا ماي تأمل في تكثيف الضغط على النواب البريطانيين عبر التهديد بخروج بريطانيا من الاتحاد من دون اتفاق إذا لم يوافقوا على النصّ، إلّا أن استراتيجيتها هذه محفوفة بالمخاطر

وفتح قرار ماي الباب أمام مجموعة من النتائج المحتملة التي تتراوح بين خروج بريطانيا من الاتحاد دون اتفاق، أو إبرام اتفاق في اللحظة الأخيرة قبل أسابيع من الموعد المقرر للانسحاب في 29 مارس القادم، أو إجراء استفتاء ثان على الخروج. ومما لا شك فيه أنها لم تفصح عما كان يود العديد من نواب حزب المحافظين سماعه، وهي أنها ستعيد فتح المفاوضات حول اتفاقية الانسحاب.

لكن بدلا من ذلك، وعدت ماي بالسعي للحصول على “ضمانات إضافية” من الاتحاد الأوروبي بأن المملكة المتحدة لا يمكن أن تظل عالقة إلى أجل غير مسمى في اقتراح شبكة الأمان (باكستوب) لمنع بناء حدود مادية مع أيرلندا، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع عدد الغاضبين من، ماي التي تواجه معارضة من حلفائها قبل معارضي الحكومة والبريكست التقليديين.

مذكرة حجب الثقة

يواجه زعيم حزب العمال البريطاني، جيريمي كوربن ضغوطا يمارسها عليه نواب من حزبه ونواب من أحزاب معارضة أخرى، لإطلاق مذكرة حجب الثقة للإطاحة بالحكومة، الأمر الذي يستبعده حتى هذه اللحظة. كما، تواجه ماي تهديدا بتصويت على حجب الثقة عنها في صلب حزبها، وذلك في حال قدم 48 نائبا محافظا الطلب إلى غراهام برادي رئيس “لجنة 1922” بالحزب التي تمثل النواب الذين ليس لديهم وظائف حكومية.

ووصل عدد المطالبين بحجب الثقة، الثلاثاء، إلى 26 نائبا، مع تقديم النائب في البرلمان البريطاني كريسبين بلانت برسالة بعدم الثقة في رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى لجنة مكلفة بسباقات الزعامة في حزب المحافظين. ونقلت صحيفة تايمز عن بلانت قوله “أريد أن أشجع أولئك الذين يفكرون في الأمر.. أن يقوموا به”.

ويكسب المشككون في خطة ماي المزيد من الأصوات، حيث ذهب النائب المحافظ ستيف بيكر في ذات التصعيد، مشيرا في تصريحات لراديو هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي)، إلى أن “رئيسة الوزراء يجب أن ترحل الآن”؛ وحثّ بقية أعضاء الحزب في البرلمان على إجراء تصويت بحجب الثقة عنها. وقال بيكر “ما أريده اليوم هو أن يدرك أعضاء حزب المحافظين في البرلمان أننا لم نعد نستطيع المضي بهذا التعثر ويؤسفني أن أقترح التصويت بحجب الثقة”.

ولا يرى بيكر مستقبلا لخطة تيريزا ماي حتى بعد قرار تأجيل التصويت، مشيرا إلى أن مآلها الفشل. وقال “إذا لم نتمكن من المضي قدما في اتفاقها… فيؤسفني أن أقول إن السبيل الوحيد لتغيير السياسة هو تغيير رئيسة الوزراء، وأعتقد بالفعل أن من واجبها أن ترحل”.

وكتب أندرو غريس، في صحيفة الإندبندنت، قائلا “على الرغم من أن تراجع ماي جعلها تبدو ضعيفة وذكّرنا أيضا بأنها مجرد رئيسة وزراء تجلس في مكتبها لكنها لا تملك أي سلطة، إلا أنها اختارت أقل الأضرار، ولا سيما بعد أن تم تحذيرها من قبل أحد نواب حزب المحافظين بأنها واجهت هزيمة ساحقة بأكثر من 100 صوت”.

وأوضح أنه لو أن جميع أعضاء البرلمان من حزب المحافظين ممن انتقدوا اتفاقها قد صوتوا ضدها، لكانت خسرت بنحو 200 صوت، وهي هزيمة لن تؤدي فقط إلى قتل صفقتها، ولكن ربما قد كانت أنهت فترة ولايتها هذا الأسبوع؛ وقد يكون هذا التراجع قصير الأجل. فالاتحاد الأوروبي لن يعيد فتح ملف اتفاقية الانسحاب. وأوضحت بعض الآراء في بروكسل أن ماي لم تكن واضحة في ما أرادت قوله في خطابها الأخير، والذي لا يبشر بأنها ستحصل في النهاية على ما تريد.

ويشير غريس إلى أن التأخير قد يؤجل فقط أمرا لا مفر منه، ولكن ليس لفترة طويلة. حيث يمكن للأحداث القادمة أن تتجاوز تصرفها هذا. وسيرى العديد من نواب حزب المحافظين هزيمة ماي الأخيرة تؤكد على أنها قد فقدت سلطتها، التي لا يمكن لها أن تستردها.

وتأمل رئيسة الوزراء من محاولة إقناع شركائها بالاتحاد الأوروبي في تعديل أجزاء من الاتفاق لجعله أكثر قبولا للمشرعين البريطانيين خلال قمة الاتحاد الأوروبي في 13 و14 ديسمبر الجاري. لكن، أوضحت بعض الآراء في بروكسل أن ماي لم تكن واضحة في ما أرادت قوله في خطابها الأخير، الأمر الذي لا يبشر بأنها ستحصل في النهاية على ما تريد.

الدعم الأوروبي

مهمة عسيرة
مهمة عسيرة

توجهت ماي مباشرة، بعد إعلان التصويت إلى البحث من جديد عن “دعم” من الأوروبيين، حيث بدأت رئيسة الوزراء البريطانية الثلاثاء سلسلة لقاءات مع قادة أوروبيين لمناشدتهم تقديم تنازلات حول اتفاق بريكست في محاولة يائسة لإنقاذ هذا النصّ الذي يرفض البرلمان البريطاني التصديق عليه في وضعه الحالي.

والتقت ماي صباح الثلاثاء في لاهاي نظيرها الهولندي مارك روتي الذي كتب في تغريدة إن “الحوار كان مفيدا” من دون إعطاء المزيد من التفاصيل، فيما وصف متحدث باسم رئاسة الوزراء البريطانية هذا اللقاء بأنه “مثمر”. وقال إن ماي وروتي “توافقا على أن حل الباكستوب مصمم كي يبقى مؤقتا” ورئيسة الوزراء “تحدثت عن ضرورة الحصول على ضمانات إضافية بهذا الشأن بهدف أن يتم التصويت على الاتفاق في مجلس العموم”.

ووصلت ماي بعدها إلى برلين حيث استقبلتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل لقائها في بروكسل رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك. وقبل لقاء ماي وميركل في برلين، صرّح رئيس تحالف الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي في البرلمان الألماني، مايكل غروس برومر أن اتفاق بريكست “متوازن” و”لن تتم إعادة فتحه”. وأضاف “لا أعتقد أن رئيسة الوزراء البريطانية تنتظر ذلك”.

وتمّت الدعوة لعقد قمة مخصصة لبحث بريكست الخميس في بروكسل، في اليوم الأول من اجتماعات المجلس الأوروبي في 13 و14 ديسمبر الجاري. لكن لا يبدو أن الوضع مشجع في بروكسل، حيث كرر قادة الدول الـ27 رفضهم إعادة فتح المفاوضات حول الاتفاق.

وصرّح توسك “نحن مستعدون لمناقشة كيفية تسهيل المصادقة البريطانية” لكنه حذّر بقوله من “أننا لن نتفاوض مجددا حول الاتفاق ويشمل ذلك شبكة الأمان”، فيما غرّد يونكر في تغريدة صباح الثلاثاء “ليس هناك مكان لإعادة تفاوض لكن من الممكن إعطاء المزيد من التوضيحات”.

وتعترض لندن على خطة شبكة الأمان التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي وتقوم على إبقاء أيرلندا الشمالية ضمن الاتحاد الجمركي وفق القواعد الأوروبية طالما المفاوضات مستمرة حول اتفاق تجاري. وتعتبر الحكومة البريطانية مثل هذا الحل “غير مقبول” لأنه سيؤدي بنظرها إلى عودة الحدود بحكم الأمر الواقع بين أيرلندا الشمالية وسائر المملكة المتحدة. وأوضحت الوزيرة المكلفة بشؤون العلاقات مع البرلمان أندريا ليدسوم أن ماي تسعى للحصول على ضمانات “ملزمة قانونا” بشأن أن المملكة المتحدة لن تكون أسيرة حل الباكستوب بعد البريكست. وتقضي هذه الآلية المثيرة للجدل بإنشاء مؤقتا لـ”منطقة جمركية واحدة” تشمل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لتجنّب إعادة الحدود الفعلية بين جمهورية أيرلندا ومقاطعة أيرلندا الشمالية.

Thumbnail

وقال وزير الدولة لشؤون بريكست مارتن كالانان، لدى وصوله إلى اجتماع وزاري في بروكسل الثلاثاء، إن تيريزا ماي “تريد ضمانات قانونية إضافية لا تجد المملكة المتحدة نفسها بموجبها عالقة بشكل دائم في الباكستوب الأيرلندي”. وشدد على أن هذه الضمانات يجب أن تكون “ملزمة قانونا”.

وشدّد مسؤول ملف بريكست في البرلمان الأوروبي غي فرهوفشتات على أن بريطانيا “لن تترك أيرلندا تسقط أبدا، من غير الممكن إعادة التفاوض بشأن الباكستوب وإذا تريدون علاقة مستقبلية أقرب بين لندن والاتحاد الأوروبي ليس هناك أي مشكلة بالنسبة إلينا”.

ولتعقيد الأمور أكثر، قال الحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي (وهو حزب أيرلندا الشمالية الذي يدعم حكومة ماي في البرلمان) إنه لا يريد إعادة التفاوض على اقتراح الأمان الأيرلندي، بل إلغاؤه بالكامل. وفي ظل هذا الارتباك، ستزداد الدعوات لإنهاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحتى لإجراء استفتاء آخر في الأيام القادمة.

في خضم الجدل البريطاني- البريطاني، قضت محكمة العدل الأوروبية بأن المملكة المتحدة يمكن أن تظل على شروط العضوية الحالية. وهذا من شأنه أن يساعد مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي على مواجهة هجوم عنيف في استفتاء، ستفقد فيه المملكة المتحدة التخفيض على مساهماتها في الاتحاد الأوروبي التي فازت بها مارغريت تاتشر، وستضطر إلى الانضمام إلى مجتمع اليورو واتفاقية الشنغن.

وعلى الرغم من أن ماي أوضحت في مجلس العموم أنها لا تزال تعارض بشدة إجراء استفتاء ثان، فمن المهم أن يناقش الآن مساعدو داونينغ ستريت وبعض وزراء الحكومة الفكرة.

ومن المؤكد أن استفتاء اللحظة الأخيرة، أي عشية موعد الخروج النهائي، يكتسب شيئا فشيئا زخما في المملكة المتحدة، كما يضع الاتحاد الأوروبي في موقف حاسم أيضا حيث سيكون عليه تحديد الموقف وتقييم الوضع في حال خسر البراغماتية تيريزا ماي، التي لم تكن من مؤيدي البريسكت، وإن قادت مفاوضات الخروج، كحليفة، بخسارة حكومتها، ضمن سيناريو يمكن أن يؤدي إلى انتخابات وربما بصعود النائب العمالي اليساري جيرمي كوربن، المشكك في الاتحاد الأوروبي، وهو سيناريو إن كان ضعيفا، فف، تجربة استفتاء الخروج في يونيو 2016 أثبتت أن كل شيء ممكن.

7